صلاح بوسريف: الثقافة المغاربية ليست «هامشية» ولا تتبع للمشرق

حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي» ـ من عزالدين بوركة: بُعيد السجال الفكري الأدبي حول ما تبادر من صلاح فضل عن المبدعين والنقاد المغاربة ورد صلاح بوسريف انتقاداً لذلك، وهو سجال دار على صفحات القدس العربي وانتقل إلى خارجها، وما خلفه من ردود أفعال داخل المحيط الأدبي المغاربي والمشارقي. نحاول في هذه المقابلة مع بوسريف الخوض في هذا النقاش وتداعياته. وهنا نص الحوار:
• ما الذي دفع بكم إلى الخوض في السجال المشرقي- المغاربي، على أثر ما بدر من صـــلاح فضـــل في حوارٍ له مع العرب؟
■ في الحِوار الثقافي، لا بُـدَّ من حَـدٍّ مقبول من المَعْـقُـولِـيَة، أو الموضوعية، ومن إعمال الفِـكْـر والنَّظَر. الحُكْم، هكذا، جِـزافاً، أو بنوع من التَّوتُّر، أو التَّشَـنُّج الشوفينيّ، الذي نُجْـهِـز من خلاله على جغرافياتٍ ثقافية، لا لشيء، إلا لادِّعاء الرِّيادة، أو فرض نوع من الوصاية الفكرية والإبداعية، على الآخرين، لم يَـعُد صالِحاً، في زمننا هذا، ولا مُـبَرِّر له، فصلاح فضل، حين اعتبر المغاربِـيِّين، قاصرين في فهمهم للفكر النقدي الحديث، وأنَّ ما يكتبونه لا يفهمه أحد، وأنَّ الشعراء، وغيرهم ممن يشتغلون في حقول الإبداع المختلفة، إذا أرادوا أن يكون لهم حضور، ويشتهروا عليهم أن يلتجِأوا إلى النُّقّـاد المشارقة، وهو بتعبراته المُبَطَّنَة، هذه، يقصد نفسَـه، باعتباره العارف بما يجري في أرض الله من معارف وعلوم، وأنَّ مفاتيح الجنة في يده. وهو بهذا، لم يكن يُـدْرِك، أنَّه كان يضع الحِـصان وراء العربة، ويخرج عن سياق اللباقة التي يمكن استعمالُـها في تمرير مثل هذا النوع من الكلام. ومهما يكن، فما قاله، لا مُـبرِّر له، ولا يمكنه أن يصمد أمام الواقع، لأنَّ المعرفة اليوم، هي معرفة تتجاوز صلاح فضل، لأنَّها لم تعُـد أسيرة جغرافياته المُغْـلَـقَـة، التي ما زالت محكومة بما روَّج له بعض المغاربة من الشُّعراء، بما سَمَّوْه بالمركز والمُحيط، لصالح أطروحة في الشِّعر، كثير مما جاء فيها غير علمي بتاتاً.
• أمازلنا ـ إذن ـ نعيش أزمة المركز الثقافي والهوامش؟ وهل حقيقة أن هذا المركز انتقل من مصر إلى المغرب نقديا وفلسفيا على الأقل؟ كما صار متواضعا عليه.
■ لا يمكن النَّظَر إلى الموضوع بهذه الطريقة. ليس هناك انتقال من مكان إلى آخر، ولا من يَـدٍ إلى أخرى. بمعنى، ليس هناك استحواذ، أو هيمنة، وهذا، كان هو جوهر ما قاله صلاح فضل. في المعرفة والإبداع، نحن أمام نصوص، وأعمال، وأمام مشاريع، وأفكار، وأمام أسئلة. الإضافة، والاختلاق، غير مشرُوطَـيْن بمكان، أو بزمان ما، بل إنَّهما يَحْـدُثان، في مواقع، وفي جغرافياتٍ لا يمكن توقُّـعُـها. هذه الثُّنائية مغلوطة، في الفكر، كما هي مغلوطة في الفن، وهي أساساً مبنية على بُعْد عنصري، شُوفِينيّ، أو عِرْقِي.
في المغرب، كما في تونس، وفي الجزائر، هناك تراكُـمات معرفية كبيرة ومهمة، من حيث ما طرَحَـتْه من مُـشكلات وأفكار، وهي مشاريع حقيقة، كان لها تأثير كبير، في ما يجري في الثقافة العربية قاطبة، لكن، هذا، ليس ادِّعاءً، أو هيمنةً، بل هو انخراط في إحداث الانعطافة المعرفية التي أصبحت إحدى ضرورات العصر، بما في ذلك إعادة صياغة المفاهيم، وابتكارها، للنظر بوضوح، في ما يجري حولنا، وليس بما نكتفي به من أوهام.
• هل نشهد إعادة إحياء صراع مشارقي مغاربي، ونحن في زمن الدمقرطة المعلوماتية والمعرفية، حيث لم تعد المعرفة حكرا على أحد أو جهة بقدر ما هي متاحة للجميع؟
■ هذا ما قلتُه قبل قليل. فاليوم، نحن أمام صَـبِـيبٍ هائل من المعارف. لم يَـعُـد الوُصُـول إلى المعلومة، يحتاج إلى وقت أو جُـهْـد كبيرَيْـن، فأنـتَ تستطيع دُخُول مكتباتِ العالَـم، وأنتَ في بَـيْتِـك، أو في مقهى، أو حتى على سفر، وتستطيع حفظ المعلومات، وتدوينها، لتكون رَهْن تَـصَـرُّفِـكَ. المشكل، لم يعد هو الوصول إلى العلوم والمعارف، بل كيف يمكن استثمار هذه العلوم والمعارف، في سياق مشروعك الفكري، أو النقدي، أو الإبداعي. إنَّ المشكلة اليوم، هي مشكلة رؤية ومنهج، وليست مشكلة كتابة. الجميع يكتبون وينشرون، وثمَّـة من له كمٌّ هائل من الكتب، لكنها كتب بدون فائدة معرفية، وليس لها تأثير، لأنَّها غير مبنية على رؤية، ولا على منهج. بمعنى أنها ليست مشروعاً، بل نوعاً من التَّرْمِـيق، أو الترقيع، بالأحرى.
فأنا أُومِـن بكونية المعرفة، وبالحوار النقدي الجادَّ، والمبني على أسئلة ومشاغل حقيقية، ولعلَّ في خلقنا لهذا الحوار، في سياق ما هو كوني، سيُجَـنِّبُنا، مثل هذه الثنائيات غير المفيدة، التي كانت ظهرت عند طه حسين، في كتابه مستقبل الثقافة في مصر، ولا تنسى أنَّ هناك من مازال يتحدَّث عن فرعونية الثقافة المصرية والحضارة، نسبة إلى الفراعنة، طبعاً.
• ألا يكون في كلام السيد فضل، في ما صدر عنه في حق المبدعين والنقاد المغاربة، فيه نوع من الصواب، على الأقل، من حيث الغموض لدى الشعراء المغاربة، رغم أن كبار الشعراء، مثل أدونيس وسعدي يوسف وعبد المنعم رمضان وسليم بركات، في كتاباتهم كثير من الغموض؟
■ إذا كانت مشكلة صلاح فضل مع الشُّـعراء المغاربة، هي ما سَـمَّـيْتَه بالغموض، فأنت تُزَكِّي ما كنتُ كتَبْتُه في رَدِّي عليه، بمعنى أنَّه يحتاج إلى تجديد، وتَـحْيين معارفه. فأنا أتساءل، في هذا السِّـياق، كيف يقرأ صلاح فضل أبا تمام، والمعري، وكيف يقرأ النفري، ومن المعاصرين، الشاعر الراحل محمد عفيفي مطر، الذي هو عصي عن النقد التقليدي المدرسي، وأيضاً الشُّعراء الذين ذَكَرْتَهُم؟
إذا كانت المشكلة مطروحَـة بهذا المعنى، فالغموض، هو جوهَر الكتابة الإبداعية، التي تكون انزياحاً عن السَّـائد، والمعروف، وما هو مطروح في الطريق. وكما نجد الغموض في الشِّـعر، نجده في النثر، وفي الفكر، وفي الفن. والقرآن، ككتاب، هل هو خالٍ من هذا الغموض، في لغته، وفي أفكاره، وما تَضَمَّنَه من مشكلات في اللغة، وفي التعبي؟
يبدو لي أنَّ الأمر أكبر مما ادَّعاه فضل، لأنَّ قراءة الشِّعر، هي قراءة تحتاج لكثير من حصافة النَّظَر، ولكثير من الصبر والإنصات، ولمراجعة أدواتنا، في ضوء النص، وبالتنازل عن المُكتسبات والمعارف القديمة، والبحث عن أفق آخر جديد للقراءة والكتابة، وليس بوضع النص في سياق الأداة والمنهج، والحكم عليه بما ليس منه. وربما هذه هي مشكلة صلاح فضل، ليس مع المغاربة، بل حتى مع المصريين أنفسهم. فليس مهماً أن يكتُبَ عنك صلاح فضل، المهم، هو ماذا سيكتب عنك، وكيف سيكتب عنك، وهل كتابته لها علاقة بتجربتك، أم هي كتابة خارج التجربة؟ هذا ما علينا الانتباه إليه، فمرايا النقد كثيراً ما تكون مُضلِّلَة.
• ربما أن اختلاف الرؤية النقدية بين المشرق والمغرب راجع إلى البعد الجغرافي، والتراكم الثقافي، فالمكون العربي، الفرنسي، والأمازيغي في المغرب الكبير، كان له دور في هذا الاختلاف، عكس المشرق الذي ظل رهين القومية العروبية والهوية الواحدة، فإلى أي مدى هذا الكلام صائب؟
■ هذه إضافاتٌ وتنويعاتٌ، تخدم الثقافة، وتُـطَوِّرُها، ولا تُعْـلِي أحداً على آخر، أو تجعل أحداً يَجْـهَـل فوق جَهْل الجاهِـلِينا، كما قال عمرو بن كلثوم، بل إنَّ هذا يخدم الأفق المعرفي للثقافة العربية، ويخرج بها إلى انتمائها الكوني، حتى لا تبقى أسيرة دوغمائياتٍ مُتَوَهَّمَة لا أعتقد أنَّ في المغرب من سيدَّعِي امتلاك المعرفة، أو سيسعى لانتزاع سلطةٍ ما من أيٍّ كان لينسبها إلى نفسه. محمد أركون كان له مشروع كبير، اشتغل عليه، ولم يلتفت إلى هذه السَّـخافات، ومحمد عابد الجابري فعل الشيء نفسه، وكان له حوار بهذا العنوان مع حسن حنفي، وهو حوار مفيد لصلاح فضل، إذا ما عاد لقراءته. الأمر نفسه يمكن أن أقوله عن عبد الله العروي، ومحمد سبيلا، وعبد المجيد الشرفي، وهؤلاء ينتمون إلى الفضاء المغاربي.
مشكلتنا اليوم، هي كيف نواجه هيمنة العولمة، وكيف نعمل على التأسيس لثقافة عربية بمعناها الإنسي الكوني، الذي فيه دمنا الشخصي، ووجودنا الثقافي، المرتبط بتاريخنا ومجتمعاتنا، ومشكلاتنا، وليست ثقافة خنادق، وتَـمَـتْرُسات داخل جغرافياتٍ ضيقة، ومُـغْلَـقَـة، تكتفي بنفسها، ولا تلتفت لما يجري حولها، إلا باعتباره هامشاً.
• ألا تعكس هذه الهوية عند المشارقة، رغبتهم في التشبث بالتقليدانية، وعدم المغامرة بعيدا في التجريب الأدبي، ما يعطي الامتياز للرواية المغربية المعاصرة -نموذجا على الأقل- التي أصبح لها حضورها القوي في عدد من الجوائز العربية؟
■ الهوية اليوم، هي هوية مفتوحة، متنوعة، كثيرة ومُـتعدِّدَة. حَـصْـر الهوية في انتماء ما، واعتباره أصلا لكل شيء، هو تطرُّف وتعسُّـف، وهو مقدمة للفكر الشوفيني الذي هو أسير نفسه، وأسير ماضيه. ولهذا، فمن يخرج من مرآته، وينظر في المرايا الأخرى، قد يكتشف أعطابَـه، وربما قُـوَّتَه، أيضاً. وفي المشرق، هناك الكثير من الشعراء والنقاد والمفكرين، لهم أفكار، ولهم مشاريع مهمة، وهم ينتمون إلى هذه الهويات المفتوحة المتحركة، وإلى الفكر الحداثي التنويري، وليس إلى ادِّعاء هذا الفكر، والعمل بنقيضه، كما هي حالة فضل وجابر عصفور، وعبد المعطي حجازي في مصر.
التجريب موجود في المشرق وفي المغرب، وفي الشِّـعر هو أكثر جرأةً، وهذا ما يُـعانيه بعض النقاد المشارقة في قراءتهم للشِّـعر، لأنهم تعوَّدوا على شعر السياب والبياتي وصلاح عبد الصبور، ولم يستطيعوا مواكبة الكتابة، أو ما سمَّـيْتُه في كتابي «حداثة الكتابة في الشعر العربي المعاصر» بحداثة الكتابة، في مقابل حداثة القصيدة، وهو ما أُزاوله شعرياً، وما يزاوله سليم بركات، وعبد المنعم رمضان، ورفعت سلام، ومحمد آدم، وغيرهم ممن أخْرَجُوا الشِّعر من أسْرِ القصيدة، أي من الشفاهة، التي هي ماضي الشِّعر، لا مستقبله.
• قلت في ردك ما مفاده أن الكلام الصادر عن صلاح فضل إن بدر من طه حسين مثلا، يمكن قبوله، بدعوة أنه يمتلك مشروعا فكريا ونقديا.. فهل امتلاك مشروع فكري هو دعوة إلى القول بمثل هذا الادعاء؟ ثم لماذا لم نعد نجد مثقفين موسوعيين قادرين على خلق تيارات، وسجالات قوية، أمثال عبد الله العروي ومحمد أركون؟
■ طه حسين، كان يُـنْصِـت لنبض الثقافة العربية بِـحِـسِّ العارف الذي يلتقط الاستثناءات، ويذهبُ إليها، لأنه هو كان استثناء، وكانت له جُرأة في الرأي، وفي المنهج، وفي النقد، أيضاً. عكس فضل، هذا، الذي يكتب في كل شيء، ولا يملك رؤية واضحة في ما يكتبه ويقوله، وبالتالي، فهو لا يعرف ما يجري في المغرب، يعرف أشخاصاً، ولا يعرف الواقع الثقافي والإبداعي. ولهذا فما قاله فيه تضليل، وتَمَـحُّـل، بلغة القدماء. فطه حسين كتب مقالة مهمة عن كتاب عبدالله كنون «النبوغ المغربي»، وكان نشرها في جريدة «الأخبار» المصرية، وهو من دعا كنون ليُحاضر حول الأدب المغربي في مصر، في الوقت الذي كان فيه المغرب يأخذ من المشرق. وهذا في ذاته تعبير عن أهمية هذا الرجل، وتواضعه.
التيارات والسجالات رهينتان بطبيعة القضايا المطروحة. لا ينبغي اختلاق أسئلة مغلوطة، وادِّعاء التحاور فيها، فهذا لن يُـفيدَ في إحداث المغايرة والاختلاق.
• ضمن هـــــذا السياق، هناك مجموعة من المشارقة لا يعرفون شَـيْئا عَنِ النقد المغارِبِيّ، ولا حتى عن الإبداع، في رأيكم إلى أي حد المثقف المغاربي مسؤول هو الآخر عن عدم إيصال صوته؟
■ مشكلتُنا في المغرب، وهو ما يجري على تونس والجزائر أيضا، أنَّ مجلاتنا الثقافية، رغم هزالتها، وهيمنة المؤسسات عليها، وما نصدره من كتب، لا يصل إلى المشرق، بعكس مجلات وجرائد المشرق، فهي كانت دائما تصل إلينا، وبانتظام. وهذا ما أحْدَث هذا الجهل بما نكتبه. لكن، اليوم، تغير الوضع، وأصبحت المعارض الدولية للكتاب، فرصة لوصول المغرب إلى المشرق، ووصول المشرق إلى المغرب، ثم إنَّ النت، ودوره الإيجابي، سمح لمن يرغب في معرفتنا أن يجدنا، وأن يصل إلينا من دون عناء. المعرفة، اليوم، صارت بيتاً من زُجاج، مفتوحا على كل جهات الكون، رغم كل ما يحدث من فوضى في هذا الانفتاح.
• في صلب ردك ذكرت كون صلاح فضل وهو ضمن ما سميته بـ«جريرة المليون شاعر» يكرس للقصيدة بكلّ بنياتها المترسّبة في العقل الشعري العربي، في حين أنه كان في البرنامج ذاته ضمن لجنة التحكيم اسم مغاربي، الجزائري عبد الملك مرتاض. ألا تجد في الأمر نوعا من التعصب الذي يقود إلى غياب الموضوعية؟
■ المسألة لا تتعلق بصلاح فضل كشخص، فأنا لا أعرفه، لم ألتقه، ولا تربطني به صلة ما، لأنه لم يكن مفيداً لي في ما يكتبه، بل إنَّي ذهبْتُ إلى الفكر الكامن وراء هذا الشخص، أو الذي يحمله هذا الشخص، وهو فكر لم يخرج من ماضيه، فكيف يمكن أن يحكم على المستقبل، وهو يعيش في كهف مغلق، لا ضوء ولا هواء فيه. صلاح فضل اليوم، لا يبحث إلا عن اللقاءات والأماكن التي فيها أموال، وهذا ما أصبح آفة المشارقة والمغاربة معاً، ممن يتاجرون بالفكر، ولم تعد تعنيهم القيم، ولا الأفكار. وصديقه عصفور أخذ جائزة من القذافي، في الوقت الذي رفضها خوان غويتيسولو، وكتب رسالة إلى القذافي، قاسيةً، يشرح لماذا رفضها، فهل هذا معقول في نظرك؟
• أخيرا، بمحاذاة كلام صلاح فضل وقريبا من النقد، ألا تلاحظون معنا من منطلقكم شاعرا وناقدا وجود فوضى عارمة في النقد والإبداع في المغرب الكبير على الأقل، أنتجه استسهال النشر على الإنترنت؟
■ هذه الفوضى، كانت دائماً موجودة، وستظل، ومنها تخلَّـق المبدعون الكبار، أمثال المتنبي، والمتنبي نفسُـه اتُّهِـم بالسرقة، والسطو، وهناك من اعتبره خارج الشِّـعر. الشيء نفسه حدث مع أبي تمام، والشيء نفسه حدث مع النفري الذي تجاهله الجميع، وأيضاً مع رواد القصيدة الحرة، ومع شعراء قصيدة النثر، بدون هذه الفوضى، لن يحدث الانتقاء. ولعلّ الخطر على الإبداع، يوجد في النقد، فحين نكتب عن شخص كلاماً أكبر من شعره، فهذا فيه تضليل، وتزوير، وفيه خيانة للشِّـعر، واستهتار به. في المغرب، كما في المشرق، حين تقرأ ما يكتبه بعض النقاد، وتقــــرأ النصـــوص التي كتبوا عنها، وأنا أفعل هذا باستمرار، حتى لا يخدعني أحد، تجد مسافة كبيرة بين ما هو مكتوب، وما يُـقال عنه. هذه هي الفوضى الحقيقية. أما ما يُنْشَر على النت، فهو نوع من الصُّراخ داخل غرف مغلقة. ومن حق أي شخص أن يصرخ كما يشاء، حين يكون لوحده، ومن حق من يعلقون عليه أن يقولوا ما يشاؤون، لأنَّ الحدود الدنيا لمعايير الإبداع والنقد، لا تتوفر، لا في الشاعر ولا في من أحبَّ ما كَـتَبَه، أو علَّـق عليه. والكتابة هي عَناء، وجهد، وصيرورة، وليست نزوة عابرة، أو كلام ليل.

صلاح بوسريف: الثقافة المغاربية ليست «هامشية» ولا تتبع للمشرق
نقاش حول ملاحظات الناقد المصري صلاح فضل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية