الخراب السياسي وتحولات المثقفين في العراق

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي» ـ من صفاء ذياب: الانقسامات بين المثقفين العراقيين لم تكن وليدة هذه الفترة، إذ بدأت منذ عشرينيات القرن الماضي، غير أن تلك الخلافات كانت صحية إلى حدٍّ ما، فأنتجت نماذج ثقافية مهمة، مثل الرصافي والزهاوي وغيرهما. هذه الانقسامات كانت أكثر حدِّة وخطورة مع وصول حزب البعث للحكم، وصلت خطورتها إلى اعتقال وسجن واغتيال أدباء على يد أدباء النظام الحاكم، وما زالت آثار تلك الآيديولوجيات راهنة حتى الآن على الرغم من انتهاء نظام الحكم البعثي.
هذه الفئات من الأدباء، وباستمرارها، أنتجت انقسامات من نوع آخر بعد العام 2003، إذ أنتجت فئات جديدة مثل المثقف المدني والمثقف الديني والمثقف المؤدلج والمثقف التفرج وغير ذلك، وربما كانت تلك الانقسامات واضحة أكثر مع التظاهرات الأخيرة التي بدأت مع من سموا أنفسهم بـ(المدنيين)، ما أدى إلى بروز مثقفين آخرين يدعون لانضمام الدينين إلى تلك التظاهرات، بل تحالف بعض هؤلاء (المدنيين) مع (مثقفين) دينيين، وهو ما حدث بائتلاف البعض مع التيار الصدري عقب نزولهم للتظاهرات.. كما برزت جماعات أخرى ابتعدت عن المدنيين الذين ارتبطوا بالسلطة الدينية، ليعلنوا أنفسهم جماعة ترفض هذا الارتباط، داعين إلى تحركات مغايرة من أجل إخراج البلد مما هو فيه من فساد وتكتلات وحروب لن تنتهي.
في ظل هذه التغيرات، كيف نفهم المثقف المدني؟ وهل هو موجود فعلاً وسط ضجيج الشعارات والحروب الكلامية والطائفية والحزبية في العراق؟

وظائف المدني

الباحث الدكتور محمد عطوان؛ أستاذ العلوم السياسية في جامعة البصرة، يرفض فكرة وجود مثقف مدني ضمن فضاء اجتماعي تغيب فيه ملامح المدنية نفسها، علاقات إنتاج، طبقات اجتماعية، قيم فردية، صحافة رسمية ومعارضة، فصلاً وظيفيا للأنشطة العقلية والحِرفية. وكما هو معلوم فإن هذه الملامح تنعكس بدهياً على تشكيل بنية ذلك المثقف. و»لأكون متطرفاً أكثر لجهة الاهتمام بما هو مديني؛ أرى أنه لا وجود للمثقف المعياري في ظل غياب ركائز المدينة نفسها، فالمثقف نتاج المدينة الحتمي وانعكاس جدلي لقوانينها في التاريخ، وبسبب غياب هذه المدينة في الواقع المحلي العراقي، يمسي المثقف غائباً هو الآخر تلقائياً».
ويستمر عطوان في حديثه، موضحاً أنه ربما يقال إنه تتعدد وظائف المثقف المدني داخل بنية اجتماعية نشيطة، لمَّا تتعدى منتجاته حدود الانشغالات الإبداعية الأدبية، وحتى الانشغالات النقابية والسياسية، إلى الانشغال في سوق إنتاج القيم المعاصرة (الإعلانات، تصاميم العمارة، عالم الأزياء، المعلوماتية..). فيصبح توصيف المثقف عابراً لتوصيف صورته التي طبعت في الأذهان من قبل، صورته الأكليريكية- بتعبير جوليان بيندا- المنشغلة بالمثالي وبالرهافة الأخلاقية حسب.. لكن يصبح لا جدوى من التعدد في بنية ثقافية جماعية تعنى بإثبات طهرية خطابها المتعالي، وتميل إلى المطابقة (مثالها الجماعات العراقية بعد عام 2003).. بنية تجعل من الأيديولوجية الدينية ذخيرتها الناظمة لكل الفعاليات والأنشطة، حتى تصبح الحدود والتبويبات التي تضعها هي حدود وتبويبات الفقهية الدينية.. لذلك ينهض المثقف الديني الذي يميل إلى الثبات والاستكانة، ويحاول تأويل ما يواجهه من وقائع لفائدة تقديس خطابه الثقافي المتعالي، ويتراجع كل جهد مبذول لولادة المثقف المدني دائم التشكل، المحتفي بالثانوي والأرضي والمرذول، والمنقِب في حقيقة تشكل الطبقات. كان ماركس يقول في أطروحته الحادية عشرة عن فيورباخ؛ «اكتفى الفلاسفة بتأويل العالم بينما كان المطلوب تغييره».

مثقف تقليدي

يرى الكاتب والمترجم الدكتور عادل الثامري؛ عضو الجبهة الوطنية للإصلاح والتغيير، أن المثقف التقليدي مرتبط بمؤسسة النظام المهيمن وموروث المثقفين السابقين، ما يجعلهم بعيدين عن بنية وحركة المجتمع الذي يعيشون فيه، وليست لديهم قاعدة اجتماعية أو خطاب سياسي محدد، في حين أن المثقف العضوي يسعى للحصول على إجماع مناهض للأفكار والطموحات المهيمنة، فهو مرتبط عضوياً باهتمامات ومصالح الفئات التي يمثلها، أي أنه مرتبط ببنية مجتمعه وحركته، ذلك لأن كل مجموعة بشرية تنشأ من تحقيق مهمة الإنتاج الاقتصادي، وبالتالي فهي تخلق مثقفها العضوي الخاص بها. من هنا يمكن القول إن الثقافة تتشكل من حركة اقتصادية واجتماعية ومجتمعية، ومن ثمَّ، فالثامري ليس مع الرأي الذي يقول بتصنيف المثقفين إلى مدنيين أو غير مدنيين على أساس الفكر، بل يمكن التصنيف على أساس الوظيفة أو الدور الاجتماعي للمثقف في مجتمعه. فإن قلنا إن هناك مثقفا «مدنيا» فبالضرورة هو ناتج عن بنية مجتمعية محددة هي المدنية. حقيقة أن معضلة من يدعي أنه «مثقف مدني» يتصدى لـ»مثقف طائفي» في العراق، هي أن الأول لم ينتجه مجتمع مدني وبالتالي فإن أكبر ما ينقصه هو الرابط بالمجتمع الذي يعيش فيه، لهذا أصبح قريباً جداً من مفهوم المثقف التقليدي، ثم أن غالبية من يدعي أو يتمنى المدنية الآن، في العراق، يحاول النأي بنفسه عن الأيديولوجيا ظناً منه أن هذا سيجنبه الصدام أو إثارة الآخر المختلف معه فكرياً، وهم سواد المجتمع، وهم في هذا يتبنون مفهوماً تقليدياً للأيديولوجيا على أنها منظومة أفكار فقط وليست تعبيراً عن الحياة المجتمعية لكتلة اجتماعية معينة، وهي مبثوثة في المجتمع المدني؛ أي المؤسسات والبنى الاجتماعية مثل العائلة وأماكن العبادة والإعلام والمدارس والنظام القضائي والنقابات، بفضل تكامل الممارسات في منظومة موحدة من العلاقات السيسيو- اقتصادية.
«حقيقة ما زال المثقف عندنا هو مثقف تقليدي لا يستطيع الإفلات من المؤسسة القائمة.. ولم ننجز لحد الآن ثقافة ناقدة تبحث عن الحلول وليس اجترار ما هو قائم».

تلاشي المدنية

يشير الروائي سلام إبراهيم إلى أنه لم يتبلور في التاريخ العراقي المعاصر مثقف مدني بالمعنى الدقيق للكلمة، أو بمعنى الصيرورة الثقافية لهذا المثقف الذي ساهم في بناء الدولة المدنية في الغرب، إذ ولد هذا المثقف مع ثورة صناعية وعلمية وتبلور الطبقة البرجوازية التي سعت إلى مجتمع حرّ يضمن لرأسمالها حرية الحركة، ليتطور المجتمع المدني لاحقاً في صراعه مع الأيديولوجيات الشمولية النازية والشيوعية إلى النظم التي نراها الآن وعمادها الحياة المدنية ومثقفها.
لو عاينا التاريخ العراقي منذ تأسيس الدولة عقب عام 1921 لوجدنا أن تباشير تبلور المثقف المدني ظهرت مع هامش الحياة الليبرالية فترة الحكم الملكي، وأخذ يتسع دوره مع تبلور تيار ديمقراطي متمثل بأحزابه، كالوطني الديمقراطي وحركة المثقفين والكتاب التي كان لها نزعة مدنية، لكن مع المد الشيوعي والقومي، في أعقاب الحرب العالمية الثانية تضاءل دور المثقف المدني مع قوة المثقف الأيديولوجي وأحزابه التي سيطرت على الشارع، كالشيوعي ولاحقاً البعث. مضيفاً أنه في أعقاب انقلاب يوليو/تموز 1958 وسيطرة العسكر على السلطة تلاشى تماماً ليحل صراع تنافري بين المثقف الشيوعي والقومي، وليسود هذا الصراع حتى وقت متأخر نهاية القرن العشرين. ومع الديكتاتورية والحروب تردى دور الثقافة والمثقف ليصبح تابعا للأيديولوجي تماماً. ومع الاحتلال وسلطة الطوائف التي أتى بها ترسخت حالة تشظ جديد للمثقف فاصطف بهذا الشكل أو ذاك بين هذه الطائفة وتلك، أما من يدعي المدنية ويظهر في المظاهرات فهو مثقف مؤدلج يرتدي المدنية قميصاً، «أقول ذلك عن تجربة وخبرة فأنا ترعرعت في الوسط الأخير».
وطوال هذا التاريخ ظهر مثقفون ذوو تطلعات مدنية، لكن لطبيعة الصراع الدموي المدعوم بقيم العشيرة والأعراف العراقية المتخلفة السائدة حتى في بنية الأحزاب العلمانية، كان يصطدم مع بنية هذه الأحزاب وينعزل، يصمت أو يلجأ للمنفى، وغالبية كتابنا وأدبائنا من الصنف الأخير.
والخلاصة، فلا وجود لمثقف مدني في ظل هذه الظروف، والادعاء به مجرد كلام، وأخيراً لا بد من ذكر حقيقة تتعلق ببنية هذا المثقف وهي لا تتحقق فعليا في مجتمع إلا بفصل الدين عن الدولة ووجود تقاليد ديمقراطية تحترم الإنسان والقانون.

فردية السلوك

من جهته يبين الكاتب جابر خليفة جابر؛ عضو مجلس النواب السابق عن حزب الفضيلة الإسلامي، أنه وفقاً لأي تصنيف للمجتمعات بمقاييس ثقافية تعتبر مجتمعاتنا الشرقية، ومنها العربية تحديداً، مجتمعات مستوردة للثقافة وأغلب ما ينتج عنها إنما هو استنساخ لما تستورده وتستهلكه، أو إعادة إنتاج له، ولهذا فلا منجز أو إنتاج ثقافي أصيل لها، وهذا من المسلمات الواضحة، ومن أهم معالم الثقافة الاستهلاكية الاستنساخية هو اضطراب المصطلح فيها، إذ يندر أن نجد تعريفاً دقيقاً أو حتى تقريبياً لأغلب مصطلحاتها المستوردة من الأصل، وهكذا تموضعت مصطلحات عديدة في ثقافتنا في عناوين ومعانٍ لم تكن مخصصة لها في ثقافة المصدر أو المنتج، ومصطلح (المثقف المدني) من هذه المصطلحات التي رُوِجَ لتداولها في العراق بعد عام 2003 وفي عامة مجتمعاتنا العربية بعد تغيرات الربيع العربي، ومن الواضح أن ما أريد به هو المثقف المتوائم فكراً وممارسةً مع نظم وآليات المجتمع المدني، أي المجتمع الغربي وأي مجتمع مماثل لنظم وآليات المجتمع الغربي من حريات في الرأي والديانة والديمقراطية وسيادة القانون وغيرها من مستلزمات المدنية الغربية المعاصرة، ومما لاشك فيه أن المجتمعات الغربية بعد قرون من التطور والسير على طريق التمدن أفرزت مثقفين منتجين لفكر وثقافة تعزز هذا التمدن وتديم تطوره اجتماعياً، أي أن التغذية الثقافية هنا متبادلة (feed & feed back ) مجتمع متمدن ينتج مثقفاً متمدناً، ومثقفٌ متمدنّ يساهم بتطوير ثقافة وتمدن مجتمعه أكثر. ويتساءل جابر: لكن هل تتوفر أرضية مناسبة في مجتمعاتنا لإنتاج مثقف كهذا؟ مبيناً أنه سؤال من الصعب أن نجيب عليه بنعم، إذ أن البنى الاجتماعية المتخلفة هي السائدة عندنا على صعيد النخب الأكاديمية والأدبية والسياسية والدينية وحتى الفكرية بمختلف توجهاتها، وإذا كانت النخب تخفي تخلفها بازدواجية هي أقرب للشيزوفرينيا، إذ تدعو لسلوك وتمارس ضده في الوقت ذاته، فإن عامة المجتمع يعيش تخلفاً معلناً بالغ الخطورة وينتج ثقافة متخلفة تغذي تخلفه، فكيف يمكن خلق مثقف مدني وسط ظرف قاهر وقامع كهذا، لذلك خططت المؤسسات المصدرة لهذا المصطلح على تحوير تموضعه وزحزحته ليكون المثقف المدني هو من يقف بوجه المثقف الديني أو المثقف الآخر غير الليبرالي وقد نجحت بهذا، وهذا تناقض صريح مع مضمون المدنية التي تعني المؤسساتية من جهة وتعني قبول الرأي والرأي الآخر، المدنية الحقيقية – بحسب جابر- هي تفهم الآخر والتفاهم معه! وغير هذا يندرج تحت أطر التخلف مهما حاولنا تلميعه.
وكخلاصة باستثناء نوادر، يؤكد جابر أنه لا وجود للمثقف المدني في أوساطنا الثقافية، وما زال المثقف العشائري المؤدلج والرافض للآخر هو المتسيد، وما زالت الذاتية والفردية في سلوكياتنا هي الثقافة الغالبة في مواجهة أقلية من الثقافة الموضوعية نادرة ومحاصرة ومقموعة، ويشمل هذا جميع النخب الثقافية حتى الدينية منها.

العلاقة مع الخصم

فيما يسعى الدكتور علي طاهر الحمود؛ الأستاذ في قسم علم الاجتماع في جامعة بغداد، للبحث عن تعريف للمثقف المدني، يؤكد أنه يصعب إيجاد تعريف كهذا، فهل هو صانع المعرفة؟ أو هو من يدفع دائماً في اتجاه التحرر من أطر السلطة القائمة؟ أو هو المنتمي جداً لمجتمعه ومنفصل عنه في الوقت ذاته؟ مشيراً إلى أن الواقع العراقي يفرض علينا أن نعرف المثقف من خلال خصومه، فالمثقف الحر هو المتحرر من انتمائه الطبقي، ومواقفه النفسية الشخصية، وسياق الفضاءات الثقافية والاجتماعية السائدة. وبالنتيجة فإن المثقف الحر هو من يتعامل مع خصمه بهذا المستوى من التحرر، الذي يفرضه الايمان بأن امتلاك الحقيقة المطلقة ما هي إلا وهم!
وبذلك تضيق دائرة الرصد للمثقف العراقي الذي لم يجرب طويلاً استقرار العلاقة مع الخصم، فوجود الطرفين شرط النظام الاجتماعي السياسي الديمقراطي، وهو ما لم يتوفر بشكله الصافي إلا بعد عام 2003.
ومن ثمَّ، يبين الحمود، أن معاينة سريعة لواقع المثقف العراقي ترينا اهتمامه بعوالم الخيال شعراً وموسيقى ورسماً وحتى فلسفة، من تلك الأنواع المبتعدة عن واقع العراق إنساناً ومجتمعاً. وهذا الاهتمام سببه عدم وجود تقاليد للحوار الفكري البناء، والتراكم المعرفي الخلاق، والعمل الجماعي المجدي. وبذلك فإن المثقف العراقي اندفع إما إلى تلبس لغة الشارع؛ طائفــية وحزبية وعنفاً رمزياً، وإما توجه للانعزال عن هموم المجتمع باللجوء إلى عوالم الخيال.
ومقتضى هذا النوع من المثقف هو توجسه من الإنتاج المستديم، فهو يميل إلى إنتاج لحظي يعتمد اللفظ والمشاعر أكثر من الإنتاج المكتوب مثلاً. وعلى الرغم من أن الفترة الممتدة بعد عام 2003 شهدت إنتاجاً مكتوباً كبيراً للمثقف العراقي، إلا أنه يبقى متدنياً جداً قياساً بنظرائه في مصر أو المغرب العربي على سبيل المثال.

الخراب السياسي وتحولات المثقفين في العراق
تظاهرات أنتجت خلافات وانقسامات بين منظميها

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية