محمد خان… حكّاء التفاصيل الصغيرة في السينما المصرية

حجم الخط
0

القاهرة- «القدس العربي» من هدى عمران: استيقظنا اليوم على خبر حزين برحيل المخرج المصري محمد خان إثر أزمة قلبية مفاجئة عن عمر يقترب من الـ73 عاما.
خان يعتبر واحدًا من أهم صناع السينما في تاريخ السينما المصرية ككل، والقصة المعروفة أن خان ولد لأب باكستاني وأم مصرية، لذلك يريد البعض اعتباره مخرجا باكستانيا وهي نكتة مُرّة كان سيضحك عليها خان نفسه ويستنكرها. والأهم من ذلك أن خان من أهم المخرجين الذين اهتموا بتقديم خصوصية المواطن المصري في أفلامه. وكان معتزا باللغة المصرية العامية حتى أنه اختار لمدونته الشخصية اسم «كليفتي» وهي لفظة تستخدم في العامية المصرية ومشتقة من اليونانية وتم استخدامها من أيام مصر الكوزموبوليتانية بمعنى «الشخص الفهلوي أو النصاب».
خصص خان مدونته الشخصية عن حياته مع الأفلام وذكرياته مع أعماله ومع مساعديه وأطقم أعماله. فقد خصص تدوينة لمونتيرة أفلامه الأولى نادية شكري، وأخرى لمساعدي إخراجه، وأخرى عن الحكايات الصغيرة التي كانت نواة لصناعة أفلامه.
يحكي خان رحلته مع السينما التي بدأت في سنّ السابعة أو الثامنة حينما كان يسكن أرض شريف التي تقع في وسط القاهرة إلى جانب العتبة في جوار سينما كرانك وسينما برادي، واحدة كان يرى منها صورة الفيلم والأخرى يسمع شريط الصوت، ويقول إنه في الخمسينيات، وفي كل يوم اثنين كان هناك موعد مع فيلمين جديدين، أيّ أربع دفعات من الأفلام في الشهر الواحد، إلى جانب الأفلام التي شاهدها خارج موسم السينما الصيفي، بمعدل 4 أو 5 أفلام كحد أدنى أسبوعياً.
ويحكي خان أنه شاهدعلى الأقل عشرة آلاف فيلم، ويقول إنه قبل سفره إلى لندن للدراسة، وهو في السابعة عشرة من عمره كان لديه كشكول يلصق فيه أفيشات الأفلام، وكان يشاركه هذه الهواية صديق طفولته مدير التصوير سعيد شيمي، ويضيف أن هذه الهواية استمرت حتى أواخر السبعينيات في لندن، وأن عدد الأفلام المرقمة في كشاكيله وصلت الى 5000 فيلم قبل عودته من لندن عام 1977، ويقول إنه كان يشاهد كل الأفلام الجيدة والسيئة، لكن هذه الكشاكيل ضاعت ومعها ألبومات صور وكتب وصور عائلية قديمة له ولابنه وأسرته، بسبب مشكلة مع شركة الشحن، ما سبب له اكتئابًا لفترة طويلة، ويصف خان هذه الأزمة بالكارثة التي أثرت فيه لدرجة جعلته يتوقف عن التصوير الفوتوغرافي لمدة كبيرة، ويقول لقد كانت مأساة لكنها علمتني أن ملكية الأشياء قابلة للزوال زي كل شيء وأن الاستمرارية هي الأهم.
سافر خان إلى لندن لدراسة الهندسة، لكنه حاول دراسة السينما وكان وجوده في لندن كما يصفه مؤثرا من حيث الانفتاح على كل المدارس السينمائية، لكنه في مرحلة ما من حياته يئس من أمل في صناعة فيلم ففتح محلا لبيع «الجينز»، إلى أن جاءت له المونتيرة نادية شكري التي حدقت في السقف المغطى بأفيشات الأفلام والرفوف المكدسة بكتب الأفلام فقالت له «أنت بتعمل أيه هنا؟»، يقول خان إن نادية أعطته أملا فتمكن بعدها بشهور من بيع المحل والرجوع إلى مصر بفكرة فيلم «ضربة شمس» ليتم إنتاجه من خلال نادية شكري والمصور سعيد شيمي، لكن الممثل نور الشريف عرض أن يتم إنتاجه عن طريق شركته، وبالفعل هذا ما حدث وكان من بطولة نور أيضا.
قبل «ضربة شمس» عمل خان مساعد مخرج في لبنان، في أربعة أعمال هي: «الليالى الحلوة» ـ اخراج جمال فارس، «الرهينة» ـ إخراج يوسف معلوف، «إنتربول في بيروت» ـ إخراج كوستانوف، «مغامرات فلفلة» ـ إخراج فاروق عجرمة.
ويحكي خان أن منير بطش كان المساعد الأول في كل من «الليالي الحلوة» و«الرهينة»، وبطش من جيل المساعدين المحترفين فى مصر، هاجر إلى لبنان في الستينيات وقد حدث بينهما صدام بسبب اهتمام يوسف معلوف بآراء خان. هذه التجارب جعلت خان يهتم بمساعديه وبناء علاقة معهم تقوم على المشاركة والتعلم وقد تخرج من مدرسة خان الكثير من المخرجين المصريين المعروفين مثل شريف عرفة، مجدي أحمد علي، سعيد حامد وغيرهم الكثير.
حينما يتكلم خان عن السينما التي أثرت فيه أكثر من غيرها يذكر السينما الإيطالية الذي يقول عنها إن لها عنده مكانة خاصة جدا، حيث أن أعمال أنطونيوني أشعلت داخله لهيب الإخراج، كما أن فيلليني ودى سيكا وبولونيني وجيرمي في الستينيات بالذات حركوا مشاعره وعملوا على تكوينه، ويذكر خان لفيلليني ثلاثة أفلام مفضلة لديه هي i vitelloni 1953 ، La Notte de Cabiria 1957، La Dolce Vita 1960 . وفي قائمة أفلامه المفضلة تأتي أسماء كل من المخرج الياباني أكيرا كوروساوا والسويدي أنجمار برغمان وجودارد وفيليني وبونويل وكيزلوسكي وتروفو ثم آلان رينيه وألماندوفار ودي سيكا.
أخرج خان للسينما حوالي 32 فيلما 18 منها من كتابته، من أهم أفلامه «ضربة شمس» 1978، «طائر على الطريق»، «خرج ولم يعد»، «أحلام هند وكاميليا» و«زوجة رجل مهم»، وهذا الأخير يعتبره بعض النقاد من أهم 10 أفلام في السينما العربية.
لو حاولنا وصف أسلوب خان الإخراجي سيكون الوصف الأقرب اليّ هو «حكّاء التفاصيل الصغيرة»، خان يكاد يكون متخلصا من أدلجة أفلامه غارقًا في تفاصيل الأماكن والأزمنة، مركزا بشكل أساسي على الأفراد صانعا شخوصا من لحم ودم ، فلا ننسى أبدا فارس الذي جسده عادل إمام في فيلم «الحريف»، أو شمس «نور الشريف « في «ضربة شمس»، أو أحمد زكي في زوجة رجل مهم، أو يحيى الفخراني في «خرج ولم يعد» أو نجلاء فتحي في فيلم «أحلام هند وكاميليا»، حيث يصطبغ الممثل أيًا كانت موهبته بملمح خاني أصيل.
حصلت أفلام خان على العديد من الجوائز منها، عن فيلم «طائر على الطريق»: جائزة لجنة التحكيم في مهرجان القارات الثلاث (نانت) فرنسا 1981، جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان جمعية الفيلم 1982، جائزة التقدير الذهبية من الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما 1981، الجائزة الأولى في ليالي الإسكندرية السينمائية 1981، وعن فيلم «خرج ولم يعد»: جائزة التانيت الفضي وجائزة أفضل ممثل يحيى الفخراني في مهرجان قرطاج الدولي 1984، وشارك في مهرجانات ستراسبورغ في فرنسا 1985، ومهرجان السينما العربية في باريس 1985، ومهرجان فالنسيا لدول البحر المتوسط في إسبانيا 1985، وعن فيلم «زوجة رجل مهم»: جائزة السيف الفضي وجائزة أفضل ممثل أحمد زكي وجائزة النادي السينمائي الطلابي في مهرجان دمشق الدولي 1987، شارك كفيلم افتتاح وداخل المسابقة في مهرجان موسكو الدولي 1987، عرض في سوق مهرجان كان الدولي 1987، شارك في مهرجان ستراسبورغ في فرنسا 1987، ومهرجان فالنسيا لدول البحر المتوسط في إسبانيا 1987، ومهرجان مونتريال في كندا 1987، عرض على هامش المسابقة الرسمية في مهرجان القارات الثلاث (نانت) فرنسا 1987، ومهرجان القاهرة الدولي 1987. كما أن فيلم «أحلام هند وكاميليا» حصل على جائزة أفضل ممثلة نجلاء فتحي في مهرجان طشقند الدولي في الاتحاد السوفييتي 1988، شارك في مهرجان فالنسيا لدول البحر المتوسط في إسبانيا 1988.

محمد خان… حكّاء التفاصيل الصغيرة في السينما المصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية