في معظم الدول يوجد سن يبدأ فيه الانسان بتحمل المسؤولية الكاملة عن افعاله. من حيث المبدأ، يوجد في إسرائيل مثل هذه السن ايضا. 18 سنة. في سن 18 يصبح الرجال والنساء الإسرائيليون راشدين بكل معنى الكلمة، مع استثناء هام: في اللحظة التي ينضمون فيها إلى صفوف الجيش، تتوقف عملية الرشد لديهم ويعودون ليكونوا من جديد اطفالا. اطفالا مسلحين بلا مسؤولية اخلاقية
وتجري هذه العملية فقط لدى جنود الجيش الإسرائيلي. أما الفلسطيني ابن 14 عاماً الذي رشق سيارة إسرائيلية بالحجارة فهو راشد بكل اعتبار. يمكن اعتقاله، التحقيق معه وحبسه لاشهر بل وسنين. اما الجندي الإسرائيلي الذي اطلق النار على فلسطيني، بالمقابل، فهو طفل. صحيح أن القانون الجاف يرى فيه راشدا، ولكن الرأي العام يرى فيه رضيعا مأسورا.
اذا سقط في يد العدو، لابس بزة ومسلح، فهو يعرف كطفل مخطوف وليس كجندي في الاسر. إذا نفذ اطلاق نار على فلسطيني، فإنه يعرف تلقائيا كضحية. ضحية من؟ هذا يتغير. إذا ايده قادته، فهو ضحية اليسار الذي يحاول المس بالطفل من خلال وضع مطالب اخلاقية كونية لا يمكن لأي طفل ان يستوفيها. إذا لم يكن قادته يؤيدون روايته، مثلما حصل لـ اليئور أزاريا، فإنهم (من قائد السرية شمالا) هم الاشرار. هم فاسدون، كذابون وذوو اجندة يسروية (فاليسار، كما هو معروف، هو مصدر كل الشر في المجتمع الإسرائيلي). الاشرار ينكلون بطفلنا نحن جميعا، وهو عديم الوسيلة.
ان الحجة الجديدة لازاريا بأن قائد السرية صفعه هي مثال على عملية الولدنة لجنود الجيش الإسرائيلي. ظاهرا لا صلة بين ما فعل او لم يفعل قائد السرية بعد الحدث وبين الاتهام باطلاق نار محظور. فلو أراد، فلكان ممكنا للمتهم ان يرفع شكوى ضد معاملة السلطات له، مثلما يدعي متهم مدني بتنكيل الشرطة له. هذا لا يفترض ان يكون موضوعا للبحث في مسألة التهمة. فكل دور هذه الحجة هو عرض الجندي كطفل موبخ ينكل به الراشدون الاشرار.
هذه الحجة، بالمناسبة، تطلق ليس فقط في أوساط الدفاع واوساط اولئك الذين يرون كل قتل لفلسطيني كمسألة مبررة، او في أقصى الاحوال كحادثة غير مؤسفة. فهي تُسمع ايضا في أوساط أناس ينتمون ظاهرا إلى المعسكر الاخر. ليس الجندي مذنب، كما يدعون، بل «المنظومة». المنظومة (المجتمع، الثقافة، النخبة) هي التي اشارت للجندي بان قتل الفلسطينيين مبرر دوما ولهذا فانها هي، هي وحدها، تتحمل المسؤولية. اما الجندي، على حد نهجهم فهو ضحية.
مثل المدافعين عن أزاريا من اليمين، يعتقدون بان الجندي الإسرائيلي غير قادر على ان يتحمل مسؤولية اخلاقية. فهو مشوش او «مغسول الدماغ». وحقيقة أن سلوكه شاذ (أي ان جنودا آخرين في ذات الوضع لم يتصرفوا مثله) لا تزيد ولا تنقص شيئا في نظرهم. الجندي الإسرائيلي ليس قابلا للعقاب. من ناحية أخلاقية هو طفل. طفلنا جميعنا.
هذا فهم خطير. إذا كنا نعتقد بان الجنود ابناء 18 ليسوا مؤهلين لان يتحملوا مسؤولية أخلاقية، فمحظور اعطاءهم بنادق. يجب الانتظار إلى السن الذي يكونون فيه مسؤولين عن افعالهم. فالسلاح الناري في ايدي الطفل هو خطر كبير على الجمهور. واذا كانوا مسؤولين عن افعالهم، فيجب التعامل معهم مثلما يتم مع كل راشد.
صحيح، يجد الجنود أنفسهم في وضعيات معقدة. فهم مطالبون بان يتخذوا قرارات في ظروف متوترة. واحيانا يكونون خائفين أو مشوشين. ولكن الدولة تعتقد بانه يمكنهم أن يصمدوا في هذا التوتر. يمكنهم ان يصمدوا فيه ضمن أمور اخرى لانهم اجتازوا تأهيلا، أوضح لهم في اثنائها المرة تلو الاخرى ما هي القواعد وهم يفترض بهم ان يخرجوا من الخدمة القتالية إذا كان قادتهم يعتقدون بانهم لا يمكنهم ان يتحملوا المسؤولية.
من الصعب الادعاء بالنسبة لجندي متميز مثل اليئور أزاريا بانه ليس مناسبا للمهمة في الظروف القتالية. فهو مناسب. ما فعله عمليا هو بمسؤوليته، كانسان راشد. والادعاء من اليسار بان حارس الكتيبة ليس مذنبا أبدا مرفوض. فغير مرة يكون حرس الكتيبة مذنبا. فالجنود في دول اخرى وفي فترات اخرى ممن ارتكبوا جرائم لم ينالوا اعفاء جارفا من المسؤولية لان «المنظومة» في مجملها عنصرية أو اجرامية. الجنود ليسوا أطفالا. هم راشدون. والناس الراشدون مسؤولون عن افعالهم.
يديعوت 27/7/2016