الربيع الغربي

حجم الخط
0

المعركة على الولايات المتحدة 2016 تختلف عن كل معارك الحرب العالمية الثانية. ففي هذه المرة سيبقى الكثير من الجمهوريين الاثرياء في البيت، أو حتى سيصوتون للمرشحة الديمقراطية. وهذه المرة كثير من الديمقراطيين الفقراء سيصوتون للمرشح الجمهوري. وفي هذه المرة النبلاء والمثقفون وأبناء الاقليات سيصوتون انطلاقا من شعور غير مسبوق بأن الديمقراطية الأمريكية في خطر. وفي هذه المرة سيصوت البيض بشكل غير مسبوق كمجموعة أقلية مهددة ومجندة. وفي هذه المرة أمريكيتان مختلفتان لا تفهمان بعضهما البعض ولا تستمعان لبعضهما البعض ستصوتان مع الشعور بوجود أزمة حرب على البيت.
يوجد في أساس الازمة الأمريكية ظاهرتين: من جهة الرأسمالية التي ليس عليها قيود ولا رقابة بسبب العولمة، الامر الذي يغير العدالة الاجتماعية المطلوبة للحفاظ على المجتمع الحر والمتحد والمستقر والذي يقدر على العمل. الحلم الأمريكي تصدع. مبدأ الطليعية الاجتماعية تراجع. وضع العمال نسبيا اسوأ مما كان عليه في عهد آيزنهاور أو نكسون. أبناء الطبقة الوسطى لا يشعرون بالأمن وأن الغد سيكون أفضل من الأمس، وأن لأبنائهم سيكون أكثر مما كان للآباء.
من جهة اخرى، نقاش الحقوق وسياسة الهويات للجيل الحالي ينشئ توقعات غير واقعية للمساواة. شعور الأحقية أقوى من شعور الواجب. هناك صفر تقبل للآخر في المجال الاجتماعي. رياح الزمن هي رياح مقاومة كل قوة، امتياز، سيطرة عليا وتسلسل هرمي، وهي تؤدي إلى اعتبار الآخر غريبا ومهددا وصاحب قوة.
بين هاتين الظاهرتين يوجد تناقض بنيوي. عندما يتجه الواقع نحو قطب، والوعي إلى قطب مناقض له، فان الهواء يمتليء ببخار الوقود، الامر الذي يتحول إلى نار حقيقية بسبب ظاهرة ثالثة وهي الشبكات الاجتماعية.
قدرة مئات الملايين على التعبير عن خيبة الأمل بشكل يومي تنشيء مزاجا متعاظما من عدم الهدوء وعدم الراحة. النظام الجديد الذي يشبه الديمقراطية المباشرة التي تعتمد على استفتاء شعبي دائم، يقيد الحكم. وعندما يحدث التقاء بين قلة العدالة الاجتماعية والمطالبة بالعدالة الاجتماعية وبين البركان المتواصل للشبكات الاجتماعية تكون النتيجة تسونامي سياسي. والنتيجة هي بارني ساندرس من جهة ودونالد ترامب من جهة اخرى. السود غاضبون والبيض غاضبون والنساء غاضبات والشباب غاضبون والشيوخ غاضبون، والغضب يجر كل شيء. المركز ينهار، والمجتمع يتمزق، والدولة ضعيفة وليست لها القدرة على ادارة سياسة مسؤولة وحكيمة.
الازمة ليست ازمة أمريكية فقط. كما حدث في اسرائيل وبريطانيا وجميع أرجاء اوروبا، نشأ ما يشبه الربيع الغربي. نظام سياسي اقتصادي توقف عن العمل، الامر الذي أدى إلى اندفاع قوى تزعزع النظام. لذلك فان الديمقراطية الليبرالية في ازمة. ولذلك العقلانية في ازمة. ينشأ هجوم على الحرية السياسية التي خيبت الآمال وعلى الحرية الاقتصادية التي خيبت الآمال وعلى الحكمة بحد ذاتها. المتهكمون السياسيون تحولوا إلى نجوم، والمحرضون والديماغوجيين تحولوا إلى ابطال. أوبئة ثقافة الواقع تهاجم الثقافة بشكل عام وتحول الساحة العامة إلى ساحة سيرك.
عندما تخرج هيلاري كلينتون في هذه الليلة إلى معركة حياتها، فهي ستخرج ايضا إلى معركة حياتنا. والسؤال الذي سيطرح خلال المئة يوم القادمة لن يكون شخصيا أو ايديولوجيا، سيكون السؤال هل نخبة كلينتون التي أدارت العالم بشكل لا بأس به ومنحته السلام والرفاه سيمكنها معرفة الاخطاء في البيت وكيفية اصلاحها من اجل تبديد الغضب. هل سيعرف النبلاء والمثقفون كيف يقدمون اليد للجمهور الواسع الذي ليس له مال ولا تعليم وهو متضرر من العولمة. فقط إذا عاد الديمقراطيون للاستماع إلى ضائقة ومعاناة الاغلبية سيستطيعون انقاذ الديمقراطية.

هآرتس 28/7/2016

 الربيع الغربي
ما يميز الانتخابات الأمريكية الحالية هو كثرة الأزمات
آري شبيط

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية