إسطنبول ـ «القدس العربي»: مع مرور أسبوع كامل على محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا ما زالت دائرة «الحرب المضادة» أو «معركة التطهير» التي يشنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تتسع ضد كل من شارك في المحاولة الانقلابية أو يدين بالولاء من قريب أو بعيد لجماعة «الخدمة» وزعيمها فتح الله غولن.
ومع إقالة عشرات الآلاف من موظفي الدولة، واعتقال أكثر من 10 آلاف من الجيش والشرطة، وإغلاق آلاف المؤسسات التعليمية والصحية، تبدو عناوين المرحلة المقبلة تتمثل في إجراءات حالة الطوارئ وإعادة هيكلة الجيش والقوات المسلحة، مع توقعات بصدام قادم مع الولايات المتحدة على خلفية مطالب أنقرة بتسليم غولن الذي اتهمته بالمسؤولية بشكل مباشر عن تدبير محاولة الانقلاب التي خلفت مئات القتلى والجرحى.
اجتثاث نفوذ غولن
السبت، وقع أردوغان قرار حالة الطوارئ الأول، والذي يضم القوانين والمعايير التي يخضع لها تطبيق حالة الطوارئ في البلاد، وينص على أن مدة توقيف الأشخاص الذين يشتبه بتورطهم في محاولة الانقلاب الفاشلة، يمكن أن تصل إلى ثلاثين يوماً، كحد أقصى، بحسب المرسوم الذي نشر في الجريدة الرسمية.
وسبق لمجلس الوزراء التركي أن أصدر الأربعاء الماضي، بناء على توصية من مجلس الأمن القومي، قرارًا بإعلان حالة الطوارئ، لمدة 3 أشهر، من أجل «حماية وتعزيز الديمقراطية، والقانون، والحريات»، الأمر الذي واجه انتقادات غربية.
وقال أردوغان إن «إعلان حالة في تركيا، لا يعني، عدم تجوال الشعب، بل على العكس، نحن نفتح المجال أمام المواطنين، للتجمع في الميادين»، مضيفاً: «فيما مضى عندما تعلن حالة الطوارئ كان الناس يهرعون إلى الأسواق من أجل شراء المؤن الغذائية وتخزينها، أما الآن فلا يوجد أي شيء من هذا القبيل، فالمواطنون يهرعون إلى الميادين من أجل التظاهر».
وبموجب حالة الطوارئ، وقع أردوغان على مرسوم يشمل حل آلاف الهيئات والمؤسسات التابعة إلى غولن، ويشمل ذلك إغلاق 15 جامعة خاصة، و35 مركزاً صحياً، و19 نقابة، و1299 جمعية، و1034 مؤسسة تعليمية خاصة وسكنات طلابية، ونقل ملكية جميع الأصول المنقولة وغير المنقولة للجمعيات المغلقة، إلى المديرية العامة للجمعيات.
في السياق ذاته، بلغ عدد موظفي القطاع العام، المبعدين مؤقتًا عن عملهم، أكثر من 45 ألفًا، وهم موظفون كانوا يعملون في رئاسة الوزراء، ووزارات الأسرة والشؤون الاجتماعية، والاقتصاد، والعلوم والصناعة والتكنولوجيا، وهيئة الإحصاء، بينما كان لوزارة التربية نصيب الأسد من المبعدين عن عملهم، حيث بلغ عددهم 21 ألفًا و738، بينهم 21 ألفًا و29 معلمًا.
وفي محاولة للقضاء على أي نفوذ مستقبلي لأنصار الجماعة في مؤسسات الدولة، جاء في المرسوم أنه سيتم عزل جميع الموظفين «الذين يتبين أنهم على صلة أو أعضاء على علاقة بمنظمات إرهابية أو منظمات وهيئات أو مجموعات تقرر أنها تعمل ضد الأمن القومي»، وأن «هؤلاء الموظفين لا يمكن أن يعملوا بعد اليوم في القطاع العام، ولا يمكن توظيفهم بعد اليوم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة».
الجيش والشرطة
الاعتقالات وحملات تصفية المشاركين بشكل مباشر في محاولة الانقلاب، تركزت في الجيش وباقي التشكيلات الأمنية في الدولة التي عبر قادتهما مراراً عن خشيتهم من تكرار محاولات الانقلاب، وقال أردوغان ورئيس الوزراء بن علي يلدريم إن خطر الانقلاب لم يزل بعد بشكل نهائي، ووجها دعوة للمواطنين لمواصلة بقائهم في الشوارع والميادين، وهو استمر بالفعل حتى ليل السبت.
وفي هذا السياق، قال أردوغان، إنه تم توقيف 11 ألف و160 شخصا، وحبس أربعة آلاف و704 آخرين، في تحقيقات تجريها النيابات العامة التركية في كافة الولايات، على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة، وذلك في أحدث إحصائية لإجمالي الموقوفين والذين صدر في حقهم قرار اعتقال، وطالت هذه الاعتقالات، الجمعة، 300 من قوات الحرس الجمهوري.
وأوضح أردوغان أنَّ من بين الموقوفين والمحبوسين 167 شرطيا، وألفان و878 عسكريا، و1552 قاض ومدع عام، و14 من أصحاب السلطات المدنية، و93 مدنيا، مشيراً إلى أن «قانون الطوارئ في تركيا سيسرع من إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي، وعودة القضاء إلى أداء وظيفته الطبيعية».
وبحسب الوكالة الرسمية، السبت، ارتفعت حصيلة العسكريين الموقوفين من ذوي الرتب الرفيعة، إلى 133 جنرالاً وأميرالًا، صدر قرار حبس بحق 126 منهم على ذمة التحقيق، بينما تتواصل عمليات البحث عن منتسبين للقوى الأمنية صدر بحقهم قرار توقيف على خلفية الانقلاب الفاشل.
ولأول مرة، تم الإفراج عن 1200 جندي أوقفوا بعد محاولة الانقلاب، حيث ثبت أنهم لم يكونوا على علم بسبب خروجهم وانهم ليسوا على علم بمخطط الانقلاب.
جهاز الدرك
وجهاز الدرك الذي تصدر محاولة الانقلاب سيشهد التغيرات الأكبر في إطار عملية «إعادة هيكلة الجيش» التي وعد بها أردوغان، حيث أعلن وزير الداخلية أفكان آلا، أن الحكومة ستقوم بشكل قطعي، بإلحاق جهاز «الدرك»، بوزارته بشكل تام. وأوضح أن «التدابير المتخذة من أجل درء حصول أي انقلاب مستقبلي، تشمل الربط الكامل لجهاز الدرك بوزارة الداخلية، فضلا عن تعديلات تشمل الثانويات العسكرية»، موضحا أن «هناك مراحل لعملية الربط، من خلال التعديلات التي تشمل هيئة الأركان العامة، ووزارة الدفاع، فضلا عن مراحل دستورية، وهي مراحل تخضع للتقييم حاليا».
وتتبع القيادة العامة للدرك «الجندرما» من ناحية التدريب، والتعليم، والقانون العسكري والأنظمة لرئاسة الأركان التركية، ولكنها تتبع وزارة الداخلية من ناحية تنفيذ الوظائف الأمنية.
واعتبر وزير الداخلية أن «القرار لا يمكن اتخاذه بشكل أحادي، والهدف من التعديلات هو منع إعطاء شعور لأي جهة، بأن هناك إمكانية للسيطرة على كامل تركيا، حيث إن الناس غير قادرين على تحمل ما حصل من إطلاق نار، وإسقاط قنابل على البرلمان، وتركيا كذلك لا تستطيع أن تتحمل كل ذلك».
كما ستشمل الإجراءات المستقبلية إعادة تعيين قادة وجنرالات لفروع القوات المسلحة والقوات البرية والجوية التي اعتقلت بتهمة المشاركة في الانقلاب، وسط تخوفات من تراجع كفاءة الجيش بسبب حجم التغيرات التي سيشهدها واحتمال عم وجود قيادات وازنة وذات خبرة تحل مكان الجنرالات المقالين والذين يقدرون بثلث جنرالات وأميرالات الجيش الثاني في حلف شمال الأطلسي الناتو.
صدام محتمل مع واشنطن
وفي إطار الملاحقة المتواصلة ضد المتهمين بمحاولة الانقلاب الفاشلة، تواصل الحكومة التركية مساعيها لاستعادة فتح الله غولن من الولايات المتحدة، وسط توقعات بصدام متصاعد بين أنقرة وواشنطن التي لا تبدو أنها ستتعاون كثيراً في تلبية مطلب أنقرة المُلح.
ففي تطور لافت، قبلت محكمة الجزاء الرابعة في العاصمة التركية أنقرة، الجمعة، لائحة الاتهام الموجهة ضد جماعة غولن، التي جاء فيها أن المنظمة وزعيمها يعملان تحت إمرة الولايات المتحدة الأمريكية ووكالة الاستخبارات المركزية «CIA».
وورد في اللائحة، التي أعدتها النيابة العامة بحق 73 مشتبهًا بينهم غولن أن «عملاء من CIA يعملون على التغلغل داخل دول مختلفة حول العالم، وجمع معلومات استخباراتية تحت ستار مدارس تابعة للمنظمة الإرهابية في تلك الدول»، لافتاً إلى أن «غولن وجماعته يتحكمون بثروة في تركيا والعالم تُقدر بـ 150 مليار دولار»، حيث تضم تلك الثروة بنوكاً وجامعات ومدارس ودور سكن للطلبة، ومعاهد للدروس الخاصة، ومؤسسات إعلامية، ومطابع، ودور نشر، وشركات شحن، وشركات أخرى.
وبعد تأكيد الرئيس الأمريكي باراك أوباما على أن تسليم غولن أمر يحدده القضاء الأمريكي، وطلب واشنطن أدلة لتسليمه، قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم: «ليس هناك دليل واضح أكثر من هذا (في إشارة إلى الأماكن التي تعرضت للقصف)، يُظهر مدى خروج المنظمة عن الإنسانية، وحد الجنون الذي وصلت إليه»، مضيفاً: «تخلوا عن الوقوف وراء الجناة (الانقلابيين) الذين دهسوا المواطنين بالدبابات، وألقوا القنابل عليهم من الجو».
والجمعة، قال نائب وزير الخارجية الأمريكي، أنطوني بلينكن، إن بلاده تدرس طلب الحكومة التركية تسليم غولن، وقال: «تلقينا طلباً من الحكومة التركية لتسليم غولن، ندرس هذا الطلب مع نظرائنا الأتراك»، وجدد إدانة بلاده لمحاولة الانقلاب الفاشلة.
لكن وفي مؤشر آخر على حجم الفجوة، ربط وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو بين استمرار التعاون مع أمريكا في مكافحة الإرهاب وتسليم غولن، وقال: «مطلبنا واضح، في حال كان هناك تعاون ضد الإرهاب بجميع أشكاله، فلا بد من الحصول على نتائج ملموسة من هذا التعاون».
وفي ظل اتهامات إعلامية تركية بوجود دعم أمريكي لمحاولة الانقلاب الفاشلة، عثرت الشرطة التركية، على أوراق نقدية من فئة 1 دولار، وزعت على عدد من المتهمين بالتورط في المحاولة وهي ذات أرقام تسلسلية قريبة من بعضها البعض، وتم استخدامها «كشيفرة بين الانقلابيين».
هجوم حاد على الاتحاد الأوروبي
وعلى خلفية الانتقادات التي وجهتها دول أوروبية ورئاسة الاتحاد إلى إجراءات أنقرة عقب الانقلاب الفاشل، شن أردوغان هجوماً حاداً على الاتحاد الذي وصفه بـ»المتناقض والمنحاز»، وقال: «يدلون بتصاريح متناقضة إنهم منحازون ومتحاملون وسيظلون على أحكامهم المسبقة إزاء تركيا»، مضيفا: «مضى علينا 53 عاما ونحن ننتظر على أبواب أوروبا».
وتابع الرئيس التركي: «إذا كان شعبي ووطني يطالب دون توقف بتطبيق عقوبة الإعدام، وإذا وافق ممثلو الشعب في البرلمان فانا آسف، علينا تلبية هذا الطلب». وأضاف «في الأنظمة الديمقراطية السيادة تعود إلى الشعب»، لافتاً إلى أن «أي بلد لم يعان إلى هذا الحد في مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي حتى في ما يتعلق بإلغاء تأشيرات الدخول»، للرعايا الأتراك، مضيفا أن بلاده «في موقع أفضل» من غالبية الدول التي انضمت إلى الاتحاد.
إسماعيل جمال