هزة أرضية في أنقرة واسطنبول فماذا سيفعل أردوغان مع جواره الأوروبي وهل سيحتفظ بالناتو؟

حجم الخط
0

منذ الانقلاب الفاشل في 15/7/2016 على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لم تتوقف التعليقات عن رصد آثاره واهتزازاته على تركيا والمنطقة والعالم. وكان الانقلاب في فشله ونجاحه لو حصل مناسبة للحديث عن الدور المحوري الذي تضطلع به تركيا في سياقها الجغرافي والدولي. هذا لأنها مركز التقاطع الذي تجتمع عنده كل مشاكل العالم ونزاعاته من سوريا والعراق لارتدادات الربيع العربي والطموحات القومية الكردية ومشاكل اللاجئين والطموح الروسي في التأثير على أوروبا وإشكالية الهجرة التي أصبحت علامة اللحظة والتهديد الذي يواجه القارة الأوروبية. ولأن الرئيس أردوغان لا يحظى عادة بتعاطف من الإعلام والسياسة الغربية بشكل عام، فقد هوجم وانتقد في مرحلة ما بعد الانقلاب، سواء من خلال فرض قانون الطوارئ وإن لفترة مؤقتة وحملات العزل والإعتقال والتوقيف في صفوف الجيش للضالعين في المحاولة الفاشلة وكذا في مؤسسات القضاء والتعليم والقطاعات المدنية من التي ينظر إليها كداعمة بطريقة أو بأخرى للمتآمرين على قلب نظام الحكم. بل ووجدنا في الإعلام الأمريكي من يتبنى وجهة الزعيم الديني فتح الله غولن، المتهم الرئيسي في العملية الانقلابية والمقيم في الولايات المتحدة منذ تسعينيات القرن الماضي. ودعت الصحف هذه الرئيس الأمريكي باراك أوباما لمقاومة المطالب التركية بترحيل زعيم الحركة المعروفة بحزمت/خدمة والتي اخترق أفرادها قطاعات واسعة من الدولة، وتمكنوا من إنشاء «دولة موازية» للحكومة ظلت تؤرق أردوغان. فرغم التعاون فيما بينهما ومحاولة قصقصة أجنحة المؤسسة العسكرية التي لم تفتأ تتدخل في السياسة ومنذ عام 1960 إلا أن محاولات أردوغان الحد من نشاط هذه الجماعات والحملة التي شنتها عليه سواء من خلال دعم التظاهرات في منتزه غيزي في اسطنبول عام 2013 أو التسريبات المسجلة التي اتهمت كبار مسؤولي حكومة حزب العدالة والتنمية بالفساد بمن فيهم أردوغان نفسه وأبناءه وأصهاره. ورأينا من يطالب بتعليق عضوية تركيا في حلف الناتو باعتبارها دولة تحولت إلى إسلامية وتخلت عن القيم الكمالية وأصبحت فيها القوى العلمانية والليبرالية أقلية. واعتبر مثلا المعلق اليميني كون كوغلن في «دايلي تلغراف»(19/7/2016) تركيا دولة إشكالية ومسؤولة عن أزمة المهاجرين وباتت تمثل تهديدا على أوروبا نظرا لسعي أردوغان بناء ثيوقراطية دينية على شاكلة الجمهورية الإسلامية في إيران. وبل وعبرت تصريحات وزير الخارجية الفرنسي مارك ايرو عن موقف أوروبي ناقد، فقد هاجم الوزير الفرنسي عمليات التطهير التي قامت بها الحكومة التركية وقال إن ما جرى لا يمنح الرئيس التركي «صكا على بياض» لملاحقة منافسيه. وكان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قد حذر من آثار حملة التطهير على وضع تركيا في حلف الناتو إلا أن الرئيس باراك أوباما لطف من تصريحات وزير خارجيته وعبر منذ البداية عن دعم الحكومة المنتخبة شرعيا في تركيا واتصل يوم الثلاثاء مع أردوغان في مكالمة هاتفية وصفها مسؤول في البيت الأبيض بأنها «صرخة ثناء» من أوباما على أردوغان وأطمأن عليه وعلى عائلته بحسب «نيويورك تايمز» (20/7/2016) وعلقت الصحيفة على المكالمة بأنها اعتراف من الإدارة الأمريكية بأهمية تركيا رغم برود العلاقة بين البلدين، ليس لأنها حلف في الناتو بل ولدورها في المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وأكد أوباما في المكالمة على أهمية استمرار تركيا المشاركة في حرب الجهاديين. مع أن العمليات علقت لفترة وجيزة من قاعدة انجرليك الجوية التي تبين أن قائدها وعددا من ضباطها شاركوا في العملية الانقلابية. ومهما يكن فقد استمرت الإنتقادات لأردوغان الذي خرج منتصرا من الحملة وعزز سلطته وسيحقق ما يريد من رئاسة تنفيذية وتعديل الدستور. واتهم بأنه يقوم بتدمير الديمقراطية التي انتصرت على الانقلابيين وما إلى ذلك من التعليقات. بل وقارب المعلق توماس فريدمان في «نيويورك تايمز» (20/7/2016) بين «السلطان» أردوغان ودونالد ترامب المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية ووجد ما يدعم نظرته من ايمان كليهما بنظريات المؤامرة. مع أن الانقلاب أثبت مخاوف الرئيس التركي القائمة من محاولة انقلابية على نظامه وقد تأكدت مخاوفه في ليلة الجمعة 15 تموز/يوليو الحالي.

هزات أرضية

واتهمت صحيفة «واشنطن بوست» (20/7/2016) أردوغان بتدبير انقلاب سياسي فيما قالت مجلة «إيكونوميست» (23/7/2016) إن الرئيس التركي يقوم بإدارة حملة تغيير سياسي ضد التعددية، لأنه يقرن المعارضة بالخيانة. وحذرت آثار أفعاله على البلاد التي سيقودها للنزاع والفوضى. وأشار باتريك كوكبيرن في صحيفة «إيفننغ ستاندرد» (21/7/2016) إلى أن أردوغان بات قويا لكنه يقود دولة ضعيفة ومنقسمة، بشكل يجعل من تركيا خطرا على جوارها الأوروبي والغرب. ورأت مجلة «إيكونوميست» في الانقلاب الفاشل ثالث هزة أرضية تصيب أوروبا في مرحلة ما بعد نظام – 1989 وانهيار المنظومة السوفييتية. وكانت الأولى ضم روسيا للقرم وشرق أوكرانيا عام 2014 دمرت فكرة الحدود الأوروبية الثابتة وأعاد الحديث عن الحرب الباردة.
أما الثانية فهو الإستفتاء البريطاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكيست) الشهر الماضي والذي هز فكرة الوحدة الأوروبية ووهم اندماج دوله في سوق مشتركة. والآن الانقلاب الفاشل والرد عليه والذي أثار مخاوف من تراجع الديمقراطية داخل العالم الغربي، وإن كانت تركيا تقع على هامشه فقد كان مصيرها الإنضمام إليه. وتقول إن الإضطرابات تظل مثار قلق للناتو، الحلف الذي يدعم الديمقراطيات الأوروبية. وقالت المجلة إن المسؤولين الأتراك «وبدون دليل» ألقوا اللوم على أمريكا وقطعوا التيار الكهربائي عن القاعدة الجوية انجرليك «ولو تقدمت تركيا اليوم بطلب عضوية لوجدت صعوبة في التأهل لدخول الناتو، ومع ذلك فليس لدى التحالف الوسائل لطرد عضو أصبح في وضع سيء». وتعترف المجلة أن تركيا بجيشها الذي يعد ثاني جيوش الحلف بعد الولايات المتحدة كانت قاعدة متقدمة ضد التوسعات السوفييتية والفوضى في الشرق الأوسط. وتحولت في السنوات الأولى لحكم العدالة والتنمية لنموذج عن التقدم والديمقراطية المسلمة المستقرة. وبدأت مفاوضات سلام مع الإنفصاليين الأكراد وجددت المفاوضات حول عضويتها في الاتحاد الأوروبي عام 2005 ولكن أردوغان بحسب المجلة تغير وأصبح بعد عام 2013 مستبدا، سجن الصحافيين والمعارضين بذريعة دعم «الدولة الموازية» ولأنه كان يقود الجهود للإطاحة ببشار الأسد فقد غض الطرف عن دخول الجهاديين إلى سوريا. وبسبب سياساته تواجه تركيا اليوم تمردا مزدوجا من الجهاديين والأكراد. وتعتقد أنه لو تعامل أردوغان مع تبعات وآثار المحاولة الفاشلة لوضع المسمار الأخير في نعش العسكر ولتحول لموحد للأتراك. وترى أن الرئيس التركي يتعامل بدلا من ذلك مع الأحداث بطريقة الحكام العرب ذاتها الذين يمقتهم لا بطريقة رجل الدولة الديمقراطي. ولأن الرئيس يؤمن بفكرة حكم الغالبية فالأمر يرجع في النهاية للأتراك لمحاسبة رئيسهم ومواجهة نزعته السلطوية بالطرق السلمية ودعم منافسيه في صندوق الإقتراع. وتدعو المجلة أصدقاء أردوغان من الدول الغربية على حثه على ضبط النفس واحترام القانون. ولكن ماذا لو لم يستمع لهم؟ خاصة أن في يده أوراقا كثيرة، فبلاده حليف مهم في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وتسيطر على المداخل الجنوبية – الشرقية لأوروبا والتي يتدفق منها كل شيء، من الغاز الطبيعي إلى اللاجئين السوريين. وفي الوقت نفسه يمكن لأوروبا أن تجعل من نفسها أقل عرضة للمخاطر عبر بناء نظام تحكم على الجبهات الخارجية لها والتعامل مع طالبي اللجوء. ورغم قوة المقايضة عند أردوغان، إلا أنه ليس محصنا من الضغوط. فقبل الانقلاب قام بترتيب علاقات بلاده مع كل من إسرائيل وروسيا. ويظل الاقتصاد نقطة قوة أردوغان وضعفه في الوقت نفسه. وحتى يبقى الرئيس قويا فهو بحاجة إلى جذب الاستثمارات وتطمين الأسواق.
يجب أن تبقى

ورغم النظرة الحادة التي يتعرض لها أردوغان إلا أن الحديث عن خروج تركيا من حلف الناتو مبالغ فيه. ويرى جيمس كلابر مسؤول الأمن القومي الأمريكي في حديث أجراه ديفيد إغناطيوس معه لصالح صحيفة «واشنطن بوست» (21/7/2016) أن المسؤول الأمني البارز أكد على أهمية بقاء تركيا عضوا في الناتو. وهو وإن اعترف بأثر الانقلاب الفاشل على الحرب ضد تنظيم الدولة خاصة أن عددا من الذين طالهم التطهير كانوا من المتحاورين الرئيسيين مع الأمريكيين خاصة قائد انجرليك الذي كان من بين المعتقلين، فدور تركيا في عمليات الناتو محوري وكانت حاضرة في كل عمليات الحلف وبدور مميز كما يرى الجنرال المتقاعد جيمس ستارفيدس في «فورين بوليسي» (18/7/2016). وذكر المسؤول السابق من ضمن المهام التي قامت بها تركيا: تدريب قوات الأمن الأفغانية وإرسال سفن ومقاتلات إلى ليبيا والمشاركة في جهود مكافحة الإرهاب وحضور مستمر للقوات التركية في منطقة البلقان. وناقش ستارفيدس ان «تركيا لديها قوة عالية للتأثير على الأحداث: من تنظيم الدولة الإسلامية إلى سوريا وإسرائيل إلى مناطق الغاز الطبيعي في شرق المتوسط والرد على الراديكالية الإسلامية في مصر». ويظهر هذا السجل بوضوح الدور الذي لعبته تركيا في ظل أردوغان في القضايا المتعلقة بالناتو، فقد كانت مفيدة أكثر من كونها مستفيدة. وعبر حزب العدالة والتنمية عن حماس للتعاون مع الناتو أكثر من أي حكومة سابقة، وعندما اندلعت انتفاضات الربيع العربي دعا وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو الدول الأوروبية إلى الإسهام ودعم التغيير كما فعلت مع دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الكتلة الشرقية. ولم يقابل حماس تركيا بتعاون من دول الاتحاد الأوروبي الذي يوجه قادته النقد بمناسبة أو غير مناسبة للرئيس أردوغان وبدا موقفه في الأحداث الأخيرة فاترا ودون المستوى. وحتى لو علقت عضوية تركيا في الناتو ولن تتم خاصة أن الولايات المتحدة وجدت دائما طرقا للتعاون مع تركيا حتى في ظل الأنظمة العسكرية فإنها لن تخسر الكثير. ورغم أنها تعيش في منطقة متوترة الآن إلا أنها بدأت قبل المحاولة الانقلابية بتصفير المشاكل مع دول الجوار. وعلى العكس فسيجد الحلف صعوبة في التعامل مع التهديدات الإرهابية بدون تعاون مع تركيا. وفي النهاية فاستقرار هذا البلد يظل ضمانا لأوروبا. ويعني ضعف تركيا جرأة من روسيا التي لا تهدد دول بحر البلطيق فقط بل وستتجرأ أكثر. وفي الوقت الذي تخلت فيه تركيا عن طموحاتها بدخول النادي الأوروبي بسبب ما تراه مطالب تعجيزية كثمن للعضوية من ذلك تعديل قوانين مكافحة الإرهاب وإمكانية إعادة تفعيل العمل بقوانين الإعدام وتعليق الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان بسبب العمل بالطوارئ كل هذا يجعل من حلم تركيا الإنضمام إلى الاتحاد بعيدا. وكتب في هذا السياق استاذ التاريخ في جامعة أكسفورد مارك ألموند في صحيفة «دايلي تلغراف» (18/7/2016) أن الرئيس أردوغان الذي قاد ولسنوات الجهود من أجل دخول النادي الأوروبي تخلى عن طموحاته لشعوره أن الأوروبيين يعاملونه كشريك صغير، وبدأ بالإنحراف نحو تحالفات قد تكون مضرة لأوروبا. ولاحظ الكاتب أن تحالفات تركيا الجديدة مثيرة للمخاوف في ضوء الأوضاع التي تمر بها المنطقة. وعلق قائلا إن كان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد أثار أسئلة حول استقرار أوروبا فمغادرة تركيا الغرب ستهزه. ويرى ألموند أن الأزمة التركية ليست داخلية بل وتطال المنطقة وتصل اهتزازتها إلى كل مكان في الشرق الأوسط وأوروبا. ومع أن أردوغان يلعب بالنار حسب الكاتب إلا أنه لن يكون قادرا على السيطرة عليها حالة افلتت من سيطرته. وعلى المدى القريب فلن يتغير الكثير في علاقة تركيا بالناتو بل سيزيد التعاون في مكافحة تنظيم الدولة. لأن تركيا قررت الدخول في الحرب ضده لكونها أصبحت هدفا له لا لأنها مضطرة لدعم التحالف الدولي.

 هزة أرضية في أنقرة واسطنبول فماذا سيفعل أردوغان مع جواره الأوروبي وهل سيحتفظ بالناتو؟

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية