اجرى الحوار حسين الجفال: عبدالرزاق الربيعي؛ شاهد على ما تبقى وقابض على الحياة بكلتا يديه، فمنذ (إلحاقا بالموت السابق) ديوانه الصادر ببغداد عام 1987م حتى ديوان (خذ الحكمة من سيدوري)، تمرن الربيعي على الغياب والحضور ليؤكد أن الوطن ليس مكانا لنغادره أو نعود إليه بالمفهوم القاصر، لذلك حمله الربيعي معه في قلبه وكلما استوطن ناحية راح العراق يضج في دمه لتنحاز أوردة الربيعي له، شاخ العراق ولم يتعب بعد رغم الويلات وخذلان ذوي القربى التي مرت به، مازال الشعراء العراقيون يرونه مثل ألف الله الخالدة، عظيما مهيبا كالفراتين، ليس قابلا للموت أو الانكسار، في هذا الحوار يستمع الربيعي لوصايا – صاحبة الحانة- ويمضي للحياة التي اختارها..
*بين إيقاع الرمل والمتقارب رحت تحث الخطى ثم تفتح النص على مداه الأرحب نثرا؛ رموز كثيرة استخدمتها في ديوانك هذا حد الاكتظاظ، أما زال الربيعي يهرب للرمز في عصر مفتوح وكبير؟
*استعانة الشاعر الحديث بالرمز ليس ‘هروبا’ بل هو إجراء فنّي، ضروري للارتفاع به جماليّا ودلاليّا، فاستخدام أي شاعر للرمز في تأثيث نصه، لا يعني انه يضع على رأس المعنى طاقية إخفاء، بل لإغنائه وإثرائه وشحنه بطاقة تعبيريّة بهدف تنشيط الفعّاليّة الذهنيّة للمتلقي، وولوج عتبة العالم الكامن خلف الواقع للتعبير عن التجربة بصدق من خلال الرجوع إلى التاريخ والأساطير واستقاء هذه الرموز من منهلها العذب ،ومحاولة صياغة رموز شخصيّة قادرة على محاورة الذات والتفاعل مع التجربة، هذه الرموز سرعان ما تلفظ أنفاسها إن لم ينفخ فيها الشاعر شيئا من روحه ،الرمز يمنح عمرا أطول للنص، وعمقا لا بدّ منه لضمان ديمومته وصموده وهو يقف في مواجهة أعاصير التسطيح التي من شأنها أن تلقيه في سلّة العادي واليومي.
*هناك ‘منولوج درامي’ واضح للبطل ورحلة المنافي؛ هل تكتب في حضور ذهني للمسرح داخلك؟
*الدراما عنصر أساسي ،برأيي، من عناصر الإبداع الشعري، لمنح بنيان النص متانة، وبدون هذه المتانة التي تشكّل رافعة دراميّة، لن يذهب الشعر بعيدا في أفق المغامرة بل يكتفي بالرفرفة مستعينا بأجنحة رخوة، لكنّ هذا لا يعني انّني حين أنوي كتابة نص شعري أضع كلماتي على خشبة مسرح، فالعمليّة ليست قسريّة، ان ّ النص ،لحظة الكتابة، يتشكّل على الورق كما يشاء،لكن قراءاتي للمسرح ومشاهداتي المستمرة تفرض حضوره البهيّ في حدائق النص الذي أكتبه.
* إلى أين أخذتك ‘سيدوري’ يا عبدالرزاق؟ أإلى النهاية الحتمية، أم أنك مثل جلجامش مازلت تحلم بخلود ما؟
*أخذتني ‘سيدوري’، وهي صاحبة الحانة في ‘ملحمة جلجامش’ التي نصحت ‘جلجامش’ بالرجوع إلى بلده، بعد أن سرقت الأفعى منه عشبة الخلود، إلى القصيدة، حيث وجدت بها حتميّتي النهائيّة، فهي المبتدأ والمنتهى، وهي المرفأ الأخير، الذي أجد به أسرار وجودي، بعد أن فشلت سيدوري – في إرجاعي إلى المكان الأوّل، بما تمتلكه من حكمة قذفتها بوجه جدّنا الكبير جلجامش، ذات لحظة خائبة، ثم سكبتها في كأسه المليء بمرارة الفشل ،لكن ّ الأيّام نطقت بلسان الوقائع، فعاد أدراجه في رحلة المجهول بعد أن أضاع الإثنين: حلمه والمكان الأول ،لذا لم تبق لنا سوى القصيدة، نتعلّق في أهدابها، وتتعلّق في أوراقنا .
*(إرجع إليّ) صدى لخيباتنا المتوالية؛ ترى لماذا لا نرجع نحن المثقلين
بالتعب للشجرة الأولى وفيّها؟
*الرجوع إلى لحظة الانطلاق الأولى فكرة رومانسية تنطوي على وهم كبير، فالأشياء
في حالة تغيّر مستمر حسب مقولة هيراقليطس الخالدة في قانون التغيّر والتبدّل
‘إنّك لا تنزل في النهر الواحد الجاري مرّتين فهناك مياه جديدة تسير به باستمرار’ وحتى لو عدنا فإنّنا نعود إلى أمكنة لا نجد بها موطىء قدم، فالشجرة الأولى شاخت، واصفرّت معها أوراق أحلامنا.
* قاطع المثقفون العراقيون بالداخل فعاليات بغداد عاصمة الثقافة العربية، وشارك عرب خليجيون محسوبون على طائفة بعينها، كيف يقرأ الربيعي حدثا كهذا في بلاده؟
*إذا كنت تقصد عدم حضور عدد من المثقّفين العرب حفل افتتاح فعاليّات بغداد عاصمة الثقافة العربية، فهذه ليست مقاطعة بل اعتذار، مقبول، بسبب القلق من الوضع الأمني المضطرب، ولا يمكن توجيه اللوم ، في هذا، على أحد، أما من ناحية المثقفين العراقيين فمن خلال متابعاتي لم تحصل مثل هذه المقاطعة، لقد حدثت مقاطعة من الشعراء العراقيين خلال إقامة مهرجان بغداد الشعري الذي أقيم في ديسمبر 2012م، وهناك ملاحظات لدى المثقّفين العراقيين على أداء وزارة الثقافة العراقيّة في برنامج (بغداد عاصمة الثقافة العربية) وسواه من البرامج، وهي ظاهرة صحيّة تدلّ على وجود مساحة للاختلاف يمكن ردمها من خلال إصلاح الخلل وتقريب وجهات النظر .
*تقول في نص (تجاعيد على وجه الوطن) : سألت المعلم: متى ولد وطني؟ قال :
لست أذكر بالضبط / ربما أكثر من ثمانية آلاف عام لست أفهم / انظر إلى خرائب بابل / انها ليست تجاعيد / على وجه الوطن…). هل شاخ وطنك وأهله يا عبدالرزاق؟
*شيخوخة الأوطان نعمة، تعطينا الأمل في لحظات اليأس، فالعمق الحضاري مرتكز ضروري في لحظة النهوض، إنّها تختلف عن شيخوخة الإنسان والكائنات، فهي تضفي وقارا وعمقا حضاريّا، والنص الذي ذكرت كتبته في الأيّام الأولى من الاحتلال الأمريكي من خلال حوار بين معلّم التاريخ وتلميذ يتساءل عن أمريكا التي ‘ولدت بالأمس وهي تمارس نزق الطفولة مع شيخ جليل كوطني ‘ وصولا إلى نتيجة أنّ ‘الامريكان خرف تصاب به الاوطان؟’كنت خلالها أبحث عن تفسير،من خلال السخرية، لما حصل في العراق بعد 2003 م والتي لا تزال آثاره مستمرة إلى اليوم.
*تؤشر بوجع كبير على فجائع وطنك العراق، كأنك تلعن رائحة الدم والسيارات المفخخة وتحتج على غياب المثقف العراقي وحصاره ومنعه من الدخول لدول عربية بعينها، وكأن العراقي الذي أخذ حصته من القتل أرادت أمته أن تطبق على خناقه ليكون سيد الغياب الطويل.
*نعم، أتّفق معك أخي حسين، إن ّالعراقي ‘أخذ حصّته من القتل’ والتنكيل وسيظلّ هكذا مادام العراق يرضخ تحت بند ‘الفصل السابع’ لميثاق الأمم المتّحدة وهو بند وضع بهدف ‘ انقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب،’ بحسب ما ذكر على موقع الأمم المتحدة لكنّ العراق الذي وضع تحت طائلته بعد غزو الكويت عام 1990م زالت أسبابه بزوال النظام السابق فلماذا يستمر تطبيقه ؟ أنّه قرار تعسّفي لا يقلّ قسوة عن الحصار الأمريكي الظالم الذي أحرق الزرع وأيبس الضرع، لماذا يستمرّ هذا التشريع الذي وضع في ظرف كلّنا نتّفق على إدانته؟ ألا يدلّ هذا على رغبة وحشيّة بإلحاق الأذى والضرر النفسي والمعنوي بهذا الشعب العريق وعرقلة نمو العراق الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والتكنولوجي؟ والمؤلم أنّ بعض الدول العربيّة تدّعي أنّها تتفهّم وضعنا كعراقيين، ولكنّها تطبّق القوانين المتعلّقة بهذا البند تطبيقا حرفيّا ! وهكذا منعت وغيري من دخول عواصم عربيّة من بينها القاهرة بدون أيّ مبرّر وكانت زيارتي بدعوة ولم تشفع لي اقامتي الطويلة المستمرّة بسلطنة عمان !!
* الأماكن واثرها في ذاكرة عبدالرزاق ونصه كيف تحضر؟ صنعاء، مسقط ،… حتى أخر منافي الحياة، أي الأماكن تسكنك وتشتاقها الآن؟
*كلّ مدينة أزورها، حتى لو لايّام قليلة، تحتلّ مساحة من وجداني وروحي وأتمنى زيارتها ثانية، هذه الطبيعة لا تفارقني أبدا، ربّما هو نوع من الحنين إلى الماضي الذي يتجسّد بتلك الأماكن، وطبعا تبقى بغداد في مقدّمة المدن الحبيبات تليها صنعاء ،أمّا مسقط فإنّني أشتاق إليها حين أغادرها خلال أسفاري .
*’لديّ كلمات ليست في محلها / لدي نصف نهار فائض عن الجيب / لدي اضطراب عاطفي/ لدي أمي وتنور قلبها الحار/ لديَّ رغبة ماكرة لاقتلاع الشجر/ لديَّ بالونات من الهواء الحر/ لديَّ رصاصة تنبض/ لديَّ قبضة من الرماد/’ .. ما الذي تريده ولديك كل هذه الفوضى والغضب؟!
*يوما بعد آخر تتراجع الأماني وتضمر الأحلام، وتقلّ المباهج، وبهذا الصدد تحضرني مقولة لفيلسوف دائما ترنّ في رأسي هي’عندما تقلّ الأشياء التي نحبّها وتكثر الأشياء التي نكرهها فذلك هو الجحيم’ يا ترى هل صرنا نعيش الجحيم بعينه، مادامت الأشياء التي نحبّها تضاءلت حتى صارت لا ترى !