أي علاقة ممكنة بين الدولة والمجتمع المدني في البلدان العربية

حجم الخط
0

أصيلة ـ «القدس العربي» من محمد جليد: في نقاشات «ندوة الحكامة (أو الحوكمة) ومنظمات المجتمع المدني»، لم يحصل التوافق بين المشاركين العرب حول تعريف محدد لمفهوم المجتمع المدني وأدواره السياسية والاجتماعية، أو حول العلاقة بين المكونات المدنية والفاعلين السياسيين، ولا حتى حول الحاجة إلى الحكامة داخل أنظمة سياسية فاسدة ومجتمعات هشة.
إذ تذرع أغلب هؤلاء المشاركين بوجود خصوصيات محلية، لتبرير غياب الإجماع حول مقاربة أو منظور فكري ونظري يسمح بتوضيح آليات الحكامة، أو توضيح طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمع الفاعل المدني بالسلطة السياسية في العالم العربي.
هكذا، تعددت المنطلقات والرؤى، واختلفت بين فاعل مدني يرى أن قوة المجتمع المدني ناتجة عن ضعف الدولة وهشاشتها وعجزها عن تطبيق مبادئ الحكامة والشفافية؛ وبين فاعل سياسي يكذب هذا الرأي ويعتبر السياسي كائنا منتخبا يتحمل مسؤولية معينة لا تسمح له بالخضوع لضغوط بعض المطالب القطاعية الصغرى؛ ومن هنا، يتعين عليه أن يرتبط بالسلطة التمثيلية التي أوكلها إليه الناخبون، الخ. هنا مكمن الإشكالية، حسب إجماع هذا وذاك.

مفاهيم وتحديدات

ينطلق الكاتب الفلسطيني إياد سليمان برغوثي، مدير مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان والشبكة العربية، من التعريف الذي تضعه منظمة اليونيسكو لمفهوم «المجتمع المدني»، باعتباره التنظيم الذاتي للمجتمع خارج إطار السلطة السياسية والإدارية، رغم أنه أشار إلى أن هذا التعريف يكتنفه القصور والاختصار. في هذا السياق، يسلط الضوء على بعض مقومات المجتمع المدني، حيث يشير إلى أنه يحيل على اعتراف الدولة الضمني بالعجز عن حلّ مشكلات المجتمع، وكذا اعتراف المجتمع المدني نفسه بتبني فكرة الإصلاح والتشارك والتطوير، بدل الثورة أو الانقلاب أو الهيمنة، الخ. كما يحيل هذا المفهوم، حسب رأيه، إلى قدرة كيانات المجتمع المدني على الوصول إلى المعلومة واستغلالها في مناقشة قضايا المجتمع، بل وقدرتها على تطوير الحس الأخلاقي في المجالين السياسي والاجتماعي. أما فيما يتعلق بالعلاقة بين الدولة والمجتمع، فيرى أن وجود الأولى يستشعر عبر أمرين اثنين: أولهما تلك الخدمات التي تقدمها للمواطن، والثاني يكمن في القوة والعنف، أو الاستبداد الذي تمارسه عليه. ومن هنا، يستنتج أن المجتمع المدني ظهر نتيجة وعي المواطنين بضرورة المشاركة، بل إنه يستمد مشروعية وجوده من هذا الوعي.
ثمة كذلك مفهوم آخر يتصل بالدولة والمجتمع المدني، وهو: الحكامة. فهذا المفهوم يعرفه الكاتب محمد تاج الدين الحسيني، أستاذ القانون الدولي في جامعة محمد الخامس في الرباط، انطلاقا من كراسات منظمة اليونيسكو، باعتباره ذلك النسق الجديد للوسائل والعلاقات والمساطر والمسؤوليات التي تتوفر فيها صلاحية الأفراد والجماعات وتسوية النزاعات والخلافات والمشاركة في ما بينها والسلطات.
هنا لابد من الانتباه، حسب رأي الحسيني، إلى طريقة توظيف المجتمع المدني، ذلك أنه قد يوظف لحساب الدولة والمجتمع ومصلحتهما، أو يستخدم لإفشال مشاريع الدولة والانتهاء بالمجتمع إلى حافة الهاوية والإفلاس. من هنا ضرورة أن يكون المدني والسياسي في بوتقة واحدة، على حد تعبير الحسيني. ولعل أفضل نموذج يعبر عن هذه البوتقة هو المغرب الذي شهد وعيا لدى الدولة ومختلف طبقات المجتمع، منذ الاستعمار إلى اليوم، بضرورة ترسيخ شراكة منتجة، سواء على مستوى إنتاج النصوص القانونية أو على صعيد العمل الاجتماعي الرامي إلى تطوير العمل السياسي وترسيخ ثقافة الديمقراطية. وهنا يشير الحسيني إلى أن الربيع العربي وتكنولوجيا الإعلام سرعا من وتيرة التفاعل بين الدولة والمجتمع المدني.
لكن الباحث التونسي محرز الدريسي، مدير مركز الجاحظ في تونس، وهو من القلائل الذين تناولوا موضوع الحكامة والمجتمع المدني في شقها المعرفي في هذه الندوة، يرى أن الوعي الثقافي يلعب دورا كبيرا في تكريس الحكامة كمبدأ عام يحكم العلاقة الممكنة والسليمة بين المجتمع المدني والدولة. وفي هذا السياق، فهو يميز بين المجتمع المدني باعتباره نخبة مجتمعية تعمل ضمن فضاء عمومي، والمجتمع السياسي بوصفه نخبة سياسية تعمل ضمن مجالات مؤسساتية رسمية محكومة بقواعد وضوابط قانونية وأخلاقية. لكن قد يحدث التأثير والتأثر بينهما، كما هو الحال في التجربة التونسية في شكل تنظيم الجمعيات وتأثيرها على الانتقال الديمقراطي.

التمثيلية والمجتمع المدني

مما لا شك فيه أن أهمية العلاقة بين الفاعل السياسي وجمعيات المجتمع المدني تكمن، كما ترى النائبة البرلمانية المصرية أنيسة حسونة، في قدرة كل واحد منهما على إدراك التحولات ومعرفة الإرهاصات التي تعيشها المجتمعات العربية. فالمفروض أن الجمعيات، بمختلف هيئاتها وأطيافها، تعبر عن بعض مصالح المواطن، وإن كان هذا الأخير لا يعي أحيانا مفهوم المجتمع المدني وتعبيراته ونظرياته واتجاهاته. وقد تكلف هذه الجمعيات، من طرف الدولة أو غيرها، لتحقيق بعض هذه المصالح. والمفروض كذلك أن الأجهزة المنتخبة تعتبر، حسب حسونة، المتحدث باسم هذه المصالح والمنفذ لها في آن معا ضمن الاختصاصات التي يخولها الدستور والقوانين المتفرعة عنه لكل سلطة من السلط التابعة لهذه الأجهزة.

المجتمع المدني والديمقراطية

لكن لابد من التساؤل: من أين يستمد المجتمع المدني مشروعيته؟ هل من امتداده الاجتماعي؟ أم من اقتناعه بضرورة حضوره داخل المجتمع، مثلما جرت العادة في أوروبا وأمريكا؟ لا مناص من التذكير بأن المجتمع المدني يمثل مظهرا من مظاهر الديمقراطية، بل حقا من حقوق الإنسان المعاصر والمجتمعات الحديثة. فاتصال المجتمع المدني بثقافتي الديمقـــراطية وحقـــوق الإنسان هي التي تخول، كما يذكرنا المحجوب الهيبـــة المنـــدوب من حكومة عبــد الإله بنكـــيران المكلف بحقـــوق الإنسان، توليد مجموعة من الممارسات، مثل الصحافة والحق في التجمعات الحزبية والمدنية… الخ، بل وتنظيمها قانونيا واستحداث عدد من المؤسسات الخاصة بها العمومية وشبه العمـــومية، مثلــما هو الشــأن بالنسبة للمنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف، الذي عهد له البحث في ملفات ما سمي بسنوات الرصاص. ذلك أن هذه التجربة تعتبر ثمرة شراكة بين العملين الحكومي والمدني، وتمثل مثالا بارزا يجسد ذلك الاتصال بين الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتسعى إلى تحقيق التوازن بين مختلف القوى السياسية والمدنية.
لكن ثمة ما يعوق تطور العمل المدني في العالم العربي، حيث ينتبه الباحث المغربي المختار بنعبدلاوي إلى أن بعض الانتظامات القبلية والعشائرية العربية تقف وراء تعثر هذا العمل، لأنها تحتكم أساسا إلى العرف، بينما المجتمع المدني يقوم على القوانين المعاصرة، من جموع تأسيسية وقوانين داخلية ومحاضر وتقارير أدبية ومالية، الخ. وبدورها الكيانات المدنية لم تدخل عالم المعاصرة إلا بعد مرحلتين تكادان لا تختلفان في طبيعتهما عن التنظيمات الأهلية والعشائرية، وهما: مرحلة المجتمع المدني الذي لم يعرف أي تأطير قانوني، ومرحلة قانون الحريات الذي تبناه المغرب سنة 1958، باعتباره استجابة لمطالب سياسية وتكريسا لرغبة ملكية في تجنب هيمنة الحزب الواحد. وفي هذه المرحلة الثانية، لم يكن المجتمع المدني فعلا، بل مجرد آلية، حسب تعبير بنعبدلاوي. لكن التطور الحقيقي الذي مسّ هذا المفهوم حصل بعدما اقتنعت الجمعيات والمنظمات المدنية بضرورة فصل عملها عن الإيديولوجيا؛ أي عن الأحزاب السياسية، حيث أثبتت الجمعيات أن موقفها حقوقي صرف. وفي الآونة الأخيرة، بدأ المجتمع المدني يشهد تحولات أخرى قوامها المطالبة بمطالب قطاعية، وغلبة حس الخبرة والكفاءة والنجاعة على الأيديولوجيا، والانخراط في النقاش العام حول بعض القضايا ذات الطابع السياسي، والاهتمام بالسوق والعرض والطلب. وفي المقابل، بدأت تتآكل ثقافة التطوع التي تراكمت عبر تاريخ العمل الجمعوي في المغرب، وإن كان قد أصبح قويا خلال السنوات القليلة الماضية.

تجارب المجتمع المدني

المجتمع المدني مستقل بطبيعته عن المؤسسات السياسي والعسكرية والدينية، كما يرى الباحث الموريتاني محمد سيد أحمد فال الوداني. غايته تتجاوز تحقيق بعض الحاجات المادية للإنسان إلى العمل على دمقرطة البنى المكونة للمجتمع. وقد يفعل ذلك ضمن مقاربة تشاركية مع الدولة المركزية والحكومة والبرلمان والأحزاب. ومداخله الأساسية إلى هذا النوع من العمل الديمقراطي تحقيق الإصلاح الاجتماعي والسياسي على مستوى بعض الأنوية الاجتماعية الصغيرة لشعب ما، مثل تفادي الانشطار الطائفي. وهكذا يصبح دور المجتمع المدني موازيا لدور الدولة، حيث يستشهد أحمد فال الوداني بالعمل الاجتماعي الذي تشرف عليه بعض الجمعيات داخل المجتمع الموريتاني، خاصة على مستوى المكونين العربي والأفريقي.
ويذكرنا الكاتب البحريني علي عبد الله خليفة بالأدوار الاجتماعية والتاريخية التي أنيطت بجمعيتين بحرينيتين وهما: أسرة أدباء وكتاب البحرين والملتقى الثقافي والأهلي في البحرين. إذ يمكن، من خلال هاتين الجمعيتين، رصد التحولات العامة التي شهدها العمل المدني، ليس في البحرين فحسب، بل الخليج العربي كله، كما يرى عبد الله خليفة. إذ ارتبط في مرحلة الاستعمار البريطاني بالمقاومة، وهو الدور نفسه الذي قامت به الحركة الوطنية إبان الاستعمار الفرنسي للمغرب، حيث لم يخرج الفرنسيون إلا من خلال ديناميته وحركيته، كما قال تاج الدين الحسيني. لكنه بعد انتقل إلى مرحلة تأسيس الدولة وتطوير المجتمع وترسيخ ثقافة الديمقراطية، ليس في المغرب والبحرين فقط، بل في جميع البلدان العربية تقريبا. لكن هل تحققت فعلا هذه التحولات في ظل ما يشهده العالم العربي اليوم من تمزقات وانشطارات؟
هناك نموذجان يسمحان بالإجابة عن هذا السؤال؟ هناك النموذج المغربي المستقر. وهذا الاستقرار يرجع، في جزء كبير منه، إلى دور المجتمع المدني. وهناك النموذج العراقي المتشظي، الذي اقتصر على بعض النقابات والاتحادات المرتبطة بمخابرات صدام حسين، ولم يشهد أي دور للعمل المدني إلا بعد الاحتلال الأمريكي سنة 2003؛ أي بعد أن أصبح هذا البلد يشغل بال العالم واهتمامه إعلاميا على الأقل، كما يرى مظفر الربيعي، مدير العلاقات العامة والإعلام ببيت الحكمة. فبعد ظهور المكون المدني في العراق، حاول المساعدة على لمّ شتات العراق الممزق وترسيخ رؤية مدينة إلى مشكلة الطائفية والنزعة القبلية، والمساهمة في حلّ مشكلة النزوح الإنساني، فضلا عن أدوار الإغاثة والمحافظة على الموروث الإنساني من مواقع أثرية وثقافية، الخ.
وما يجري اليوم عبر العالم كله يمثل، في نظر الباحث المصري مصطفى حجازي، رئيس مؤسسة «سكوير» للفكر الإنساني، إعادة تعريف القيم، وكذا المفاهيم التي كنا نعتقد أنها صارت محسومة، بما فيها الدولة. إذ يعتبر حجازي أن بعض حركات الاحتجاج العالمية، مثل «احتلوا وول ستريت» و»احتلوا فرنكفورت» و»احتلوا هونغ كونغ»، تنتقد الدولة وتنقضها، موضحا أنها كشفت نوع العلاقة القائمة بين مفهومي السلطة والحكامة. من جهة ثانية، يقول حجازي إن هذا الواقع بين أن الديمقراطية التشاركية لا تعني مسار التفكير في القرار فحسب، بل كذلك مسار اتخاذ القرار بعد التفكير فيه. ويخلص إلى أن الحكامة تعمل على مأسسة سلطة الحكم المدني، بعدما صار المجتمع المدني حقيقة اليوم. كما يستنتج أن الحكامة تعتبر بمثابة الوسيلة التي توصل المجتمع إلى حقيقة الحكم المدني، وكذا حقيقة الديمقراطية التشاركية.

عوائق وإكراهات

ورغم هذا التطور الهائل الحاصل في مجال المجتمع المدني، إلا أنه مازال يعاني عوائق وإكراهات. ذلك أن إشكالية العمل الجمعوي في المغرب وباقي بلدان العربي لا تتعلق بالموارد المالية فحسب، كما يقول فؤاد العماري، رئيس الجمعية المغربية لرؤساء الجماعات بالمغرب، بل بالحكامة والتدبير الجيد. من هنا، فهذا الواقع لا يسمح بتحقيق وتيرة أسرع في التنمية. إلى جانب ذلك، مازال المجتمع المدني العربي يعاني من الإملاءات الغربية وغياب التمويل الذاتي وضعف الكفاءة، فضلا عن عدم قدرته على فهم السياسات الاجتماعية والثقافية لكل بلد على حدة، حسبما يراه الإعلامي والمحلل السياسي المصري جمال سلطان.
انطلاقا من هذه العوائق، يبرز مفهوم الحكامة، باعتباره شرطا من شروط تحقيق الكفاءة، التي تجعل المجتمع المدني، والدولة أيضا، قادرين على أن يكونا فاعلين حيويين داخل المجتمع. هنا يلاحظ الكاتب الصحافي الإماراتي راشد العريمي أن المنظمات الدولية والبعض الدول الكبرى تستغل غياب الحكامة، سواء عند الدولة أو المجتمع المدني، لفرض آرائها وتوجهاتها على الدول والشعوب، غير آبهة بخصوصياتها وتطلعاتها الذاتية. هكذا، فحاجة الدولة والمجتمع المدني إلى تطبيق مبدأ الحكامة، حسب رأي العريمي، حاجة ملحة ضرورية وملحة لتفادي التحكم الأجنبي وتدخله.

أي علاقة ممكنة بين الدولة والمجتمع المدني في البلدان العربية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية