واشنطن ـ «القدس العربي»: ضحك مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية، جون بريدان، برعونة عندما تعرض لسؤال بشأن ما إذا كان مجتمع المخابرات والأمن القومي قد تنبأ بمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، وقال ان وكالة المخابرات المركزية كانت على علم بالضغوط والتوترات داخل الحكومة التركية إضافة إلى مشاعر السخط التي انتابت المعارضة نتيجة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة ضد المعارضة في الداخل، مشيرا إلى ان التطورات في المشهد السياسي التركي على مدى السنوات القليلة الماضية اتجهت نحو إجراءات تعزز من قوة وسلطة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ناهيك عن التحديات التي يفرضها حزب العمال الكردستاني والإرهابيون الأكراد ضد تركيا.
بغض النظر عن مصداقية مدير الاستخبارات الأمريكية الذي أكد ان مهمته تتركز على اطلاع صناع السياسة بالتقديرات والمعلومات الاستخبارية، فان الأمر المؤكد هو ان العلاقات التركية – الأمريكية توترت إلى نقطة حرجة للغاية في أعقاب الانقلاب بعد فترة طويلة من الاحتقان، والولايات المتحدة وفقا لآراء العديد من المحللين ليست لديها خيارات كثيرة يمكن القيام بها للتخفيف من شكوك أنقرة بما في ذلك قضية المتهم الأول في تدبير مؤامرة الانقلاب، رجل الدين أوغلان المقيم في ولاية بنسلفانيا، والقضية الملحة في واشنطن تكمن فقط في ضمان التزام تركيا بالحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» والانتهاء على عجل من أزمة قطع التيار الكهربائي عن قاعدة انجرليك الجوية التي تعد منطلقا للغارات الجوية ضد الجماعة المتطرفة.
في الواقع، اعترف الكثير من الدبلوماسيين الأمريكيين والخبراء في واشنطن بالصدمة من وقوع الانقلاب رغم التاريخ الطويل للجيش التركي بالتدخل في سياسة البلاد فالحكومة المدنية في عهد أردوغان أقوى بكثير من الأنظمة السابقة الضعيفة التي تمت إزالتها، وكان من الواضح ان الانقلاب لا يتمتع بدعم بين الجماهير والأحزاب المعارضة التركية، إدارة أوباما بدورها مثل معظم الحكومات في العالم أدانت الانقلاب رغم الهمس الدائم في واشنطن حول الميول الاستبدادية لأردوغان، فهو منتخب بشكل ديمقراطي وحليف للولايات المتحدة ورغم النظر إلى أنقرة كشريك دبلوماسي صعب ولاعب دولي غير منتظم إلا انها لا تزال لاعبا مهما في حلف شمال الأطلسي وفي أزمة اللاجئين السوريين في أوروبا والحرب الأهلية في سوريا، ولكن ماذا لو نجح الانقلاب؟
الإجابة حاضرة في التجربة المصرية، فالولايات المتحدة تجنبت بعناية استخدام مصطلح الانقلاب للتعبير عن الانقلاب العسكري في عام 2013 وفي الأشهر اللاحقة، روجت واشنطن لتحفظات رمزية تجاه نظام السيسي تصل إلى حد الرفض ولكن في نهاية الأمر تخلت عن خطاب الديمقراطية وعقدت اتفاق سلام غير مكتوب مع القاهرة من أجل تنفيذ المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، وهذا السيناريو سيتكرر بالطبع مع الحكومة العسكرية في أنقرة لو نجح الانقلاب في تناقض واضح بين الخطاب والواقع في السياسة الخارجية الأمريكية.
والساسة الأتراك، في الوقت الراهن، ليسوا أفضل حالا من إدارة أوباما، فهم لا يكترثون لدعوات واشنطن حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وعدم اتباع سياسة انتقامية بحق أنصار الانقلاب، وعلى النقيض من ذلك، الاهتمام التركي ينصب حاليا على جلب فتح الله غولن إلى أنقرة مما قد يؤدي إلى زيادة التوتر بين الولايات المتحدة وتركيا، وفي هذا السياق، يحاول الخبراء في واشنطن التوصل لاجابة بشأن تأثير محاولة الانقلاب على السياسية الخارجية لتركيا. من المرجح، ان تختفي الاتهامات التركية قريبا ضد الولايات المتحدة بشأن دور مفترض لواشنطن في محاولة الانقلاب وهو اتهام نفته إدارة أوباما بشدة. إذ قال كيري في مكالمة هاتفية مع نظيره التركي، ان التلميحات العامة أو الادعاءات حول دور الولايات المتحدة في محالة الانقلاب أمر من شأنه الاضرار بالعلاقات الثنائية وهو غير صحيح. ومن المرجح، أيضا، عودة «الحرارة» لقاعدة انجرليك الجوية والعودة للحرب المشتركة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». ووفقا لاستنتاجات «القدس العربي» فان وزارة الدفاع الأمريكية تقوم بدور فعال في إحياء العلاقات – الأمريكية – التركية عبر تعزيز التعاون العسكري وحل المشاكل التي نتجت عن الانقلاب بشكل تدريجي من أجل استخدام جميع القدرات المتاحة في الحرب ضد الجماعة المتطرفة خاصة وان إدارة أوباما مهتمة جدا في تسريع الحرب ضد التنظيم.
إلى ذلك، سارعت المرشحة الديمقراطية للرئاسة الأمريكية هيلاري كلينتون إلى تقديم الدعم لحكومة أردوغان مساء يوم الانقلاب وقالت في بيان مبكر انها تدعم الحكومة المدنية المنتخبة وتحث على احترام القوانين والمؤسسات وحقوق الإنسان الأساسية والحريات، وجاءت هذه التعليقات بعد ساعات من تصريحات للرئيس الأمريكي باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري حث خلالها بالمثل على دعم أردوغان، وهذا يعني بالطبع ان الموقف الرسمي الأمريكي كان واضحا بدعم أردوغان ضد الانقلاب في حين دافع المرشح الجمهوري دونالد ترامب عن حق أردوغان في الرد على الانقلابيين مؤكدا ان الولايات المتحدة يجب ان لا تنتقد أردوغان بعد الانقلاب أو تلقي محاضرات أمامه حول القانون.
في نهاية المطاف، بذلت واشنطن جهدا كبيرا في السنوات الأخيرة لجلب تركيا إلى معركتها ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»وهي بالتأكيد لا تريد اهدار هذا الجهد الذي يتمثل في تعاون عسكري واضح بين البلدين، لان ذلك يخالف المصالح الأمريكية في المنطقة، أما محاولات إدارة أوباما في تحقيق توازن صعب بين معارضة الانقلاب ومعارضة رد الفعل العنيف لأردوغان فهي على الأغلب غير منتجة، وعلى الأرجح، ستعود العلاقات المتوترة إلى حالة من الهدوء على الرغم من مشاعر السخط.
رائد صالحة