في الصور التي حصلت عليها من الدمشقيين وأنا اشتغل بكتبهم المستعملة رأيت مقام السيدة زينب محاطا بالأشجار. والعائلات والأوﻻد في نهارات دافئة. يحطون رحالهم وسيرانهم وطعامهم. يشعلون نيرانهم فتعبق رائحة الشواء. في فضاءات «الحضرة» وجدرانها. كانوا يأتون من العاصمة. والبلدات – المحاصرة اﻵن.
تقل أغلبهم الطنابر التي استحمت خيولها وحميرها في البحيرات التي خلفتها أمطار الشتاء عند بلدة – سيدي مقداد ـ يتناولون إفطارهم هناك بجانب المياه المهسهسة تحت الشعاع.. ينظرون إلى المغامرين الذين يخوضون بأفراسهم إلى عمق المستنقعات ويفركون جلودها بالصابون والرغوة البيضاء اللامعة في الشمس.
رأيت المقام أول مرة عام 70 حين وقفت السيارة التي تقل رحيلنا – إلى مخيم السيدة زينب. أمام بابه البني العالي على الشارع الرئيسي.. لقطت عيناي حالا بائع شراب ليمون بمحاذاته، ورغم أن الفصل كان شتاء والأمطار تهطل بقوة رحت أتشهى ذلك السائل الأصفر في قطرميز كبير.. كان الشارع خاليا تقريبا من المارة ونحن نتتبع بعيوننا السائق الشيعي الذي أطفأ محرك سيارته وانحدر يركض مجتازا البوابة الرئيسية بسرعة، وهناك في الساحة الداخلية وضع رأسه بين يديه على شباك القــــبر وراح ينشج بقوة.. كانت عيون النســــوة والأوﻻد على كتفــــيه المتقــــافزين من الخلف. وقالت جدتي وهي تمسح المطر عن عينيهــــا في صندوق الســــيارة المكشوف «علامو مهبول هاض».
وبعد قليل حين جلسنا بجوار القبر في الغرفة الذهبية المتلألئة أشارت لي لأجلس إلى جانبها ورأيت دموعها تسيل على وجنتيها الموشومتين برسومات لم يخطر ببالي تعريفها يوما.
ثمة جامع بلصق المقام. قادنا إليه مدرس الديانة في مدرسة – بيت جبرين- كانت أول مرة نصلي فيها سيطر علينا الضحك خلسة ونحن نرص الصفوف مع المصلين، ربما بسبب تلك اللحظة الفارقة بين الطفولة والرجولة التي وضعنا بها.
وعندما انتهينا خطونا خلف الأستاذ نحو باب المقام.. تقدم نحونا الحارس الفلسطيني يضع على صدر مريوله بطاقة دائرية من الستانلس أو الألمنيوم مكتوبا عليها «خادم مقام السيدة زينب». صافح الأستاذ بحرارة واحترام وبعد تجوالنا في المقام وزع علينا حبة سكاكر لكل واحد منا وهو يربت على أكتافنا بمودة ورأفة
وعدنا أدراجنا الى المدرسة في مفرق الحجيرة بجلبة وضوضاء وطعم سكاكر في السنتنا. كان الشارع خاليا والشمس دافئة وبضع براكيات خشبية «دكاكين» على طول الطريق. واكتشفنا يومها مقهى الفلاحين تحت الأشجار المعمرة على يسار الطريق.. دخلنا إليه متلصصين ننظر إلى الكراسي الخشبية الصغيرة الخالية من روادها. ورأينا التلفزيون المطفأ فوق طاولته الخشبية. وعدنا إليه مساء متحججين أهلنا بحضور درس عن العين لنحصل على فرنكين ثمن الدخول والجلوس وشرب الشاي وحضور غوار الطوشة أول مرة، حيث صوت القباقيب نفسه داخل التلفزيون وخارجه في بستان المقهى وأغصانه ودروبه الإسمنتية النائمة تحت الأوراق . في أول الثمانينيات صار يزورني أصدقائي لنتفرج على طقوس الشيعة في ضرب السيوف والجنازير على صدورهم وظهورهم.. كان العراقيون الأكثر قسوة على أنفسهم.. حفاة يوسعون دروبهم في الطرق المتربة المهملة والبعيدة عن المقام. يزحفون بأقدامهم على الأرض والحجارة مثل عبيد أزمان ماضية ومنذ تلك اﻻيام واصدقائي يشكرونني على هذه الفرصة للفرجة. فيما أنا كنت اتساءل في دخيلتي «متى وأين ستحط هذه الأحقاد أحقادها ياترى؟
٭ كاتب فلسطيني
نادر عبدالله