الناصرة ـ «القدس العربي»: «نكبة وبقاء» حكاية فلسطينيين ظلوا في حيفا والجليل(1948-1956) عنوان كتاب جديد للمؤرخ د. عادل مناع يأتي ثمرة جهد دام عشر سنوات إضاءة ومساهمة هامة باستكمال كتابة رواية النكبة لاسيما أنه يتناول زوايا جديدة بعضها كان معتما وينصف جنودا مجهولين كثرا. في الكتاب الممتد على 480 صفحة والصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية (بيروت) يتوقف المؤرخ عند أسئلة محورية هامة أبرزها سؤال كيف نجح نحو 130 ألف من الفلسطينيين البقاء في وطنهم رغم النكبة كما يشي عنوان الكتاب وإن كان يتمحور في الجليل وحيفا. الكتاب المعتمد على مصادر غنية وافرة يتصدى لبعض مزاعم المؤرخين الإسرائيليين خاصة «الجدد المرتدين» كـ بيني موريس وفي الأساس ما يتعلق بمحاولات تبرير التهجير وكأنها ظاهرة طبيعية تلازم الحروب. ويوازن المؤلف بين الأرشيف المكتوب وبين الرواية الشفوية التي ينصفها كمصدر تاريخي هام وهام جدا أحيانا ويعيد لها الاعتبار وبحق خاصة أن رواية المهزومين الباقين في وطنهم هي أهم تجديداته.
اغتصاب عزيزة
وتثري الروايات الشفوية المعتمدة وفق معايير الجرح والتعديل والغربلة المهنية الكتاب وتزيد متعة قرائته، فهي ترد بسرد روائي مشوق. في بعض المواقع يستكمل الكتاب تاريخها بفضل الروايات الشفوية، ففي قرية الصفصاف مثلا يقدم معلومات حول جرائم المحتلين من قتل جماعي للشباب واغتصاب صبايا القرية أبرزهن عزيزة شريدة. كانت عزيزة امرأة حسناء في الثلاثينيات من عمرها يوم دخل الجنود بيتها وقرروا اغتصابها أمام عيون ولدها (17 عاما) وزوجها وبقية أطفالها فقاومت فنفذوا تهديدهم بقتل ولدها البكر لعدم تلبيتها رغبتهم ثم هددوها بقتل زوجها إن لم تخلع ثيابها فرفضت فأطلق الجنود الإسرائيليون الرصاص على زوجها قبل أن يقتلوها على مرأى من أطفالها وقد أخذ أحد الأقرباء على عاتقه تربيتهم بعدما انضموا لقوافل اللاجئين.
من ناحية منهجية الكتابة التاريخية يشار أيضا إلى أن الكتاب يتعامل مع الروايات الشفوية برؤية نقدية مركبة بعيدا عن التعميم والتسطيح والتنميط وعن التعظيم مقابل التخوين، مقدما صورة غنية الألوان لا تقتصر على الأسود ـ الأبيض.
وأصاب الكاتب في اختياره منطقة محددة (الجليل وحيفا) لخصوصيتها، فهذا يمنحه فرصة الغوص في التفاصيل بشكل أعمق لتبيان صورة أوضح وإن كان هناك تكرار معيّن لها يمكن تلافيه في الطبعة المقبلة. ويلتزم الباحث بما قاله في المقدمة من أنه يستند لوقائع التاريخ المحلي دون محاولة فرض سردية أو نظرية شمولية لكنه في المقابل لا يكتفي بسرد التفصيلات المعلوماتية بل يوردها في سياق عام شامل مهتما بذلك بالأشجار المتنوعة وبالغابة الواحدة. ويوفّر الكتاب همزة الوصل المفقودة بين أبحاث النكبة وبين أبحاث المجتمع العربي في إسرائيل إذ غابت حتى الآن في معظم الحالات العلاقة السببية بين الموضوعين رغم أنها مباشرة وطبيعية.
زهرة الجاعونية
وتحظى مجد الكروم باهتمام خاص في الكتاب لأنها احتضنت مئات المهجرين من الجليل، حين تعرضت لمجزرة وللترحيل ولكونها بلدة المؤلف الذي تعرض وعائلته للتهجير للبنان حتى عادت على متن قارب ليلا وتسللت من صيدا إلى شمال عكا عام 1950. ويروي مناع مأساة ونضالات جدته زهرة الجاعونية قبل وبعد قتل زوجها ونسف بيتها أمام أطفالها وفقدانها أهلها في بلدة الجاعونة ممن طردوا إلى لبنان. بخلاف عمليات التأريخ المتميزة بالذكورية، عادة يلتفت مناع للمرأة وجدته زهرة «نموذج للمرأة الفاقدة للزوج والمسكن وقامت من تحت الركام لتحمل مسؤوليات أسرتها».
بخلاف مؤرخين كثر يسلط مناع الضوء على نضالات حقيقية لجيل النكبة، نضالات «المهزومين» من أجل البقاء والتشبث بالوطن واختراق حدود اليأس رغم هول الصدمة كما تدلل التجارب القاسية في عيلبون، وعيلوط، وكفرمندا ولاحقا كفرقاسم التي شهدت مجزرة مرعبة استهدفت تكرار سيناريو النكبة عام 1956. ويبدو أنه قد فات المؤلف استحضار تجربة قرية عين حوض في قضاء حيفا ممن صمم أهلها على البقاء في الغابة بعد طردهم من قريتهم حتى بنوا قرية جديدة تحمل اسمها القديم وهذه حالة بقاء جديرة بالاحترام والاستلهام حتى اليوم.
الكتاب يستحضر روايات من طردتهم إسرائيل مرات ومرات إلى جنين لكنهم واظبوا على الانتقال إلى سوريا ولبنان والعودة للجليل متسللا ماشيا غير آبه برصاص الموت. هذا إضافة للعيش في البراري والكهوف وتحت الشجر طيلة شهور ولخوض معركة قضائية من أجل الحصول على دخول سجلات السكان وبطاقات الهوية ليحمي نفسه من الطرد. في المقابل لا يتردد المؤرخ بالإشارة إلى أن بقاء الكثيرين أيضا تم من خلال الانحناء أمام العاصفة والتعاون مع المنتصرين تحاشيا للجوء والمنفى.
نجت مدينة الناصرة بخلاف شقيقاتها من الدمار بفعل عدة عوامل يغوص فيها المؤرخ، منها بعدها عن الحدود والمستوطنات وكونها خارج الدولة اليهودية. بالطبع يتفق الباحث مع مؤرخين آخرين يشيرون لخوف إسرائيل من ردات فعل العالم المسيحي والفاتيكان. كذلك يعتقد أن هناك دورا لوجود عدد من القيادات الشيوعية الفلسطينية التي أيدت قرار التقسيم وارتبطت بعلاقات طيبة مع حزب «مبام» المشارك في الحكومة الإسرائيلية الأولى. علاوة على إقامة عدد من معارضي المفتي في الناصرة أبرزهم سيف الدين الزعبي ممن كافأتهم إسرائيل على خدماتهم وتعاونهم ومن ضمن ذلك أخذها بالحسبان ذلك مما ساهم في حماية المدينة. كما يتفق مناع مع مؤرخين إسرائيليين جدد كبيني موريس بأن قائد الجيش الإسرائيلي بن دونكلمان في الناصرة لعب دورا ببقائها بدوافع إنسانية ويتفق مع المؤرخ مصطفى عباسي أن مسارعة رئيس بلدية الناصرة يوسف الفاهوم وأعوانه لتوقيع وثيقة الاستسلام ساهم في نجاة المدينة وقطع الطريق على من سعى لتهجيرها. وبخلاف أفكار مسبقة جارفة ينصف مناع جيش الإنقاذ ويشير لدوره في منع السكان من الرحيل من الناصرة وبعض قرى الجليل الأعلى لاحقا خلال عملية «حيرام» وهذا ما طالما أكده زميله المؤرخ البروفيسور مصطفى كبها.
كذلك يتوقف مناع بأشكال مختلفة عند مفارقات غريبة عجيبة ويستحضر مشاهد يطل فيها علينا اليوم التاريخ من شرفته ساخرا بالإشارة أيضا لدور جهات فلسطينية تعاونت مع إسرائيل كعضو الكنيست الراحل سيف الدين الزعبي وأوساط درزية وساهمت في بقاء آلاف وربما أكثر وحمايتهم من التهجير وإنقاذ قراهم من التدمير.
كما يتميز «نكبة وبقاء» بالتفاته لشخصيات فلسطينية وعربية ضحت من أجل المصلحة الوطنية وبقيت مغمورة تقريبا أو لم يفها المؤرخون حقها في الذاكرة الجمعية رغم نضالاتها خلال عام النكبة وبعدها والأهم لاحقا كالمحامي المثقف وديع البستاني، والمناضل الشيوعي عودة الأشهب، والمثقف الوطني فخري جدي، والمحامي صبحي الأيوبي والياس كوسا وغيرهم.
دور الشيوعيين
يفصل المؤلف بين دور الشيوعيين الفلسطينيين في الفترة بين قرار التقسيم عام 1947 والنكبة والعامين التاليين وبين الفترة بعد 1950-1949. يتعاطى الكتاب مع دور الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي الذي انتقل من تأييد الحركة الصهيونية لقرار التقسيم ولإسرائيل إلى دور ناقد لها وللاقتراب للموقف العربي – الفلسطيني لاحقا. وبعيدا عن سرديات البطولة والخيانة المعطوبة بالجهل أو الاعتبارات السياسية يقدم مناع قراءة نقدية لدور الحزب الشيوعي الفلسطيني «عصبة التحرر» ولاحقا الحزب الشيوعي الإسرائيلي. يؤكد الكتاب أن الشيوعيين الفلسطينيين ظلوا طيلة سنوات يرتكبون خطأ بنظرتهم للصراع وكأنه طبقي في الأساس حتى بعد انقسام 1944 وتأسيس عصبة التحرر الوطني التي رفضت بداية قرار التقسيم حتى مؤتمرها في الناصرة في شباط/فبراير 1948 الذي تحوم شبهات حول صدقية وشرعية قراره بقبول القرار المذكور. في جوهر ادعائه بهذا المضمار يؤكد المؤلف أن مواقف الشيوعيين الفلسطينيين تأثرت جدا بموقف الاتحاد السوفييتي الذي انحاز للتقسيم وإقامة دولة يهودية حظيت برضاه وموافقته بدعم أسلحة حاسمة من تشيكيا. ويكاد يقول المؤلف إن الاتحاد السوفييتي لعب دورا أكثر سلبية من الولايات المتحدة حيال القضية الفلسطينية حتى تبددت أوهامه في مطلع الخمسينيات بأن إسرائيل ستصبح اشتراكية وتبين أنها تقربت للغرب. وقبل تبدد هذه الأوهام وقف الحزب الشيوعي مع إسرائيل ودعا للمشاركة في احتفالات «عيد استقلالها» منذ العيد الأول. وهذا تغير لاحقا إذ صار «يوم الاستقلال» بباب المصطلحات «يوم نكبة الشعب الفلسطيني» في صحف الحزب بعد العدوان الثلاثي عام 1956 والتقاء الشيوعيين والوطنيين الفلسطينيين غداة تقارب عبد الناصر والمعسكر الاشتراكي. ويعتبر الكتاب أن نتائج حرب 1956 قد ساهمت في انتقال المتبقين في وطنهم من مرحلة الصراع على البقاء لمرحلة البناء.
ويستند المؤلف في توجيه سهام نقده لموقف الشيوعيين الفلسطينيين من الصراع على أرشيفات منها صحف الحزب بالعربية والعبرية (مضامينها وعناوينها ومصطلحاتها التي تدلل على كون الحزب الشيوعي وقتها حزبا وطنيا إسرائيليا).
لكن المؤلف ما يلبث أن يتوقف ما يكفي عند تغير موقف الحزب الشيوعي وتحوله لرأس الحربة ضد السلطات الإسرائيلية فور تغيّر موقف الاتحاد السوفييتي من إسرائيل في مطلع الخمسينيات والذي بلغ ذروته عند العدوان الثلاثي عام 1956.
ومع ذلك لا يعيب الحزب الشيوعي الإسرائيلي أن يقوم بمراجعة نقدية لبعض دفاتره والاعتراف بأخطائه التاريخية وإلا فهل يعقل أن ينشط حزب عريق وهام طيلة قرن دون ارتكاب أخطاء وأحيانا فادحة؟ ولذا من غير المجدي الهجوم الأعمى على مؤلف الكتاب واتهامه بالتربص للحزب الشيوعي أو إعادة نشر مقال للرفيق عصام مخول ضد الكتاب قبل صدوره، عام 2009 بدلا من مقارعة حججه وبراهينه ومزاعمه ومجمل مضامينه. فالحقيقة تنتصر في نهاية المطاف.
د. عادل مناع: «نكبة وبقاء»
مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 2016
480 صفحة
وديع عواودة