لن تكون المرة الأولى التي تغيب فيها دولة عن المشاركة في دورة أولمبية، عندما تغيب روسيا عن الوفود الـ207 التي ستحمل أعلام بلدانها في افتتاح أولمبياد «ريو 2016» بعد أقل من أسبوعين، مثلما هو متوقع أن يحدث اليوم الأحد عقب اجتماع اللجنة الأولمبية الدولية، التي ستقرر ان كانت ستحرم روسيا من المشاركة الكاملة في الاولمبياد، أم تكتفي برحمانها من المشاركة في ألعاب القوى، بعد تفشي ظاهرة التنشيط الممنهج الذي نخر الرياضة الروسية الى أعماقها.
عادة ما تكون عدم المشاركة في الاولمبياد نابعة من أسباب سياسية، كنوع من الاحتجاج على اجراءات بعيدة عن الرياضة، على غرار العشرات من الاولمبياد، التي تكون مصاحبة لحروب بعدها أو قبلها، مثل ما بعد الحربين العالميتين، فأولمبياد أنتويرب البلجيكية لم تدع المهزومين من الحرب العالمية الاولى، كالالمان والمجريين والنمساويين والأتراك، في حين أجبرت الالمانيتان (الغربية والشرقية) للمشاركة تحت علم واحد في أولمبيادي 1952 و1964، في حين كانت هناك حرب سيكولوجية طاحنة بين السوفييت والامريكان قبل أولمبيادي موسكو (1980) ولوس انجليس (1984) فلم تشارك كل دولة في أولمبياد الآخر، بسبب حرب السوفييت في أفغانستان. وكانت للدول العربية مواقف من المشاركة أيضاً لأسباب سياسية، ففي أولمبياد 1956 في ملبورن الاسترالية، وفي خضم أزمة قناة السويس، انسحبت مصر ولبنان والعراق احتجاجاً على مشاركة بريطانيا وفرنسا واسرائيل. وفي الاولمبياد ذاتها، وعقب الثورة المجرية انسحبت اسبانيا وسويسرا وهولندا من الاولمبياد بسبب مشاركة الاتحاد السوفييتي، وأيضاً انسحبت الصين بسبب مشاركة تايوان. وفي أولمبياد طوكيو 1964، حرمت جنوب افريقيا من المشاركة بسبب مواقفها السياسية العنصرية، وفي أولمبياد 1976 في مونتريال، انسجبت العديد من الدول الافريقية بتشجيع من العراق وسوريا والسودان، بسبب مشاركة نيوزيلندا التي شبهت بعنصرية جنوب أفريقيا.
وفي 1988 في سول، كان الأمل ان تسير الامور بسلاسة بعد أكبر احتجاجات في تاريخ الاولمبياد في الدورتين السابقتين (1980 و1984) بسبب صراع العملاقين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة في حربهما الباردة، ومع ذلك برزت أزمت الكوريتين، فانسحبت الشمالية ومعها كوبا واثيوبيا لاسباب سياسية مختلفة. ومنذها انتظمت المشاركات، رغم بقاء الجدر السياسي يغلي كل حين وآخر، لأن الرياضة أصبحت بحد ذاتها رونقاً لا مثيل له، بل صارت المشاركة ذات أهمية عالية بمثابة تأكيد موقف وابراز هوية، مهما كانت الخلافات والمشاكل.
لكن الوضع الروسي يختلف اليوم، لأن الغياب نابع من مشكلة كبيرة، ظاهرها رياضي، وباطنها أيضاً رياضي، لكن هدفها سياسي بحت. فالأسلوب الغربي في التعامل مع مشاكل روسيا، ان كانت المشكلة الاوكرانية أو السورية، ليس مباشرا ولا صدامياً، بل جاء عن طريق شطب رياضييها من كل المحافل العالمية، فبعد زلزال المنشطات التي ترعاها الحكومة الروسية بحسب تقارير محققي الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات، فان الامر تخطى ألعاب القوى، فوجدت أكبر نجمة تنس في روسيا ماريا شارابوفا معاقبة بالايقاف بعد تنشطها، عدا عن الطبخ على نار هادئة، كفكرة سحب استضافة روسيا لمونديال 2018، خصوصاً بعد اسقاط ورقة التوت عن كل رموز الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، وفي أي لحظة ربما تبدأ كشف الحقائق عن شراء روسيا لاصوات انتخابها لاستضافة الحدث الكروي… ربما مسألة وقت، تأتي عقب نهاية أولمبياد ريو، وربما بانتظار لحظة ركوع الدب الروسي… لا شك أنها لعبة سياسية قذرة وماكرة ومتقنة، سيدفع ثمنها مئات الرياضيين النزهاء.
خلدون الشيخ