تركيا: فشل الانقلاب العسكري والمعادلات الدولية والإقليمية

بالرغم من ان المحاولة الانقلابية التي قام بها بعض ضباط الجيش التركي يوم 15 تموز/يوليو الجاري تعتبر شأنا تركيا داخليا إلا ان تداخل معطيات المشهد الداخلي والمواقف الإقليمية والدولية التركية تعقد المشهد وتزيده غموضا والتباسا، حتى بات البعض يعزو سبب الانقلاب إلى انعكاس التأثيرات الخارجية على المشهد السياسي التركي وتفاعل هذه الانعكاسات مع الوضع الداخلي المتوتر. وإذا أردنا ان نقرأ المعادلات الدولية والإقليمية المؤثرة في المشهد التركي، فلابد من البدء باللاعبين الكبيرين، وهما الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، ومن المعروف ان علاقة استراتيجية تاريخية تربط تركيا بالولايات المتحدة، علاقة تمتد لأكثر من نصف قرن وشراكة سياسية وعسكرية متوجة بعضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، وعلاقة استراتيجية قائمة على وجود قواعد أمريكية ومنظومات صواريخ ورؤوس نووية جنوب تركيا، لان تركيا كانت إبان الحرب الباردة تمثل حائط الصد الأهم والأقرب من البطن الرخو للاتحاد السوفييتي والمتمثل في جمهوريات آسيا الوسطى، والكل يتذكر تداعيات أزمة خليج الخنازير في الكاريبي التي كادت أن تتحول إلى حرب عالمية نووية عام 1962. ونتذكر أيضا ان ما تبع حل الأزمة هو تعهد الولايات المتحدة بتفكيك منظومة صواريخ جوبيتر IRBM في تركيا حيث كانت هذه المنظومة تهدد بضرب موسكو بأكثر من 100 صاروخ ذي رأس نووي.
والنخبة العسكرية التركية تربت في حضن الأكاديميات الأمريكية التي رعت ودعمت وتدخلت بشكل بات معلوما في كل الانقلابات العسكرية السابقة التي شهدتها تركيا في تاريخها القريب، لكن ومع صعود حزب العدالة والتنمية الإسلامي للحكم عام 2002 بدا ان هناك نوعا من عدم السلاسة يصيب العلاقة بين البلدين، لكن جمعت ظروف الحرب على الإرهاب «تنظيم الدولة» في سوريا والعراق بين الاثنين تركيا والولايات المتحدة، وأدى إلى تصعيد التوتر مع روسيا، التي اتخذت موقفا داعما للنظام السوري بينما كانت تركيا تلعب في الطرف الآخر الساعي إلى اسقاط نظام الأسد عبر دعم مختلف فصائل المعارضة السورية بمباركة أمريكية. ووصلت الأزمة مدى خطيرا عندما أسقط الأتراك طائرة مقاتلة روسية قبل بضعة أشهر، ما أدى إلى تصاعد التوتر بين الطرفين.
لكن حدث نوع من لملمة المواقف وتغيير اعتبره بعض المراقبين محاولة في تغيير الاستراتيجية التركية من الولايات المتحدة باتجاه روسيا، حيث جاء ذلك في الاعتذار الذي قدمه أردوغان إلى الرئيس بوتين بشأن اسقاط الطائرة وترتيب موعد لقاء في الأسابيع المقبلة، كما ان الأخبار المسربة من تحقيقات الأمن التركي أفادت ان الطيارين الذين أسقطوا الطائرة الروسية كانوا مشتركين بالانقلاب وتم قتلهم في الأحداث، لكن معلومات أخرى أفادت ان التحقيق ما زال جاريا معهم، في حين نشرت صحيفة «كومسومولسكايا برافدا» مقالا عن أسباب فشل الانقلاب في تركيا، وذكرت ان من بينها قيام أنصار أردوغان بتطويق قاعدة في جنوب تركيا توجد فيها رؤوس نووية أمريكية، مما تسبب في شل أي حركة دعم قد تقدمها القوات الأمريكية المتواجدة في قاعدة انجرليك للانقلابين، ومنع الحكومة التركية حركة الطائرات في قاعدة انجرليك وقطع التيار الكهربائي عنها ومن ثم اعتقال قائد القاعدة الجنرال بكر أرجان فان واتهامه بالاشتراك بالانقلاب يعتبرها البعض مؤشرا لتغير التوجهات التركية من الولايات المتحدة إلى روسيا.
أما طرفا المعادلة الإقليمية فهما إيران وإسرائيل، وقد كانت هناك علاقات استراتيجية بين الدول الثلاث حتى عام 1979 حيث تحول الموقف الإيراني بعد الثورة الإسلامية إلى معاداة إسرائيل، وكانت العلاقات التركية الإسرائيلية تتسم بالعمق والروابط الاستراتيجية القائمة على عضوية تركيا في حلف الناتو الداعم لأمن إسرائيل، إلا ان صعود حزب العدالة والتنمية الإسلامي للحكم والتقارب العقائدي مع الحركات الإسلامية الفلسطينية مثل حماس والجهاد عقد العلاقة بين البلدين وأوصلها إلى مديات الأزمة ابان ما عرف بأزمة الباخرة التركية مرمرة التي حاولت كسر الحصار عن قطاع غزة عام 2007 وتعرضت لاعتداء القوات الإسرائيلية مما طبع العلاقة بين البلدين بالتوتر. لكن مساع تركية كانت قد سبقت الانقلاب وصفت بانها نوع من التطبيع مع الحكومة الإسرائيلية. ومن ناحية العلاقة التركية – الإيرانية فرغم الحرب شبه المعلنة بين الطرفين في ساحات سوريا والعراق واليمن ولبنان على أسس يتداخل فيها الطائفي بالمصالح والنفوذ الإقليمي بالدور السياسي، إلا ان المخفي من العلاقة قائم على تعاون اقتصادي راسخ بين الدولتين خصوصا في قطاع الطاقة ويطمح الطرفان ان يصل ميزان التبادل التجاري إلى 30 مليار دولار في المدى القريب.
وأفادت تسريبات أعلنتها إذاعة «الجيش الإسرائيلي» ان هناك دورا إيرانيا محتملا في افشال الانقلاب ضد أردوغان وعزي ذلك إلى ان مدير المخابرات التركية الحالية هاكان فيدان من أشد المقربين لإيران ولأجهزتها الأمنية والاستخبارية. وقالت إذاعة «الجيش الإسرائيلي» ان طهران وصفت الانقلاب في الساعة الأولى بانه فاشل، كما أشارت إلى ان استخبارات دولية اعترضت رسائل بين جهات في إنقرة معادية للانقلابيين وطهران كشفت طبيعة الانقلاب في مرحلة مبكرة وأشارت إلى ضرورة التحرك لافشاله. وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني دعا لاجتماع عاجل للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بعد محاولة الانقلاب بدقائق. وأدان شمخاني عملية الانقلاب الفاشلة في تركيا موضحاً أنه «منذ بداية الأزمة في تركيا كنا على تواصل مع المسؤولين السياسيين والأمنيين ونتابع التحركات بدقة وتعاونا لما فيه مصلحة البلدين!».
أما في الساحة العربية فان أبرز المعادلات كانت في الثنائية المصرية القطرية، فبينما تماهت الحكومة القطرية منذ الدقائق الأولى مع الحكومة التركية وشجبت الانقلاب وهذا أمر مفهوم نتيجة الموقف القطري الداعم للحكومة الإسلامية في تركيا كما انها تقوم على رعاية قطر وقربها من حركة الإخوان المسلمين، بينما وجه المعادلة الآخر كان في الموقف المصري المرحب بالانقلاب نتيجة توتر العلاقة بين الحكومة المصرية والتركية على خلفية دعم الأتراك للإخوان العدو الأبرز لحكومة السيسي، وقد أجهض التحرك الأخير محاولة قريبة سعت فيها السعودية لرأب الصدع بين البلدين، وتصاعدت الأزمة نتيجة الموقف المصري في مجلس الأمن في الدورة الحالية، إذ ان مصر عضو غير دائم في المجلس، حيث تم عرقلة اصدار بيان من المجلس يندد بالانقلاب في تركيا، وجاء الرد التركي عنيفا في مقابلة أجرتها قناة «الجزيرة» القطرية مع الرئيس رجب طيب أردوغان حيث صرح «إن شعبي سوريا ومصر يتشوقان إلى الديمقراطية» معتبرا أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لا علاقة له بالديمقراطية، وأنه قتل الآلاف من شعبه، مما أثار موجة هجوم قادتها الخارجية المصرية ضد أردوغان وحكومة حزب العدالة والتنمية.
أما طرفا المعادلة الأكثر سخونة إقليميا فهما سوريا والعراق، ولم تخفيا ترحيبهما بانقلاب يطيح بحكومة أردوغان، نتيجة التوترات القائمة على أساس التدخل التركي العسكري أو شبه العسكري في أزمة البلدين، والكل يعلم ان محرك الموقف التركي الاستراتيجي من البلدين هو القضية الكردية التي يعتبرها الأتراك خطرا استراتيجيا يهدد كينونة الدولة التركية، حتى ان دعم بعض الفصائل المعارضة التي توصف بالتشدد أو الإرهاب كان من الجانب التركي مبنيا على قتال هذه الفصائل للميليشيا الكردية التابعة للحزب الديمقراطي القريب من حزب العمال الكردستاني الذي يمثل الخطر الدائم على الأمن التركي، كما ان الموقف التركي من جميع الأطراف الدولية والإقليمية عادة ما يكون مرتبطا بموقف هذه الأطراف من مساعي الأكراد الاستقلالية أو حتى الفيدرالية. ومع اشتراك الجيش التركي في العمليات ضد تنظيم الدولة في العراق وسوريا حاول الأتراك لعب ورقة رابحة في دعم الجهد الدولي وبشكل خاص في ارسال قطعات عسكرية قرب مدينة بعشيقة على أطراف الموصل بمدرعاتها ومدفعيتها لدعم الحشد العشائري التابع لمحافظ الموصل السابق اثيل النجيفي. وبالرغم من الطلبات الرسمية من الحكومة العراقية بسحب هذه القوات إلا انها لم تنسحب، وقد تسرب من أخبار المحاولة الانقلابية ان عناصر مؤثرة في المحاولة كانت من الفيلق الثاني المرابط في جنوب تركيا على الحدود السورية والعراقية وهو الذي يخوض العمليات القتالية ضد متمردي حزب العمال الكردستاني، كما تسرب خبر في الساعات الأولى للانقلاب ان الانقلابيين طلبوا من القوات المتواجدة في العراق ان تنسحب إلى قواعدها جنوب شرق تركيا لكن لم يتم تأكيد أو نفي الخبر من جهة محايدة.
أما بقية دولة الإقليم مثل دول مجلس التعاون الخليجي فان موقفها اتسم بالحذر والترقب بالرغم من ترحيبها الرسمي بفشل الانقلاب، وبشكل خاص دولة الإمارات التي تبني موقفها من تركيا بناء على الموقف من تنظيم الإخوان الذي وضعته على قوائم الإرهاب، وبالرغم من المساعي السعودية لتقريب وجهات النظر بين الجميع إلا ان التوتر والقلق لم يزل هو السائد بين الحكومة التركية ودول مجلس التعاون.
مع كل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة تجاه المتهمين بالانقلاب، وعمليات التطهير التي طالت حوالي ثلث الجيش التركي وكذلك قطاع القوات الأمنية والقضاء والجامعات والتربية، إلا ان انعكاس ذلك على الموقف التركي إقليميا لم يتضح بعد ويمكن ان تكون النتائج مفاجئة للكثير من التوقعات.

تركيا: فشل الانقلاب العسكري والمعادلات الدولية والإقليمية

صادق الطائي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية