تركيا… وحقوق الانقلابيين المهدورة

حجم الخط
7

في 27 مايو 1960 نفذ الجيش التركي انقلاباً على رئيس الوزراء عدنان مندريس، وتم إعدامه مع اثنين من وزرائه بعد محاكمة صورية بتهمة تهديد النظام العلماني في البلاد، بعد أن أعاد الرجل الأذان باللغة العربية لأول مرة في تاريخ الدولة التركية الحديثة.
حينها نجح الجيش في الإطاحة بنظام الحكم الديمقراطي المنتخب وتولى جنرال عسكري إدارة البلاد، فاعتقل الجيش أكثر من 60 ألف شخص، وطرد أكثر من 1400 معلم من كبار أساتذة الجامعات والمعاهد العلمية الكبرى، كما أعفى أكثر من 500 قـــاض وثلاث آلاف ضابط من مناصبهم، وأحال الى التقاعد 235 جنرالاً وقائداً عسكرياً.
في انقلاب عام 1960 سقط عدد كبير من القتلى أيضاً، إلى جانب المحاكمات الصورية التي انتهت بإعدامات جماعية، فضلاً عن انتهاكات لا حصر لها لحقوق الإنسان، كان أولها انتهاك حق الانسان بالعيش في ظل نظام ديمقراطي منتخب بحرية وعبر صناديق الاقتراع. مع محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا التي كادت أن تطيح بحكم حزب العدالة والتنمية، فإن السؤال الأصح هو ما مصير حقوق الانسان في البلاد لو نجح الانقلابيون في السيطرة على الحكم؟ وكم من المدنيين والعسكريين والموظفين العامين سوف يتم إعدامه بمحاكمات صورية؟ هذا فضلا عن أن نزول الجيش الى الشارع لمدة أربع ساعات كلف الأتراك نحو 270 قتيلاً، فكيف به لو تربع على كراسي الحكم لسنوات؟
ينشغل العالم والكثير من منظمات حقوق الإنسان الدولية في الحديث عن حقــــوق الانقلابيين، سواء خلال الاحتجاز أو خلال المحاكمات، وصــــولاً إلى حقهـــم في عدم التعرض لأحكام الإعدام وفقاً للمعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان، وغيرها من المواثيق كالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، رغم أن تكلفة الانقلاب – من الناحية الحقوقية- كانت ستكون أكبر بكثير من تكلفة إفشاله.
في تركيا اليوم أكثر من 16 ألف معتقل على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة، والمؤكد أن هذا العدد كان سيتضاعف عدة مرات لو نجح الانقلاب، وشواهد التاريخ على ذلك كثيرة، أولها انقلاب عام 1960 ضد عدنان مندريس الذي انتهى بمجزرة حقوقية طالت مختلف المستويات في البلاد. (بالمناسبة؛ فانقلاب 1960 كان مدعوماً من الولايات المتحدة، وكان هدفه الأساس عدم السماح لمندريس بالتحالف مع الاتحاد السوفييتي.. حينها لم يكترث الأمريكيون بحقوق الإنسان ولا بغيرها ودعموا العسكر ضد الديمقراطية).
لا خلاف على أن الانقلابيين ـ على سوء ما فعلوا- يجب أن يتمتعوا بحقوق الانسان التي كفلها الدستور التركي، وكفلتها المواثيق والشرائع الدولية والسماوية، ومن بينها أن يتمتعوا بمحاكمات عادلة، لكن المبالغة في التباكي على حقوقهم المهدورة تفتح الكثير من الأسئلة وأولها: لماذا يتباكى العالم على حقوق مجرمي الانقلاب الفاشل ولا يتباكون على حقوق ضحايا الانقلاب الناجح؟
بعبارة أخرى، فإنه يوجد في مصر اليوم أكثر من 42 ألف سجين سياسي، من بينهم صحافيون ومحامون وحقوقيون، إضافة الى آلاف المدنيين الذين يحالون الى محاكمات عسكرية تفتقد الى أدنى معايير المحاكمات العادلة، ومع ذلك كله فلا أحد يبكي على هؤلاء أو يتباكى عليهم أو ينتقد واقعهم المأساوي أو يتذكر حقوق الانسان التي يجب أن يتمتعوا بها! خلال ثلاث سنوات فقط شهدت مصر تشييد 11 سجناً جديداً لاستيعاب آلاف المعتقلين المكدسين، الذين يبدو واضحاً أن إقامتهم ستطول، وإلا لما تم بناء كل هذا العدد من السجون. كما أن عدد السجون في مصر بات أكثر من عدد الجامعات، بل أكثر من ضعف عدد الجامعات، وتبعاً لذلك فإن خريجي هذه السجون أكثر من خريجي الجامعات (يوجد في مصر حالياً 40 سجناً و382 مركز احتجاز، بينما توجد 22 جامعة فقط).
بالعودة للحديث عن حقوق الانقلابيين المهدورة في تركيا فإن الالتفات الى حقوق شخص نزل الى الشارع شاهراً سلاحه لقتل المدنيين الأبرياء لا يبدو أولى أو أجدر بالرعاية من حقوق صحافي معتقل أو ناشط حقوقي لم يمارس في حياته سوى الكلام، أو مدني أعزل موقوف من دون محاكمة.. شتان بين هذا وذاك، وإن كان لكل منهما حقوق يجبُ احترامُها.

٭ كاتب فلسطيني

تركيا… وحقوق الانقلابيين المهدورة

محمد عايش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية