في الثقافة الانقلابية: كيف ينقلب الشعب على الجيش؟

حجم الخط
1

لا تختلف الانقلابات في تركيا عن غيرها من الدول إلا في بعض التفاصيل. فالانقلابات في تركيا كانت تحدث جهارا نهارا وتتم باتفاق جنرالات الجيش فيما بينهم ضد حكومات منتخبة. منها ما كان يتم بنزول الجيش إلى الشارع، كما حدث في انقلاب كنعان «يفرين» عام 1980، ومنها ما كانت توجه فيها بمذكرة للحكومة، كما حصل مع حكومة البروفيسور «نجم الدين أربكان» عام 1997حين طلب منه الجيش تقديم استقالته تحت التهديد.
أما في سوريا الجار الملاصق لتركيا فكان الانقلاب يدبر بليل، كما حصل مع حافظ الأسد الذي اشترك مع ضباط آخرين بانقلاب شباط/فبراير عام 1966 وسموا بالشباطيين. ثم قاد بعدها حافظ الأسد انقلابا على رفاقه في حزب البعث في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1970، وانفرد في حكم سوريا حتى موته في حزيران/يونيو من عام 2000.
في ثقافة الانقلابات تذكر حركة 18تموز/يوليو 1963في سوريا التي قادها العقيد جاسم علوان ضد حكم حزب البعث. اختار جاسم علوان ساعة الظهيرة لاعتقاده أن الحكم قد يكون مشغولا هذا الوقت. فشل الانقلاب وأعدم العقيد هشام شبيب والمساعد بحري كلش وآخرين.
أما في تركيا، -وفي معظم دول العالم- فكانت واشنطن دائما وراء الانقلابات التي حدثت منذ الانقلاب الأول الذي أطاح بحكومة «عدنان مندرس» عام 1960. كان قد وصل للسلطة عام 1950، فأعاد إلى تركيا بعض وجهها الإسلامي وأعاد الأذان باللغة العربية، وسمح بإعادة قراءة القرآن. ولكن كيف تم الانقلاب الأخير في تركيا ولماذا فشل؟
لم يكن مفاجئا أن يستعين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بجماهير الشعب التركي لتنزل إلى الشوارع، على الأخص في اسطنبول وأنقرة، بعد أن شعر أنه لا يمكن الوثوق بالجيش بعد أن اختلط معه الحابل بالنابل ولم يعد يعرف من هو المخلص ومن هو المتآمر؟ بينما هو يضمن أكثر من نصف الشعب التركي الذي اختبره قبل أقل من سنة في الانتخابات التشريعية المعادة حيث حصد حزب العدالة والتنمية أكثر من نصف عدد نواب الشعب.
لم يكن عجيبا أن نجد أن معظم الذين نزلوا إلى الشوارع هم من الشباب التركي الذين تتراوح أعمارهم بين 20 إلى 25 سنة وقد كبروا مع عمر العدالة والتنمية الذي زاد حكمه عن 14 عاما متواصلة.
خطط الانقلابيون أن يكون الانقلاب على الحكومة فجر السبت16 تموز/ يوليو 2016. لكن أردوغان وأنصاره أحسوا بما يدبر لهم، ما جعل الانقلابيين يقدمون ساعة الصفر إلى مساء يوم الجمعة ما جعل الخطة تسير ليس وفق ما خطط لها. كانت قاصمة ظهر الانقلابيين أن طلب أردوغان من الشعب التركي النزول للشوارع لمنع الانقلابيين من تنفيذ انقلابهم، مع ما شاب الانقلاب من عثرات وعوار حين اصطدموا بالمتظاهرين الذين وقفوا في وجه الدبابات عاريي الصدور وطلبوا من سائقي الدبابات النزول منها والعودة لبيوتهم ما أفشل الانقلاب. وهكذا غلب الشباب المتظاهر دبابات الانقلابيين بدون أن يشهروا سلاحا لم يكونوا يملكونه.
وقوف الشعب في وجه العسكر أعاد للأذهان أحداث أندونيسيا في ستينات القرن العشرين. كان أحمد سوكارنو أحد ثلاثة زعماء في حركة عدم الانحياز مع نهرو وعبد الناصر. وبالرغم من أنه قاد بلده إلى الاستقلال عن هولندا وأصبح بطلا قوميا ورئيسا لأندونيسيا، لكنه حين تآلف مع الشيوعيين في ستينيات القرن العشرين تظاهر ضده الطلاب وأرغم على الاستقالة وأن يصدر قرارا بتعيين الجنرال «سوهارتو»رئيسا بالوكالة سنة 1967، ووضع في الإقامة الجبرية حتى وفاته عام 1970.
ألن دالاس الذي كان رئيس الـ (CIA) في حينه، لم يكن غائبا عن أحداث أندونيسيا، فكتب في مذكراته: (كيف يقوم الطلاب بالانقلاب على الرئيس)؟
يبقى أن نقول إن الاستيلاء على السلطة عن غير الطريق الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع هو قلب للمعادلة. صناديق الاقتراع تفرز نخبا مجربة ثبت نجاحها في الحياة. أما الانقلابات فستفرز حكاما غير مؤهلين والنتيجة تكريس للفشل في قمة السلطة.

في الثقافة الانقلابية: كيف ينقلب الشعب على الجيش؟

الطاهر إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية