لندن ـ «القدس العربي»: تعرضت مدينة ميونيخ يوم الجمعة لهجوم «يشتبه بأنه إرهابي» حسب مصادر الشرطة الألمانية. وذلك عندما فتح مسلح النار على متسوقين في مركز للتسوق ما أثار الهلع في المدينة وأدى لعملية بحث محمومة استمرت لساعات طويلة ثم أعلنت الشرطة الألمانية أن المنفذ هو مواطن ألماني من أصل إيراني عمره 18 عاما. وكان هو المنفذ الوحيد للهجوم على خلاف بعض التقارير التي تحدثت عن ثلاثة أشخاص. وقتل الشاب نفسه بعد أن أردى 9 قتلى وجرح 21 شخصا.
ويعتبر هجوم ميونيخ ثالث هجوم تشهده مدينة أوروبية في أسبوع. فبعد أن قام فرنسي من أصل تونسي بقتل 84 محتفلا في مهرجان العيد الوطني- الباستيل يوم الجمعة، بمدينة نيس، جنوبي فرنسا حين قاد شاحنة ودهس المحتفلين في الشارع قبل أن تتمكن الشرطة من قتله. وفي يوم الإثنين هاجم صبي يعتقد انه مهاجر أفغاني أو باكستاني ركابا في قطار قرب مدينة وزبيرغ بولاية بافاريا وتبنى تنظيم الدولة الهجوم إلا أن السلطات المحلية تعتقد أن المنفذ تصرف بطريقة فردية.
وتعد مدينة ميونيخ ثالث كبرى المدن الالمانية. وبدأ الهجوم على مطعم من سلسلة مطاعم ماكدونالدز قبل أن يتحول إلى مركز أوليمبيا للتسوق، القريب من المدينة الأوليمبية التي شهدت عام 1972 هجوما نفذه فلسطينيون ضد الفريق الرياضي الإسرائيلي المشارك في الأوليمبياد. وقال قائد شرطة ميونيخ هيوبرتس أندريا في مؤتمر صحافي أن دوافع القاتل «غير معروفة بالكامل» ومن الباكر لأوانه الحديث عن هجوم إرهابي. ولا توجد أدلة واضحة أو مباشرة عن دوافع «إسلامية» وراء الهجوم. ونقلت وكالة أنباء «رويترز» عن مسؤول أمني أمريكي طلب عدم ذكر اسمه إن المعلومات التي تلقاها الأمريكيون من نظرائهم الألمان لا تشير لعلاقة بين هجوم ميونيخ وتنظيم الدولة الإسلامية.
وكشف قائد الشرطة عن وجود فتاة عمرها 15 عاما من بين القتلى ونقل 16 شخصا إلى المستشفى من بينهم أطفال حالة بعضهم حرجة. وأكد أندريا أن القاتل لم يكن معروفا للشرطة. وطلبت قوات الأمن من سكان المدينة البقاء في بيوتهم حيث بدأت عملية بحث واسعة قامت فيها بتفتيش الحافلات والقطارات والطرق السريعة. وعادت الحياة لطبيعتها بعدما أعلنت الشرطة الكشف عن جثة القاتل.
وأظهرت لقطات فيديو حالة الذعر التي أصابت المستوقين والزبائن في المطعم حيث بدأ مسلح بمسدس كان يستطلع الشارع بإطلاق النار بهدوء على المارة الذين أسرعوا للبحث عن غطاء من الرصاص. ووصلت سيارات الإسعاف لمكان الهجوم في دقائق إلا أن المنفذ اختفى. وخافت الشرطة من وجود أكثر من مهاجم ولهذا قامت بعملية لتأمين مركز التسوق الذي اعتقدت أن متسوقين وأصحاب محال اختبأوا فيه.
وفتشت الشرطة المكان محلا بعد محل وغرفة بعد غرفة. ونقلت تقارير عن والد متسوقة قوله «كانت ابنتي البالغة من العمر 23 عاما جزءا من مجموعة أغلقوا على أنفسهم في محل أتش & أم واتصلت بها على الهاتف وكانت تبكي ثم انتهت بطارية الهاتف». وعندما سئل اندريا إن كان الهجوم إرهابيا أجاب «إذا كان هناك رجل ببندقية وفتح النار على مركز تسوق وقتل ثمانية أشخاص فعلينا التعامل معه على افتراض أنها جريمة عادية وفعل إرهابي». وتشير شهادات الذين كانوا في مركز التسوق لحالة الرعب «شاهدت فجأة كل واحد يهرب، وبعدها طلب منا صاحب المحل الهرب بأسرع ما لدينا» قالت أمرأة، فيما تحدث آخرون عن سماعهم إطلاق النار داخل وخارج مركز التسوق. وقال فلورين هورن، 33 عاما «كنت أتسوق عندما استمعت لإطلاق النار وبدأت بالركض، ثم سمعنا بعد 40 ثانية إطلاق النار من الخارج».
وأعقب العنف والرعب ساعات من عدم الوضوح حيث بدأت الشرطة بالبحث عن القاتل، واستخدمت نظام تحذير على هاتف ذكي يطلق عليه «كاتويرن» لحث الناس على البقاء في منازلهم، إضافة لوسائل التواصل الإجتماعي حيث حثت الصحافيين والسكان على عدم التشارك في لقطات الفيديو عن القاتل حتى لا يهرب أي مشتبه به.
وأعلنت المستشفيات عن حالة الطوارئ واستدعت الأطباء والجراحين والممرضين. وحلقت القوات الخاصة الألمانية جي أي جي9 لدعم القوات الأمنية المحلية. وحضر القناصة الذين ارتدوا ملابس مدنية إلى مكان الحادث سريعا. وفي الوقت الذي أغلقت فيه المدينة بشكل كامل تذكر الجيل القديم من أهلها العمليات التي نفذتها الجماعة الإرهابية المعروفة بـ«بادرماينفهوف» أو جماعة «الألوية الحمراء» والهجوم على المدينة الأوليمبية. وفاجأ الهجوم السلطات الألمانية التي تمارس قانونا صارما في مجال حيازة السلاح. وقالت إن القاتل لم يظهر في السابق على أنه يمثل تهديدا. وتحقق الشرطة في كل الإحتمالات ومنها احتمال أن يكون القاتل قد اندفع بدافع الغضب على المهاجرين.
وتظهر لقطات الفيديو لغة موجهة ضد الأجانب. ونقلت محطة تلفزيونية ألمانية عن شاهد عيان قوله إنه سمع القاتل وهو يصرخ «أولاد الحرام الأجانب». ولم يتم التأكد بعد من هذه الرواية. ولاحظ مسؤول أمني ألماني أن الهجوم تزامن مع الذكرى الخامسة للمذبحة التي ارتكبها متطرف نرويجي وقتل فيها 77 شخصا. وتقول صحيفة «واشنطن بوست» إن مسؤولا أمنيا لم يستبعد احتمال العمل الإرهابي. وأشارت إلى رسالة وضعت على الإنترنت وعلى ما يبدو من تنظيم الدولة وتقول بالعربية «لا مكان آمن لكن فقد فتحتم أبواب جهنم عندما أعلنتم الحرب علينا».
واجتمعت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل مع رئيس هيئة الأركان ووزير الداخلية الذي عاد للتو من نيويورك وعدد من مسؤولي الإستخبارات الألمان لمناقشة الحادث. وتلقت ميركل رسالة دعم وتعاون من الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند. وفي واشنطن تحدث الرئيس باراك أوباما أمام قوات الشرطة في البيت الأبيض قائلا إن الولايات المتحدة تقدم لألمانيا «كل الدعم الذي تريده لمعالجة الموقف».
وقال إن «هجوم ميونيخ هو تذكير بأن حريتنا وقدرتنا على مواصلة أعمالنا وتربية أولادنا ورؤيتهم يكبرون يعتمد على قوات الشرطة.
ويعتمد على الرجال والنساء الذين يرتدون الزي كل يوم في ظروف خطيرة من أجل سلامتنا». وشجب المرشح الجمهوري دونالد ترامب الهجوم وقال «لا يمكن لهذا أن يستمر. وصعود الإرهاب يهدد طريقة حياة كل المواطنين ويجب أن نعمل ما بوسعنا لإبعاده عن شواطئنا».
وتبعد مدينة ميونيخ 40 ميلا عن الحدود النمساوية وقد تأثرت بموجات اللاجئين وطالبي اللجوء بسبب الإضطرابات التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط. ووصل إلى ألمانيا عام 2015 أكثر من مليون طالب لجوء سياسي. ومر معظمهم من المدينة وبقي واحد من كل سبعة لاجئين فيها أو في محيطها في ولاية بافاريا.
وتعيش ألمانيا حالة تأهب منذ الإثنين عندما هاجم المهاجر الأفغاني/ الباكستاني ركاب القطار وجرح حوالي خمسة منهم. وفي الشهر الماضي اعتقلت السلطات الألمانية 3 سوريين بشبهة التخطيط لعمليات نيابة عن تنظيم الدولة في مدينة دوسلدورف. ودخل الثلاثة مع موجات المهاجرين. وتشمل المؤامرة على عمليات انتحارية وأسلحة ومتفجرات حسبما قالت السلطات الألمانية.
وبحسب استطلاع أجرته قناة «زيد دي أف» الألمانية فقد قالت نسبة 77٪ أن الهجمات ستحدث قريبا وهي أعلى من نسبة 69٪ سجلت قبل أسبوعين. وكان وزير العدل الألماني هايكو ماس «لا حاجة للفزع ومع ذلك تظل ألمانيا هدفا محتملا». ولم يكن الوزير الألماني يتحدث عن هجوم ميونيخ ولكن عن الهجمات الإرهابية التي ضربت فرنسا منذ العام الماضي. وأشارت صحيفة «التايمز» البريطانية أن واحدا من آثار سياسة الأبواب المفتوحة التي انتهجتها المستشارة الألمانية كان صعود اليمين المتطرف الذي تظاهر ضد ما رآه «أسلمة» المانيا وقام بعض آفراده بحرق المهاجع التي نزل فيها المهاجرون.
وأدت كراهية الأجانب لصعود حزبين متطرفين وهما «حزب البديل» (إي أف دي) والذي سجل دعما بنسبة 10٪ في الإستطلاعات الأخيرة. ومع أنه أنشئ كحزب معارض للإتحاد الأوروبي إلا أنه أصبح اليوم معارضا للمهاجرين المسلمين بالتحديد.
أما الحزب الثاني فهو «بيغيدا» ( اختصار الوطنيون الأوروبيون ضد أسلمة الغرب). وظهر في عام 2014 بمجموعة لا تتعدى المئات في مدينة درسدن. ولكنه اجتذب الآلاف لمظاهراته التي كان يعقدها كل اثنين وانتشرت في كل أنحاء ألمانيا. وأعطت الهجمات التي شنها متطرفون تابعون لتنظيم الدولة في فرنسا وبلجيكا قوة لهذا الحزب الذي وصف الهجوم على المجلة الفرنسية الساخرة «تشارلي إبيدو» بالقول إن «الإسلاميين الذين حذرت منهم بيغيدا أظهروا لفرنسا أنهم غير مناسبين للديمقراطية ويبحثون عن العنف والموت كجواب».
ولم تواجه ألمانيا بعد هجوما إرهابيا قويا وينسب الساسة غياب ألمانيا من قائمة أهداف تنظيم الدولة إلى أن المخابرات الألمانية قوية وعمليات الشرطة كفيلة بإحباط المؤامرات في مهدها. ويرى آخرون أن تنظيم الدولة تجنب توجيه ضربات قوية لألمانيا لأنه يريد استخدامها كمنطقة عبور لمقاتليه ولا يريد والحالة هذه التشويش على حركتهم.