1 / من المفارقات البليغة في المغرب الحديث، وأفهم الحديث كراهن، أن التفكير في المثقف يرتبط بظاهرة الحاجة. هذه تبرز كلما تعلق الأمر بإشكال سياسي أو اجتماعي، وقل إن كان ثقافيا خالصا. وبانتفائه، ينتهي التفكير في شخصية المثقف، بذلك لا يعد الأخير مساهما فعليا في بناء النماء والتقدم، وإنما نلفيه متروكا للهامش، تماما كالشأن الثقافي. إنه جزء من بنية تعد في (التصور) السياسي غير منتجة، إذ المثقف في ضوء هذه الصيغة أشبه بالبضاعة الكاسدة التي لا موقع لها في العجلة الاقتصادية، ومن ثم فموقعه في وضعية الثابت، إلى أن تبرز ظاهرة الحاجة.
على أن ما لا يستساغ في المغرب الحديث، عدم قبول التلقي السياسي لما يباينه ويختلف في التوجه، فإذا حدث أن أبدى المثقف رأيا نقديا بخصوص موقف أو مبادرة، يجابه كرافض وليس كمشارك في ما يهم الجميع ويطبق، علما بأن شخصية المثقف، هي شخصية الكائن الذي يمكن أن يصيب ويخطئ.
من خلال السابق يتضح أن حرية المثقف شبه منزوعة، إذ متى دعت ظاهرة الحاجة، فهو مدعو لإبداء الرأي.. وبغيابها لا يحق التعبيرالنقدي المغاير والمخالف، بذلك فإن ظاهرة الحاجة هي في الجوهر ظاهرة الموافقة وليس المشاركة بالرأي والحوار والنقاش، من ثم أثير موضوع المثقف والصمت.
2 / إن المثقف يفعل، يتفاعل حضورا واسما علما رمزيا انطلاقا من حركية الكتابة والإبداع. هذه بمثابة اختيار وتجسيد لكفاءة وتميز. واللافت أن هذه الحركية تعلن عن ذاتها في صيغة من الصيغ قصد التداول والترويج. وهنا بالذات يكسر المثقف ما يؤاخذ عليه كصمت. إلا أن التلقي السلبي والجهل المركب يتغاضى عن الصيغة إن لم أقل لا يواكبها كمطلوب وتكسير لوهم الصمت، ليبقى المثقف في»عرف» أسماء نكرة، كائنا غير قادر على مواجهة ومجابهة أسئلة الراهن مهما كانت درجة قوتها، علما بأن إبداء الرأي والإعراب عن موقف، يقتضي من المثقف بالذات اتخاذ مسافة زمنية للتأمل السياسي في طبيعة الوقائع والمستجدات. فمن يتخذ الموقف في آنه، لحظته، السياسي مادام المطلوب كذلك. على أن يشرك في العملية المستشارين المحيطين به، وإلا فهو مدعو لتعديل ومراجعة ما أقدم على اتخاذه، وهي مبادرة السياسي الغربي بامتياز، وليس العربي الذي يتمسك بالموقف الخاطئ في الزمن الخطأ.
3 / على أن ما يجدر لفت النظر إليه، كون شخصية المثقف في المغرب الحديث ارتبطت بالتوجه اليساري في التفكير، سواء انتمى المثقف لحزب في تعاقد بمثابة التزام، أم كان متعاطفا فقط. والأصل أن التوجه اليساري يتأسس على عقلانية التفكير وحداثته على مستوى الإبدال والتغيير، بعيدا عن السقوط في الأيديولوجية الرخيصة، والذاتوية المريضة التي تحرف التوجه اليساري عن مساره. ثم يحارب سياسيو اليسار مثقفيه، علما كما سلف أن رافعة الأحزاب اليسارية تتمثل في الثقافة والتربية. وأرى إلى أن من مآزق الإخفاق اليساري سياسيا في المغرب بالضبط، إقصاء المثقف وعزله، إلى القضاء على الآليات الثقافية والإعلامية بما هي مجلات وجرائد تفعل بقوة رمزيتها. وبذلك أصبح الرأي والموقف المتعلق بالشأن المحلي والخصوصية المغربية، يصدر خارج الفضاء المغربي، وهي محنة مضاعفة تضاف إلى ظاهرة الحاجة وتهمة الصمت.
4 / إن الحاجة إلى شخصية المثقف تظل قائمة، مادامت الثقافة حصيلة معارف وأفكار تدعو إلى إبداء الرأي والتفكير والتأويل على السواء. ومن ثم فإن التكفير في التطوير الفعلي لما هو ثقافي يتأسس على التغيير المرتبط بحقل التعليم أساسا، إذ ومهما تأتى التفكير في ترتيب إصلاح فاعل ومنتج لواقع تربوي اتضح ويتضح، كونه يعاني من انكسارات ومزالق في حاجة إلى التقويم الفعلي والإصلاح العميق وليس الآني الظرفي.. فالنهضة الثقافية الحقة تبدأ من التربوي وليس من خارجه كما يعتقد ويظن، مادام التكامل حاصلا بين الحقلين: التربوي والثقافي.
5 / إن التفكير في المثقف كأثر، رمزا وموقفا، لا يمكن تمثله في غياب قوة استحضار التعبير الصادر عنه على مستوى المناهج الدراسية والتربوية، بغاية تجسير علاقات التلقي على تباين واختلاف المستويات، إذ لا يعقل أن تظل الثقافة المغربية كنص، خارج التداول والمعرفة بالاستناد لمبررات واهية كالملاءمة والغموض والبعد النقدي، إذ المطلوب من تدريسية الأدب والفكر عموما الإيصال والتقريب. إيصال المعاني بالقراءة، الفهم والتأويل. أما التقريب فيتحقق باعتماد المقارنة، وإشراك الآخر نوعية تفكيره ومواقفه.
على أن ما يجدر وعيه، أن المثقف بحضوره الرمزي، يعد مصلحا، إذ أن ما يراه ويعاينه من مفاسد واختلالات ينزع إلى درئها، وهنا يبرز وازع الضمير وسؤال الأخلاق. والأصل أن سيادة التقليد والمحافظة تكريس للثابت، فيما سؤال الخلخلة والانتقاد تحقيق للتغيير. هذا الذي يظل مرفوضا كجديد وتجديد، وهو ما أفسح لهيمنة التقليد وعناصره. وإلا فما الداعي لإقصاء وتغييب نصوص فكرية لعبد الله العروي، محمد عابد الجابري وعلي أومليل وعبد السلام بعبد العالي. وهنا لا بد من الإشارة إلى كون من يسهم في/وعلى اختيار ما يدرس يظل في حاجة إلى تكوين ثقافي، وهو وجه من وجوه محنة المثقف في المغرب الحديث. فالعديد من المؤطرين القدامى والحديثي التخرج، في أمس الحاجة للتأطير التربوي والفكري.
6 / إن المثقف وهو يفكر ويبدع، لا يمكنه الوجود خارج اللحظة ببعديها السياسي والاجتماعي. ذلك لأنه لا ينتج من فراغ، مثلما لا يعبر عن واقع غير واقعه، علما بأن حصيلة من الوقائع والقضايا، تمثل مشتركا بين العديد من البلدان العربية ليس اليوم وحسب، وإنما على امتداد التاريخ. ومن ثم فكل كتابة يجدر قراءتها كتفاعل، مع اللحظتين السابقتين حتى إن لم يتحقق، فإن التأويل وحده يزج بالتفكير والإبداع في خضم السياسي والاجتماعي. وإلا فكيف نفهم الانتقادات الراهنة التي توجه للكتابة كما للإبداع، من منطلق كونه غفل عن إيلاء ظاهرة الربيع العربي المستحق من التعامل. لكن تفكير العامة والمهتمين ليس هو بالذات تفكير المثقف كمفكر ومبدع، إذ أن إلزامية اللحظة تفرض التريث وليس الاستباق. فالاستباق شأن سياسي له إيجابياته ومضاعفاته، ولكن بالنسبة للمثقف فإن الرهان يقع على المسافة المتخذة بين الحدث كواقع والنص ككتابة.
وإلا فمن كان سيتكهن بما انتهت إليه المتغيرات في أكثر من بلد عربي من تلك التي طالها الربيع العربي، وكأني بها لم تبرح المربع الذي قاومته ذات زمن. ولذلك فإن من محن المثقف العربي ككل، أنه يحاسب على ما فكر فيه وما أبدعه، لكن السياسي لا أحد ينازعه القول في سقطاته التي ينتهي إليها.
لذلك، فالمثقف وهو يتفاعل واللحظتين، إنما يتمتع بحرية إبداء الرأي والقول متى ما توافرت شروطها، وليس من منطلق إجبار طرف ما على حشره في دائرة من دوائر التكريس. إن المثقف يمتلك وعيه السياسي والاجتماعي ولا يمكنه التنازل عنه.
7 / إن الضرورة اليوم، تفرض علينا العمل على النهوض بثقافة المشاركة، وهي ثقافة تقتضي استدعاء المثقف لميدان الفعل وليس إقصاءه إلى لحظة الحاجة كما سبق القول. إذ وباعتماد مشاركته يتحقق التنوع في الرأي كما الحق في تأكيد قوة الحضور التي تظل غائبة بمبررات كالصمت والهامش، علما بأن المثقف يتابع مجريات الحياة الاجتماعية والثقافية، في حين أن «نخبة» السياسة لا تقرأ هذا المثقف إلا في النادر، وفي سياق تلبية حاجاتها الخاصة والشخصية.
٭ كاتب مغربي
صدوق نورالدين