الجزائر-»القدس العربي»: ستكون الجزائر على موعد مع حراك اجتماعي ساخن مع بداية أيلول/سبتمبر المقبل، ولعله الأكثر سخونة خلال العشر سنوات الماضية، فالتحديات التي تواجه البلاد كثيرة، والأزمة بدأت تشتد بصرف النظر عن تطمينات الحكومة، والنظام السياسي يبدو مستسلما لها، دون أن يكون هناك أي أمل في الخروج منها.
وبدأ شبح الاضرابات يلوح في الأفق من الآن، إذ شرعت نقابات قطاع التعليم في التلويح به، مؤكدة أن القرارات التي اتخذتها الحكومة مؤخرا، تحت وطأة الأزمة، ستفجر غضب العاملين في القطاع، خاصة ما تعلق بإلغاء التقاعد النسبي والمسبق، الذي أعلنت عنه الحكومة بسبب تراجع مداخيلها على إثر انهيار أسعار النفط، وإذا كان الموسم الماضي قد مر دون إضرابات، فإن الموسم المقبل يبدو مفتوحا على المجهول.
من جهة ثانية فإن التخوف من لجوء الحكومة إلى فرض ضرائب جديدة، ورفع أسعار المواد الاستهلاكية والخدمات يؤرق الجزائريين، فالعجز المسجل خلال الستة أشهر الأولى من السنة الحالية يؤكد أن البلاد دخلت في اختلال حقيقي، بين ما تنفقه وما يدخلها من عملة صعبة، كما أن الأموال التي كانت مودعة في صندوق ضبط الإيرادات نفدت تقريبا بسبب لجوء الحكومة المتكرر إليها لتغطية العجز، وهو ما سيجعل الحكومة تلجأ مجددا إلى جيوب المواطنين برفع الضرائب والإتاوات، والزيادة في الأسعار، وهو الأمر الذي قامت به في قانون الميزانية لسنة 2016، والغريب أن الحكومة لم تلجأ إلى سن قانون ميزانية تكميلي، مع أنه كان يبدو ضروريا بسبب استمرار تدهور الوضع المالي للبلاد، وفي السنوات الماضية التي كانت فيها الأوضاع المالية مستقرة، كانت الحكومة تسن قانونا تكميلي للميزانية يمرر بأمر رئاسي، وعندما أصبح الوضع المالي غير مستقر اكتفت بقانون واحد للميزانية، وهو مؤشر على أن قانون الميزانية المقبل سيلفح المواطن مجددا، بصرف النظر عن تطمينات وزير المالية الجديد حاجي بابا عمي، الذي اختار سياسة التطمين خلافا لما كان يقوم به سلفه عبد الرحمن بن خالفة، الذي كان يصدم المواطنين بتصريحاته، بدليل أن الوزير بابا عمي أكد الأسبوع الماضي أنه لن تكون هناك زيادات في أسعار الكهرباء والماء والوقود، ولكن هذا لا يعني أنه لن تكون هناك زيادات، كما أن الوزير نفسه يؤكد أن من الضروري خفض النفقات في 2017، والمقصود من ذلك هو خفض فاتورة الاستيراد، التي ستتجاوز الـ50 مليار دولار مع نهاية هذه السنة، وذلك لن يتم إلا على حساب الندرة، والتهاب أسعار المواد المستوردة، علما أن الجزائر تستورد كل شيء تقريبا، وأن أي تقليص لاستيراد مادة ما سيجعل أسعارها تلتهب، تماما مثلما حدث بالنسبة للسيارات، التي قررت السلطات تقليص فاتورة استيرادها، وتم ذلك على حساب المواطن في الدرجة الأولى، وهو قرار وصفه الكثير من من المراقبين بالمتسرع والخاطئ، لأن أضراره أكبر من فوائده.
الغريب أنه بعد كل هذا، خرج رئيس الوزراء عبد المالك سلال بتصريح، قال فيه إن الحكومة لا تطبق سياسة تقشف.
سياسيا، لا يدفع الوضع العام على التفاؤل، فالدخول المقبل سيكون مفتوحا على الانتخابات البرلمانية، التي من المؤكد أنها لن تستقطب اهتمام عموم المواطنين، الذين عادة لا يهتمون كثيرا بالانتخابات البرلمانية والمحلية، كما أن الثقة في جدوى العمل البرلماني تكاد تصبح معدومة، وبالتالي فإن الصراع حول البرلمان سيكون بين أحزاب السلطة أولا، ثم بينها وبين أحزاب المعارضة، التي سيدخل جزء منها الانتخابات للاحتفاظ بموضع قدم، فيما سيفضل البعض الآخر مقاطعتها، بدعوى أن لا فائدة منها، كما أن قانون الانتخابات الجديد الذي تم تمريره قبل بضعة أيام، سيحرم الكثير من الأحزاب المعارضة من المشاركة في الانتخابات، لأنه وضع شروطا جديدة، تنطلق من اشتراط نسبة 4 في المئة من الأصوات على الأقل في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 2012، حتى يسمح لها بالترشح في انتخابات 2017.
والشيء اللافت هو استمرار السلطة الحالية في هذه السنة الثالثة من الولاية الرابعة للرئيس بوتفليقة دون مشروع أساسي، خلافا لما كان عليه الأمر بالنسبة للولايات الثلاث السابقة، كما أن استمرار غياب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن الساحة السياسية بسبب أوضاعه الصحية، يؤشر على استمرار الركود، واستمرار حالة الترقب التي استولت على جميع أطراف اللعبة السياسية، ومع هذا الوضع ستستمر الإشاعات تفعل فعلتها.