مقهى فرانكفورت

حجم الخط
0

أكتب لكم هذه المرة من على مقعد في ناصية مقهى بمدينة فرانكفورت.. هذه المدينة التي تجمع بين العديد من المتناقضات.. القسوة والألفة، الصخب والهدوء، مزيج فريد لا تجده سوى في المدن العظيمة بطبيعتها، وفرانكفورت في مقدمتها.
الجو ماطر وبارد على غير عادته في مثل هذا الوقت من العام.. والمقهى مزدحم برواده، والنادل ينشط ليلبّي طلبات مرتادي المقهى من مختلف الفئات والأجناس واللغات.
ومن مكاني في زاوية المقهى، أمارس طقسي في مطالعة وقراءة ألوان الطيف من الناس والمارة، وبين الفينة والأخرى أرشف من فنجان ‘الأسبرسو’ بمتعة خالصة، متعة لا يفوقها إلا التأمل في الصورة المتكاملة أمامي، والتي تتشكل لوحتها البديعة من السياح وهم يعبرون مسرعين أو متأنين، فالسائح الياباني وافتتانه بتخليد اللحظة عبر زووم كاميراته، والسياح الصينيون والذين ينتظمون في جماعات يتقدمهم دليل يحمل علماً يميّزهم، أمّا السياح العرب فهم عادة ما ينؤون بحمل أكياس التسوّق، فيما تتقافز نظرات السائح الأمريكي، وتتقطع أنفاسه بحثاً عن ‘بيرغركنغ’ ومطاعم الفاست فود وكأنّه سينقرض من غيرها!!
أغوص في المشهد رويداً رويداً، مع تزايد هطول المطر، واستغراقي أحياناً في صحيفة ‘القدس العربي’، تأخذني تجليات عبد الباري عطوان بمقالاته الجريئة وعباراته الصادمة، التي تستدعي التأمل في المشهد السياسي العربي بأفكار ‘من خارج الصندوق’.
المقهى يعج بالروّاد، ليس هو فحسب، بل حتى الفنادق هنا محجوزة ومن الصعوبة أن تحصل على غرفة.. وأكاد لا أرى شيئاً هنا من ملامح الأزمة المالية التي ضربت أوروبا والعالم الغربي ككل، فالأزمة لم تمر من هنا، حيث تتمتع ألمانيا باقتصاد قوي بخلاف دول القارة العجوز التي وقعت في براثن الأزمة، ومنها اليونان والبرتغال اللتين لم تكونا مهيأتين للدخول في الاتحاد الأوروبي، وها هي ألمانيا وباقتصادها القوي تحاول رمي طوق النجاة للدول المتعثّرة في منظومة العقد الأوروبي المثخن بجراح الديون والأزمات.. بتأثير عوامل عديدة، لعلّ من بينها ظهور قوى اقتصادية جديدة مثل كوريا وتايوان والصين والبرازيل، والتي كسبت رهان المنافسة ضد العديد في عدد من المجالات.
ورغم ذلك، إلا أنّ الحديث عن انهيار الحضارة الغربيّة، يبدو أنه سابق لأوانه كثيراً، فشمسهم لازالت ساطعة. وإن كانت الأزمة قد اقتاتت كثيراً على رفاه بعض دول القارة، بل وصدّرت ذيول الأزمة إلى الخارج.
إيقاع المطر، يحكم سرعة حركة المارة على الرصيف، وكلما خفّ هطوله، تتثاقل الخطى للاستمتاع وترقب الشمس من خلف الغيوم.
مقابل المقهى، حيث اجلس، لوحة إعلانية كبيرة حول الاحتفالات بالذكرى المئوية الثانية لولادة الفنان والموسيقار ريتشارد فاغنر، وهو من الشخصيّات المثيرة للجدل، فقد كان مشاكساً للثقافة السائدة، وعّرف في بداية حياته بأفكاره الثورية والتمرّد على النظام العام، وتنقله من مدينة إلى أخرى. وله العديد من الكتابات في الموسيقى والفن والفلسفة إضافة إلى التأليف الموسيقي وخاصة في الأوبرا. وقد كان لفترة صديقاً للفيلسوف نيتشه حتى اختلفا وأصبحا أعداء لاحقاً، وقد ساهم فاغنر في تعزيز الشعور القومي الألماني، وعُرف بكراهيّته لليهود؛ الأمر الذي دعا النازية لاحقاً إلى تبني موسيقاه كونها تعبر عن الروح الألمانيّة المتعالية والثقافة الجرمانية الأصيلة.
لقد كان فاغنر فناناً شاملاً.. يكتب الكلمات ويوزع الموسيقى ويقود الأوركسترا، وقد كُتب الكثير عن عبقرية فاغنر وتأثيراته القوية على الأوبرا والموسيقى والفنون الأخرى.
واليوم.. وبعد أكثر من قرن على رحيله، لا زال فاغنر يثير الكثير من النقاش والجدل المقرونين بالإعجاب..
وقد أتاحت دار الأوبرا السلطانية للجمهور العماني التعرّف على أعمال هذا الفنان المبدع من خلال عرض بعض منها؛ مثل أوبرا ‘الهولندي الطائر’..
لم يكن وقتي كلّه مكرساً للمقاهي، بل كان لقاعات الفكر والطرح والنقاش نصيب.. حيث ان الإسلام من المواضيع المطروحة دائماً للنقاش والأخذ والرد في ظل ما يأتي من أخبار تخلق الكثير من ردود الفعل.. لذا فالنظرة للإسلام هنا ليست منصفة، وتتسم في معظمها بالسلبيّة، وعادة ما يعزز الإعلام الغربي الربط بين الإسلام والإرهاب، فأصبحا هنا مترادفين، وتغذي هذه الفكرة المجموعات المتطرفة بأعمالها المسيئة للإسلام؛ وآخرها حادثة لندن، حيث أقدم متطرفان على قتل جندي بساطور في الشارع العام شرق لندن، هذا بالإضافة إلى التغذية اليوميّة التي مصدرها ما يحدث في أفغانستان والعراق وسوريا من قتل وتفجيرات، وكل هذا يستغلّه البعض في محاولة لتكريس ثنائية الإسلام والإرهاب عبر خطط وإستراتيجيات تعكف على تنفيذها مؤسسات كبرى، ويتم عرض هذه الأخبار بطريقة تهدف إلى ترسيخ فكرة الخوف من الإسلام ‘الإسلام فوبيا’ وخاصة بعد انهيار حصون الفكر الشيوعي، لتتخذ من الإسلام العدو الافتراضي والعمل على تصويره وكأنّه المصادم الرئيسي لفكر الحضارة الغربية..
وللأسف فإنّ الجهود المبذولة لتصحيح هذا المفهوم الخاطئ لازالت عاجزة عن مواكبة الماكينة الإعلامية الغربية.. ويجد المرء نفسه هنا في موقع الدفاع، فليس هذا هو الإسلام الذي نعرفه.. الإسلام هو دين المحبة والتسامح والحضارة.
وعادة لا يصل الحوار مع أصدقائي الغربيين إلى نتائج ملموسة على صعيد تصحيح الصورة التي نالتها التشوّهات مما يجري على أرض الواقع.
الإسلام رسالة حضارية، وهنا لابد من إزجاء تحيّة واجبة لجهود معرض ‘التسامح الديني في عمان ‘ الذي يقود عملا تنويرياً وتثقيفياً لعرض الصورة الحضارية للإسلام ورسالته السمحاء، من خلال جهد متصل امتد لسنوات، طاف خلالها المعرض قارات العالم، ووصل إلى بقاع نائية بهدف التعريف برسالة الإسلام الحقة القائمة على التسامح؛ مقدماً السلطنة كنموذج حي على هذا التسامح..
نحن الآن في حاجة إلى فهم أعمق للدين، خاصة في جزئيته المتعلّقة بالسياسة.. وهنا تحضرني الفكرة الألمعيّة لصديقي الدكتور رضوان السيّد في معرض نقده للإسلام السياسي، حيث ما فتئ يردد بثقة: إنّ الدين هو العبادات والعقيدة والأخلاق؛ أمّا الدولة فهي معنيّة بإدارة الشأن العام من منطلق الكفاءة، ولا يجب علينا أن نخلط بين الإثنين، وعلينا أن نحمي الدين من التسييس؛ لأنّ في ذلك الكثير من الإساءة للدين. كما أنّ التسييس يعمل على تجزئة الدين في حين أنّ الهدف هو الجمع والألفة بين أبناء الشعب الواحد، الإسلام السياسي يعمل على تفرقتنا إلى أحزاب وطوائف متصارعة ومتناحرة وكل حزب يعد نفسه صوت الحقيقة المطلقة لاغياً الآخر ويقصيه. ويتابع المفكر رضوان السيّد: ويتأسس على هذا مفهوم المواطنة المسؤولة التي لا تفرق بين مواطنيها بسبب الدين والطائفة والمذهب، بينما الدولة مسؤولة عن إرساء العدالة الاجتماعية والمحافظة على السلم الاجتماعي. الدين مطلق والسياسة نسبيّة.. والدين مقدّس والدولة ممارسة إنسانيّة مفتوحة على كل الاحتمالات. كيف لنا أن نحمل هذه الرسالة الحضاريّة بعيداً عن الشحن العاطفي المدمر، والتأجيج للانقسامات داخل الدين الإسلامي العظيم، لقد قدّم ديننا الإسلامي أجمل الصور في التسامح والتعايش، وقد كانت مجتمعاتنا العربية والإسلاميّة على مدى قرون مركزاً للتعايش الحيوي للطوائف والأديان والإثنيات.
إذن لماذا كل هذا الإصرار على هذه الهويّات العمياء والأحادية الإقصائية.. ولماذا لا نتعلم الدروس من حضارتنا العظيمة وقدرتها على التعايش الخلاق، والتي عاشت عصرها الذهبي في الأندلس والعديد من الحواضر الإسلامية الأخرى؟
ومن النماذج المشرقة للتسامح الإسلامي أنّ اليهود عاشوا في جميع أنحاء عالمنا الإسلامي في سلام؛ بل إنّهم كانوا يلجأون لبلاد العرب والمسلمين، عندما تشتد عليهم وتيرة الاضطهاد في هولندا وإسبانيا والبرتغال، والتاريخ شاهد على ذلك، ورغم هذا السجل الناصع البياض في التسامح، نجد بعض الأوروبيين ممن تلوثت أياديهم بقتل اليهود، يتهمون العرب والمسلمين بمعاداة السامية في كذبة مفضوحة تفندها حقائق التاريخ.. والأصح أننا نحن من ضحايا العداء للسامية، ومن يقرأ التاريخ جيداً يعرف كل ذلك، ويتكشف أنّ الصهيونية نتاج فكر أوروبي كرد فعل على هذه المذابح، والعرب والمسلمون أبرياء من معاداة السامية براءة الذئب من دم يوسف، بل إنّ الفلسطينيين هم ضحايا للصهيونية العالمية اليوم.
ولا ينبغي علينا أن نعجب بهتلر كما يفعل البعض بسذاجة لأنّه كان عنصرياً ويؤمن بتفوق العنصر الآري. فهتلر عمل على تشجيع اليهود للرحيل من أوروبا والاستقرار في فلسطين، والعارفون بخبايا الأمور يدركون أنّ النازية والصهيونية تعاونتا معاً من أجل إنجاز مشروع ترحيل اليهود ودعم استقرارهم في فلسطين بالمال والسلاح.
أجلس وحيداً في زاوية ، ومع تتالي فناجين ‘أسبرسو’ يتعمّق في داخلي فهم فلسفي يعلي من قيمة أن تكون وحيداً، لا يتطلع إليك أحد، ولا يفهم لغتك من يجلس على المقعد المقابل لك في المقهى..
تنصت إلى صوتك الداخلي، وأفكارك الذاتية، وتتفاعل مع مشاعرك لتكون أقرب إلى ‘ذاتك’ بعيداً عن صخب الآخر..
كم هو جميل أحياناً أن تكون لوحدك بعيداً عن ضوضاء الموبايل وطنين ‘الواتس أب ‘ المزعج .. تنتقل عيناك من مشهد إلى آخر، والأجمل هو أنّ تعود بين كل لحظة وأخرى إلى الإنصات إلى همس الذات، الذي يستوحى بعضه من واقع المكان حيث فرانكفورت هذه المدينة التي تعيش تعدداً إثنياً وعرقياً ودينياً، وحضوراً قوياً للعرب والمسلمين؛ خاصة الأتراك الذين يبلغ عددهم في ألمانيا ما يقارب الخمسة ملايين..
وعرفت أوروبا كيف تستفيد من هذه الهجرات وخاصة من فئة الشباب القادرين على العمل لتحقيق النمو في الاقتصاد.. حيث إنّ هؤلاء المهاجرين يساهمون بقوة في الاقتصاد الألماني وخاصة في الأعمال الصعبة.
نعم هناك تحديات تواجهها هذه الأقليّات كالفقر والتمييز، ولكنّها تعيش مشكلة أكبر في الجيل الثاني والثالث مرتبطة بالهوية الثقافية.
ومما يلفت النظر، هذا الاهتمام الألماني الكبير بتطوير الطاقة المتجددة؛ وخاصة طاقة الرياح والطاقة الشمسية.. فهم متقدمون في هذا المجال على الرغم من أنّ الشمس لا تشرق في سمائهم إلا قليلاً.
وهذه النقطة ينبغي أن تكون إحدى النقاط المشتركة بيننا وبينهم، فنحن نملك الشمس الساطعة على مدار العام، وهم يملكون التكنولوجيا والتقنية لاستخلاص طاقتها. ويمكن التركيز على هذه الجزئية في تعميق الشراكات المطروحة بيننا والألمان في خطط الاستثمار القادمة.
وثمة نقطة أخرى جديرة بالتوقف عندها، وهي أنّ الجامعات ومؤسسات التعليم العالي الألمانية تمتاز بدرجة عالية من الجودة الأكاديمية والبحثية، إضافة إلى توفر الدراسات العليا باللغة الإنجليزية، وهذا أيضاً مجال قابل لأن نطور علاقاتنا معهم فيه.. فيمكن النظر في تعزيز تواجد الدارسين العمانيين في السنوات القادمة في ألمانيا لتعزيز قدراتهم العلمية واكتساب مهارات أكثر.
وأنا في مقعدي ذاك على ناصية المقهى؛ تداعت إلى خاطري ذكريات صديقين ألمانيين قديمين، جمعتني بهما صداقة في رحاب جامعة كولومبيا بنيويورك في خريف بعيد.. وتعلّمت منهما الكثير عن بيتهوفن، والروح الألمانية، وتوماس مان، والموت في فينيسيا، ومدرسة فرانكفورت للفكر النقدي، وفرّقت بيننا السنون، وانقطع التواصل معهما منذ أكثر من عشرين عاماً..
نعم تذكرت أولريش شونهرر وكريستين ماير، ورغم علمي أنّهما يعيشان في مدينة فرانكفورت، لكنّي أقرّ بالتقصير في عدم البحث عنهما، والسعي إليهما حيث يسكنان، ولكن لم أحرم نفسي متعة التفرّس في الوجوه متأملاً أن يطل عليّ أحدهما من خلف الرصيف المقابل للمقهى.. إلا أنّ الحظ لم يسعفني بتكملة المشهد..
توقف المطر فجأة.. والشمعة أمامي تذوي وتحترق إلى ما لا نهاية.
أرتشف فنجاني الأخير من ‘ الأسبريسو’، وكنت آمل أن يكون الأول، لكن ها هو الليل يداهمني ليذكرني بالرحيل.. وأنّ عليّ أن أرحل وحيداً في الظلمة متدثراً بإشراقات الماضي.. ومترعاً بحلم الغد الجميل المملؤ أملاً في أن نفتح نافذة للحوار الحضاري.. وأن نعيش جميعاً في عالم لا يعرف العنف ولا يعترف بالاقصاء.
(*) رئيس تحرير جريدة ‘الرؤية’ العمانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية