حداثي تجريبي في الشعر، رجعي محافظ في الفكر: رسائل ت. س. إليوت بوصفها مفاتيح أسراره

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي»: مع اقتراب صدور المجلد السادس من رسائل الشاعر البريطاني ـ الأمريكي الأصل توماس ستيرنز إليوت (1888 ـ 1965)، الشهر المقبل، تتزايد التكهنات حول ما ستحمله محموعة الرسائل من كشوفات، كانت خافية حتى الساعة، حول سلوكيات ومواقف وآراء الشاعر. ذلك لأنّ شعره، مثل مقالاته النقدية ومسرحياته أو حتى ترجماته، أُشبعت قراءة ودراسة وتحليلاً، رغم أنها تظلّ تحتمل المزيد من التنقيب، وثمة مناطق كثيرة ما تزال جديرة بالبحث والإضاءة.
وكان المجلد الخامس قد صدر في مثل هذه الأيام من العام المنصرم، واحتوى على رسائل السنتين 1931 و1932؛ أي تلك الفترة التي شهدت اعتناقه المذهب الأنغلو ـ كاثوليكي، مما جلب عليه سخط صديقيه المقرّبين، الروائية فرجينيا وولف والناقد والمنظّر الفنّي هربرت ريد. كذلك كشفت تلك المراسلات بدء اغترابه عن زوجته الأولى فيفيان (الثانية كانت فاليري، التي شاركت في تحرير مجلدات الرسائل حتى وفاتها سنة 2004)؛ ووقائع عمله في دار النشر الشهيرة Faber & Faber، ورئاسة تحرير فصلية Criterion، حيث شجّع ونشر كتابات و. هـ. أودن، ستيفن سبندر، لويس ماكنيس، وجيمس جويس (مقابل رفض مخطوط من جورج أرويل، مثلاً!)؛ ثمّ ملابسات نشر قصيدته «أربعاء الرماد»، وكذلك ترجمة «أناباز» للشاعر الفرنسي سان ـ جون بيرس… ومن المنتظر أن يحتوي المجلد السادس على رسائل 1932ـ1933، أو «الفترة الأسعد التي عرفتها على امتداد حياتي»، حسب تعبير إليوت.
وهذه المجلدات كنز ثمين من حيث كشف الغوامض وراء شخصية شاعر عُدّ من كبار أرباب الحداثة، لكنه كان رجعياً في الفكر والسياسة، متعاطفاً بقوّة مع أفكار وتيّارات لم تكن البتة تليق بموقعه الحداثي في الشعر. ويرى ستيفن سبندر، في كتابه الممتاز «ت. س. إليوت»، أنّ جملة الآراء السياسية المبثوثة هنا وهناك في قصائد ومسرحيات ومقالات إليوت تبدو إلى حدّ بعيد وكأنّها تعبّر عن مزاجه الشخصي الصرف. ذلك لأنها ـ وإنْ تعدّلت قليلاً بفعل تأثيرات الكنيسة الأنغليكانية ـ تظلّ من حيث الجوهر صادرة عن رجل يؤمن بضرورة انبثاق النشاط السياسي من المبادىء المجردة، وضرورة ارتكاز الأصول على النظرية الجامدة (الدوغما)، وارتكاز الدوغما على السلطة الماورائية. وهذه الأخيرة لا تضمنها سوى مؤسسات الكنيسة والدولة الملكية (الموناركية).
وبمعزل عن تصريح إليوت الشهير ـ بأنه ملكي في السياسة وأنغلو ـ كاثوليكي في الدين وكلاسيكي في الأدب ـ لا يتردد سبندر وكثيرون سواه في الجزم بأنّ إليوت رجعي بالمعنى الحصري للكلمة. لقد جاهر بعدائه للأفكار الليبرالية، واعتبرها حالة انحطاط لرومانتيكية دفينة عند الإنسان المتوهّم في نفسه الكمال والقدرة على تغيير الثابت؛ كما عارض فلسفة التقدم الاجتماعي، لأنها تنخر البنيان الكلاسيكي الصلب الناجز. وعند هذه النقطة تغنّى إليوت بأوروبا العصور الوسطى، وما شهدته من وحدة في اليقين، ومن توافق في القيم الاجتماعية.
ومعنى السياسة انحصر عنده في الدفاع عن قوى الموروث، تلك التي تفصح عن نفسها في شكل سياسات راسخة الجذور، ولها اليد العليا في وقف ما يمارسه السياسيون والأدباء من عمليات نَخْر ليبرالية ـ رومانسية في جسم المجتمع. لها، أيضاً، وظيفة حفظ المجتمع عند نقطة حاسمة من مراحل صفائه وثباته، ولا يهمّ هنا أن تكون تلك القوى متهمة من قبل الغالبية العظمى من أبناء الأمّة بأقصى شحنة من السَلَفية والسكون. وبعد أربع سنوات من تولّيه مهامّ تحرير فصلية Criterion، حدّد إليوت هويّة المجلة بأنها «الإنحياز إلى الكلاسيكية» كمفهوم أرقى وأوضح من مفهوم «العقل»، وضرب عدداً من الأعمال كأمثلة معبّرة عن هذا الميل: «مستقبل الفكر» للفرنسي شارل موراس، و«الديمقراطية والقيادة» للأمريكي إرفنغ بابيت، و«تأملات في العنف» للفرنسي جوليان بيندا، و«تأملات» للإنكليزي ت. ي. هَلْم. هذه المؤلفات تشترك في خاصّية واحدة هي وقوف مؤلفيها في صفّ الفكر المحض ضد المجتمع المنخور والرومانتيكي، الفاقد للمبدأ الضابط أو المعايير الموضوعية. ويشعر جميع هؤلاء أنهم يمثّلون الحضارة الحقيقية التي تتعرّض لخيانة مزرية من قِبل رومانتيكيي الأدب وليبراليي السياسة، حسب إليوت.
وفي عام 1931 كتب ورقته الشهيرة «أفكار بعد لامبيث»، وضمّنها قراءة نقدية لموضوعات مؤتمر لامبيث للكنيسة الكاثوليكية، وفيها أفصح من جديد عن مقاربته المثالية للكنيسة كمؤسسة جادّة ومنظمة ومسؤولة؛ حتى لقد تفاءل بأن أسقف كانتربري سيكون قادراً على فهم الجدية العميقة لكتابات د. هـ. لورانس وجيمس جويس، والسماح بنشر أعمال مثل «عوليس»، التي تبارى على منعها وزراء الداخلية الأوروبيون في سياق عجزهم عن فهم جدّيتها الأدبية وجدواها الدينية. ويشير سبندر، بذكاء ثاقب، إلى أن إليوت في ورقته تلك «استمتع بجَلْد بعض الجياد المتعبة التي سلخت سياطُ السنين الممضّة أجنابها»: برتراند رسل، الذي قرنه إليوت بمفكّر تحرري آخر هو ألدوس هكسلي؛ ومدلتون مري، ذلك الجواد المحارب الطهور؛ ونورمان فويرستر، الإنسيّ الدؤوب.
هذه النزعة الهجومية (الدينية في الجوهر) كانت تليق بأنغليكاني اهتدى إلى الكاثوليكية، في زمن خصب لا يحابيها بقدر ما يُعمل فيها معول الهدم؛ لهذا تنطّح إليوت للدفاع عن الإيمان حتى ضدّ أولئك المتدينين الليبراليين أو العقلانيين. فمن الصعب الحديث عن إحياء الدين لأنه «ممتنع أصلاً عن التفسّخ»، وبدونه «ينقرض الجنس البشري تماماً كما انقرضت بعض القبائل الميلانيزية بفعل السأم». وإذا كان سيغموند فرويد قد ذكّرنا بضرورة «تَرْك السماء للملائكة والقُبّرات»، فإن إليوت اقتفى تلميحه ونصح بترك الدين لكلّ من «السيد جوليان هكسلي والدكتور فرويد».
إنه حُلْم بتحويل الكنيسة إلى مؤسسة مكافحة تقتحم ميدان الصراع، بين قوى الأديان الزائفة بقرابينها الزائفة (السيّارة، نوادي الغولف، هرطقات الإعلام)، وبين القرابين الحقّة للإيمان الكاثوليكي. أما رجال العلم من أمثال أينشتاين وشرودنغر فهم أحرى بالهجوم حين يتصل الأمر ببدعة مثل أقراص منع الحمل أو مظاهر التغرير بالشبيبة. ذلك لأن الزمن عصيب، و«الكنيسة الكونية» تقف اليوم في مواجهة العالم بأسره، وهو موقف لم تجد نفسها في خضمّه منذ روما الوثنية: «العالم يجرّب اليوم تكوين ذهنية حضارية لا ذهنية مسيحية. والتجربة تنذر بالفشل، ولكن يتوجّب علينا التحلّي بالصبر المديد في انتظار انهيارنا. وعلينا استرجاع الزمن لكي نذكي جذوة الإيمان، ونعيد بناء الحضارة، وننقذ العالم من الانهيار».
ولقد اختتم كتابه «فكرة المجتمع المسيحي»، 1929، بالقول إن الإحباط الراهن لا ينبثق من حالة نقد عميق لمؤسسات الحكم، بل من الشكّ العميق في صلاحية هذه الحضارة. واصطفاف القوى الذي كشف عن نفسه «يجب أن يجعلنا ندرك، أكثر فأكثر، خيار المسيحية أو خيار الوثنية»، وهذه الحضارة المأزومة الخربة لا تترك أمام الناس سوى واحد من خيارين: الوثنية (وهي هنا إما/ أو الشيوعية، الفاشية)، والمسيحية. والأفكار الليبرالية هي وحدها التي تشوّش هذه القضية المركزية، وتمنع الناس عن رؤية هذَيّن الخيارين بصفاء ووضوح. وها هو يدفع عن نفسه تهمة التبشير بسقوط وهم المؤسسات الناجزة، فيكتب: «حين كتبت قصيدة أسميتها «الأرض اليباب» قال بعض النقاد الذين استحسنوها إنني أعبّر عن «تحلّل وهم الجيل»، وهو الهراء بعينه. لعلّي عبّرت عمّا في نفوسهم هم من وهم حول تحلّل الوهم، لكن ذلك لم يكن البتة جزءاً مما قصدته».
لقد كانت مفارقة هذه الآراء الرجعية الصارخة أنها تأتي من شاعر تصدّر بسرعة حركة تحديث الشعر. ومنذ أن صعد نجمه في سماء الأدب الحداثي وأجيال الدارسين تتابع المتضادات الصارخة التي تصالحت عند إليوت: التقليدية المتشككة، الكلاسيكية الرومانتيكية، التحرّر من الذات بصورة مفرطة في ذاتيتها، دهشة المحافظ الناظر إلى نفسه في مرآة سديمية، المنقلب في غبشها إلى مَلَكي أنغلو ـ كاثولكي. وفي ثنايا ذلك كله كانت ترتسم صورة الرجل الذي أثار المجابهة الأهمّ في زمانه بين الشخصية الروحية السلبية للعالم المعاصر والشخصية الروحية الإيجابية للموروث، وتعايش عنده الماضي والحاضر في تركيب متوازن من الرموز المتصارعة.
فكيف لا تكون مجلدات رسائله محطّ أنظار محبّيه، مثل خصومه في الواقع.

 حداثي تجريبي في الشعر، رجعي محافظ في الفكر: رسائل ت. س. إليوت بوصفها مفاتيح أسراره

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية