الأدب والمفاهيم الجديدة في المجتمع الرقمي

حجم الخط
0

ينهض الأدب على المقصدية والوظائف التي تعني التّوجهات الدلالية الكامنة، سواء كانت في التكوينات النصية أو في السّياقات التي ينطوي عليها.
وعلى الرغم من الاختلافات المنهجية والنقدية في فهم النص، وبعده الدلالي وقيمة المعنى، كما الولاء بين المنظور الداخلي أو خيانته عبر ما يسمى بالمقاربة الخارجية، إذ يبقى الأدب – شئنا أم أبينا – منوطاً بالفهم، والأثر والوظيفة، وبذلك فهو ينشغل بوصفه ظاهرة تعبيرية بالمعنى الكلاسيكي، فليس للأدب سوى وظائف متعارف عليها، غير أن الإشكالية في الأدب اليوم تبدو في بعض الأحيان ضبابية، يكسوها الغموض، ولا سيما في زمن بات خائنا للقيم والأقوال الرّسولية، التي بدأ الأدباء يفقدون من خلالها أدوارهم لصالح التّكوينات الجديدة للإعلام، والمجتمع الرقمي، غير أن الأهم أن الأدباء فقدوا أيضاً القدرة على تكوين مفهوم جديد للأدب، إذ تحول الأخير إلى ممارسة ذاتية ذات طابع حلزوني تمتد إلى الداخل، فلم يبق لها من الأثر سوى ما يكمن في ضمائر من يظنون أن للأدب قيمة من حيث قدرته على إحداث تحول في وعي العالم وضميره، وبوجه خاص في عالم أضحى يعتمد على مبدأ الذكاء الاجتماعي، وقيم السوق، إلى درجة أضحت فيها القدرة على التأثير محكومة بمنطق الشخصية، لا بالوعي، والموقف الأخلاقي، أو حتى الطبع، وبذلك فقد برزت مؤثرات جديدة حاسمة في توجيه الرأي العام، ونقد الممارسات الحياتية باختلاف مساوئها وهناتها.
لم يعدّ يحفل العالم بالشّاعر أو الأديب، وموقفه المتعالي بوصفه القيمة الصادقة في عالم منحط حسب توصيفات جورج لوكاتش ولوسيان غولدمان، ليست هنالك قيمة إضافية للكلمة في تعبيرات لا تخضع إلا لمنطق القوة للذات المتفوقة، إذ لا شاعر يقود العالم، ولا رواية تحدث تحولاً، كما لا يوجد فيلسوف يعيد إنتاج الذات القومية أو الوطنية أو حتى الأخلاقية، فقط ثمة الساسة والدعاة ومشاهير الإعلام الذين يتحكمون بوعي الإنسان الجديد، الذي يتعرض لإعادة تشكيل ممنهجة كي يكون إنساناً منقادا، بل ليتحول إلى وقود لمشاريع أيديولوجية رأسمالية أو دينية، فهذه المشاريع الحيوية لا يمكن لها أن تتقدم من دون توفر ثلاثة عوامل: هي الدعم المادي، والولاء الأعمى، والمستهلك، وثلاثتها تحتاج إلى الجمهور، أي أن ثمة تفكيراً بمنطق القطيع للتحكم بالعائد الناتج، وقوامه المزيد من السّلطة والمال والشهرة، وهذه يجب أَن تكون منوطة بمجموعة قليلة، أو مجموعات حسنة التنظيم، تحتكم إلى عقول تتكئ على قيم التّطوير الإداري والذاتي التي تتقن تجييش الوعي المجتمعي المُنقاد بخطابات المصلحة المشتركة، علاوة على توظيف العاطفة الدينية والخطاب الإقصائي، وكي تتحقق الدرجة الأكبر من العائد ينبغي الإجهاز على القيم الإنسانية لصالح مشاريع ذات عوائد نفعية، أو السّعي وراء أحلام تنهض على استرجاع سلطة مُتلاشية، بغض النظر عن مظهرها، سواء أكانت دينية أو طائفية أو حتى مؤسساتية، وبذلك فلا حاجة للأدب الذي يبدو نتاجاً إنسانياً كاسداً كونه لم يعد يُغذّي القيم الإنسانية التي تعني إفساح أكبر قدر من المشاركة والتسامح والعقلانية كما تقدير الجمال، وهذا يتفق مع السّمات السائدة والمهيمنة لثقافات أصبحت تقدر معنى الامتلاك الكلي، وإلغاء الآخر، فالصّوت الأخلاقي ينبغي أن يصمت، والفرد ليس سوى قيمة مضافة لمشاريع تحتكم لجماعات لا تسعى فقط للاستحواذ على أكبر قدر من الهيمنة وسلطة القيادة فحسب، إنما لصون التّفوق المادي، وهكذا لم يعد العالم يحفل بنقد الممارسات غير الأخلاقية للاستعمار أو الهيمنة والديكتاتوريات، والحرية، إنما بتدمير الآخر المنافس، وهذا نهج ابتدعته نظم اقتصادية تولدت أولاً في الغرب الذي اختلق هذا النهج في مطلع القرن العشرين، ولاسيما بعد الكساد الكبير في الولايات المتحدة التي بدأت تسعى إلى توظيف الجماهير بوصفها عقولا مستهلكة، لقد تراجعت قيم الطباع الأخلاقية لصالح الشخصية القوية، كما القدرة على الخطابة، وامتلاك العقول والقلوب عبر جملة من الممارسات الزائفة، إنها ثقافة الإدارة كما تصف سوزان كين إحدى الباحثات في هذا المجال، وهكذا فلا جرم أن يتراجع الأدب حيث باتت تتفوق مبيعات كتب التطوير الذاتي، والإدارة الشخصية، وإدارة المشاريع، وبناء الشّخصية على كتب الأدب والثقافة، في حين تطور وعي الأفراد البسطاء كما الوعي الجمعي الذي أمسى يحتكم إلى منطق الحصول على وظيفة في شركة مرموقة، أو ترقية في العمل، أو البدء في مشروع تجاري ناجح، أو تحقيق سلطة من خلال الانتماء للحزب الحاكم، أي النفاق لمن يمتلك السلطة، أو عَلى العكس تدمير السلطة والاستحواذ على المقدرات والتفوق المادي والسلطوي.
لقد أصبحت دورات تطوير الذات متخمة بالحضور الذين يدفعون مبالغ طائلة كي يتعلموا الكذب والنفاق، كما حلقات الدعاة، وتفسير الأحلام للخروج من المأزق الوجودي والنفعي عبر خطاب جديد يهدف تحقيق أكبر قدر من الموازنة بين عالم مثقل بالمادية والتزلف. ولعل هذا النهج مبرر لعالم لم يعد يحفل حقيقة باكتناه الأشياء بمقدار استثمارها، لقد تحول العالم والإنسان إلى عقل يحكمه مبدآن: التقييم المادي القائم على الاستثمار والسوق في حين اتخذ التقييم الثيولوجي الجزء الآخر، وبذلك لم تعد الحاجة للأدب إلا بوصفه سقالة وظيفية، لقد أضحى الأدب نطاقا للتوظيف في منظومة التعليم التي تحتاج هذا الأدب كي يكون نماذج للغة لا شيء آخر، أو بوصفه متعالية ذاتية شوفينية تاريخية ما زالت بعض آثارها في الخطاب الرسمي لظاهرة الدولة الباحثة عن أسس تكوينها.
لقد انتشر نهج جديد في وعي العالم، أو لدى بعض الشعوب التي لم تتمكن إلى الآن من إدراك مبدأ التحضر، ومعنى التوازن بين مفردات مختلفة، ففي العالم العربي نقص في تقدير قيم الفن والأدب ودورهما في تخليص الإنسان من النزعات التدميرية التي تنتشر كمبادئ الاستثمار، وقيم الاستحواذ الرأسمالي، ولعل هذا يفسره الاستغراق الواضح بتبني ممارسات المصلحة على حساب التقييم الإنساني، وهذا يشمل الأفراد كما الحكومات والسلطة؛ ولهذا انبثقت ممارسة حضارية قوامها كيفية تطبيق مبدأ الاستحواذ، والقضاء على الآخر، واكتساب أكبر قدر من المكتسبات في ظل الضغط الأخلاقي، والخطابات الثيولوجية، ولهذا بتنا في أزمة لا يمكن أن توصف إلا بأنها شكل من أشكال الفصام المجتمعي، حيث لا يمكن أن نتجه إلى نموذج صحي إلا من خلال تقديم أكبر قدر من الجرعات التي يمكن أن ينهض بها الأدب والفن حتى يستعيد دوره الحيوي والعميق. يشار إلى أن بعض الدراسات تُظهر بأن الحاجة للفن برزت حينما سعى الإنسان للسيطرة على الطبيعة، والانفصال عنها، ولكنه حينما لم يتمكن من فهم ما يفوق قدرته، ويستجيب لهواجسه لجأ إلى الأدب والفن كي يستوعب الخوارق، والمبادئ الميتافيزيقية، بالتراصف مع دور الدين للتخفيف من روعه، ولإضفاء بعض من الجمال على حياته البائسة على هذه الأرض، لقد كان ثمة قدر من التوازن والتقدير لقوة الطبيعة وقدرتها، ولكن حينما أدرك الإنسان أنه قادر على فهم ميكانيكية العالم، وتذليله لأبعد قدر ممكن، علاوة على ابتكار نموذج المحاكاة، وخلق واقع بديل، وافتراضي، شهد الفن والأدب نكسة، فلم يعد الحلم حلماً، أو متخيلاً، فلم يعد الجمال منوطاً بالطبيعة المتعالية، فهذا العالم ينطوي على مقدرات أكبر مما نتخيل، والإنسان يرغب بالامتلاك والتمتع بكل ما يمكن أن يحصل عليه، ولهذا لا بد من تكثيف واستثمار هذه التوجهات الجديدة، فحينما كان جول فيرن يكتب رواياته العلمية، وتخيلاته حول أبعاد الزمان والمكان واختراقهما، كان يحتكم إلى توجه ينهض على الخيال والتعالي على الواقع، وحينما كان ديستوفسكي يقارب المساحات المظلمة في داخل الإنسان كان يبحث عن قيم ما، وعن تلك الفراغات التي تملأ دواخله، وهذا ينطبق على كافكا وديكنز ونجيب محفوظ، كما هي الفنون والإشكالية الجدلية بين الواقع والطبيعة، ومبدأ المحاكاة، كما الأثر الانطباعي، والقيم الشعورية، كما الاختزال والتكثيف، وتبديد القيم الزائدة في العالم المحيط بنا، غير أن كافة هذه التصورات أمست ضرباً من الترف العقلي، والشعوري لعالم بات محكوماً بمبدأ تجميع أكبر قدر من المبادئ المادية والسلطة، ولعــــل هذا ما يبرره هذا الشغف الكوني بتجميـــع البوكيمون، والجثث، حيث الأولى تعني ارتهاننا لمبدأ الاستحواذ الافتراضي، ولو لصالح قيم غير واقعية، والثانية القضاء على المنافس، وهذا نهج من التربية الجديدة للعقــــل البشري كي يبقــــى منشـــغلاً بالرغبة في الامتلاك والمزيد من الاستهلاك، في حين تكون الجثث نتيجة لعالم تسوده الكراهية للآخر، ورفض المعنى الإنساني، وهذا يتعزز يوما بعد يوم في انحسار الأدب والفنون عامة.

٭ كاتب فلسطيني أردني

الأدب والمفاهيم الجديدة في المجتمع الرقمي

رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية