ظل تعامل الدولة / الحكومة العراقية مع مسألة النزوح الداخلي عشوائيا، وارتجاليا، لا يستند إلى أية مرجعية واضحة تحدد الالتزامات والواجبات المفروضة عليها، بل بدت هذه المسألة، في أحيان كثيرة، غير مفكر فيها أصلا. ومراجعة سريعة لحركات النزوح المتتالية بداية من معركتي الفلوجة الاولى والثانية عام 2004، مرورا بمعركة النجف بين الأمريكيين والتيار الصدري في العام نفسه، عكست هذا الإهمال بشكل جلي. على الرغم من أن البروتوكول الثاني الملحق باتفاقية جنيف، يحظر الترحيل القسري للمدنيين، ويوصي، إذا تطلبت أسباب عسكرية مثل هذا الترحيل، بضرورة اتخاذ الإجراءات الممكنة كافة لاستقبال السكان المدنيين في ظروف مرضية؛ من حيث المأوى والأوضاع الصحية والعلاجية والسلامة والتغذية (مادة 17).
وقد استمرت السياسة نفسها فيما يتعلق بعمليات النزوح الضخمة التي أعقبت تفجير سامراء في 22 شباط/ فبراير 2006، فلم تبدأ وزارة المهجرين والمهاجرين بإعلان بيانات عن النزوح الداخلي إلا في نهاية شهر تموز/يوليو، وكانت بيانات مسيسة وغير موضوعية! ثم تكرر الأمر نفسه في حركة النزوح غير المسبوقة التي بدأت في كانون الثاني/ يناير 2014 من مدينتي الرمادي والفلوجة، ثم مع تصاعد وتيرة هذا النزوح في اعقاب سيطرة تنظيم الدولة على الموصل. وقد بلغ عدد النازحين تبعا لأرقام الأمم المتحدة 3.317.394 نازح حتى نهاية حزيران/ يونيو 2016. على سبيل المثال لا الحصر فشلت الدولة/ الحكومة العراقية فشلا ذريعا في التعاطي مع نزوح 86 ألف نازح من مدينة الفلوجة في المعارك الأخيرة، وهو ما يعطي صورة قاتمة عن الإشكاليات المتوقعة في التعاطي مع الناحين المحتملين في معركة استعادة مدينة الموصل، حيث يبلغ عدد المدنيين في المدينة أكثر من مليون ونصف المليون شخص على أقل تقدير!
لقد حددت لجنة حقوق الإنسان التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة جملة مبادئ أساسية» (أعلنت عام 1998) للتعامل مع ظاهرة النزوح الداخلي تحت عنوان «مبادئ توجيهية بشأن النزوح الداخلي». وهي مستوحاة من القانون الدولي المتعلق بحقوق الإنسان، والقانون الإنساني الدولي. وهي مبادئ توجيهية للدول التي تعترضها هذه الظاهرة، فضلا عن المنظمات الحكومية الدولية، والمنظمات غير الحكومية، وذلك من أجل رصد حالات النزوح الداخلي بصورة أكثر فعالية وتوفير الحماية للنازحين، فضلا عن المساعدة وإعادة الإدماج والدعم الإنمائي. ومتابعة أوضاع النازحين داخليا تكشف بوضوح أن هذه المبادئ التوجيهية لم يتم الالتزام بها إلى حد بعيد، على الرغم من أنها تتسق تماما مع الدستور والقوانين النافذة في العراق. فالغالبية العظمى من النازحين داخليا يعيشون ظروفا مأساوية بإقرار المسؤولين الرسميين. كما أن الدولة/ الحكومة تخلت عن مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية تجاههم، بعدم توفير التخصيصات المالية اللازمة لمثل هذا الوضع. وما تم تخصيصه من مبالغ كان فضيحة حقيقية، سواء من حيث محدوديته، أو من حيث الفساد الموثق الذي ساهم في عدم وصول هذه التخصيصات أصلا!
ومراجعة تحليلية إلى كميات المساعدات المقدمة وطبيعتها، تجعلها بعيدة تماما عن توفير الحد الأدنى من المستلزمات الأساسية للنازحين.
على الرغم من هذا الاهمال المتعمد لأزمة النازحين، فقد تحولت قضية عودة هؤلاء إلى مناطقهم بعد استعادتها من داعش إلى أزمة أخرى، بعد ان تم استخدامها سياسيا من أطراف عدة. فقد تم استغلال هذا النزوح في مناطق عديدة لفرض أمر واقع وتثبيت وضع ديمغرافي جديد فيها. وكانت هناك دعوات صريحة لمنع عودة هؤلاء النازحين إلى مناطقهم بحجة انهم يشكلون حواضن للتنظيمات الإرهابية، في اطار عملية تغيير ديمغرافي صريحة بغطاء سياسي وتواطؤ دولي صريحين.
وصل الأمر إلى فرض اتفاق مذل على النازحين من مدينة يثرب جنوب محافظة صلاح الدين من أجل السماح لهم بالعودة إلى مدينتهم! عندما أشترط «المنتصرون» الشيعة من أهالي مدينة بلد، بدعم الميليشيات، وتواطؤ الحكومة المركزية، على «المهزومين» السنة من أهالي ناحية يثرب اتفاقا يلزم «العشائر والأفراد» في ناحية يثرب والقرى التابعة لها بدفع الديات إلى ذوي الشهداء والضحايا عن «الجرائم الإرهابية»؛ واعتبار المنطقة الفاصلة بين الناحيتين، وهي مناطق زراعية في معظمها لأهالي يثرب تبلغ مساحتها 3000 دونم «منطقة محرمة وعسكرية»! كما اشترطت الوثيقة على «جميع عشائر يثرب» يثرب أن يعترفوا علانية بجميع الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت بحق مدينة بلد منذ عام 2003! وأخيرا التعهد بعدم تقديم أي دعاوى «كيدية» ضد الجيش والحشد الشعبي والقوات الأمنية الأخرى واهالي المناطق الصامدة!
في خطوة لاحقة، فرض حلفاء الحكومة العراقية من السنة في محافظة الانبار هذه المرة، على نازحيها، شروطا أقل ما يقال عنها انها غير أخلاقية، فضلا عن انها غير قانونية! فقد اشترطت وثيقة تم التوقيع عليها يوم الأحد الماضي في بغداد، بحضور رئيس مجلس النواب، والتي أطلق عليها «وثيقة عهد اهل الأنبار»: عدم عودة «الاشخاص والجهات الذين روجوا لمشروع داعش الإرهابي عبر القنوات الإعلامية وكانوا سببا في تضليل الرأي العام وارباك القوات الأمنية لحين النظر في قضاياهم من قبل لجان ستشكل لهذا الغرض»؛ وعدم عودة «العوائل التي انتمى أحد ابنائها إلى عصابات داعش الإرهابية، والتي وفرت له ملاذا أو غطاء أو مناصرة. فكل العائلة التي يظلها سقف واحد مهما كانت درجة القرابة لا يمكن لها العودة»؛ كما اشترطت الوثيقة شروطا مجحفة وغير منطقية تجاه «العوائل» التي انخرط أحد ابنائها في داعش دون ارادتها، فهذه العوائل فرض عليها «اعلان براءتهم» من ابنائهم، وأن يقسموا عل ذلك كشرط مسبق للعودة، أما العوائل التي يدور حولها أو حول أحد أبنائها شبهات المناصرة أو التعاون، مع عدم وجود «دليل لإدانتها» فلا يمكنها العودة لها العودة إلا بكفالة شخصية من شخصية معروفة «بالولاء الوطني»! أي بكلام آخر لا عودة للنازحين إلا بشروط، وهي شروط مجحفة، ومخالفة للدستور والقانون.
فنحن امام عقوبات جماعية تطال العوائل نفسها، ولا تقتصر على الأفراد! فضلا عن أنها تعاقب على «الشبهات»! والشروط يمكن استخدامها تبعا لتأويل الفاعل السياسي والأمني في المحافظة للعزل السياسي للمعارضين بحجة انهم كانوا جزءا من مشروع داعش!
في كلا الحالتين كانت الحكمة العراقية توفر غطاء سياسيا للانتهاكات المنهجية للدستور والقانون والاعراف التي تضمنتها هاتان الوثيقتان!
والمفارقة هنا أن محافظ صلاح الدين ورئيس الوقف السني، وكلاهما من حلفاء المالكي القدامى، كانا من عرابي الوثيقة الاولى! كما أن رئيس مجلس النواب العراقي ومحافظ الأنبار فضلا عن شخصيات سياسية سنية أخرى كانوا هم أيضا من عرابي الوثيقة الثانية! بل أن محافظ الانبار تحدث صراحة عن تأييد البرلمان، ورئاسة الجمهورية، ومجلس الوزراء، ومجلس القضاء الأعلى ودعمها لهذه الوثيقة! ولكن الخطير هنا، إذا ما تجاوزنا هذا التواطؤ الجماعي غير الجديد في ظل المعادلة السياسية العراقية القائمة، هو حديث السيد محافظ الانبار الصريح عن تأييد الأمم المتحدة لهذه الوثيقة ودعمها! على الرغم من مخالفتها لكل المعايير التي تعتمدها الأمم المتحدة بهذا الشأن! وهو إن صدق إنما يكرس فكرة التواطؤ الدولي الذي أشرنا اليه سابقا.
ان ما يجري عمليا في المناطق التي استعيدت من داعش هي مجرد تدوير للازمة، من خلال إعادة إنتاج المقدمات نفسها التي أنتجت ظاهرة داعش. خاصة في ظل محاولات أطراف شيعية مهيمنة، وبتواطؤ أمريكي صريح، على تكريس سياسة الأمر الواقع في هذه المناطق من جهة، وفرض رؤية أحادية للدولة ككل من جهة أخرى، عبر استخدام الأدوات «السنية» نفسها التي اعتمدها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي من قبل.
٭ كاتب عراقي
يحيى الكبيسي