أليئور أزاريا الذي تتم محاكمته في هذا الوقت في المحكمة العسكرية في يافا، يتعرض للانتقادات لأن شهادته التي سواء قُدمت في المحكمة أو في المساءلة التي قام بها الضباط في الميدان والتحقيق الذي تم بعد الحادثة، تتغير بسرعة وتتبلور مع الوقت، بناءً على الأدلة المتراكمة.
صحيح أن غياب المنهجية هو أمر مقلق. ولكن بعد عدد من النقاشات في المحكمة، يصعب عدم ملاحظة الحقيقة التي قد تهرب من العين والتي ليست أمرا معتادا في التحقيق وفي المحاكمة العسكرية: عدم مواظبة أزاريا يشبه عدم المواظبة التي يُظهرها الجيش (الذي يحاكم أزاريا)، طالما أن الأمر يتعلق بموت من تسيطر عليهم اسرائيل والذين هم ليسوا من مواطنيها.
يجب أن تكون هناك فروق كبيرة بين أزاريا والجيش الاسرائيلي. أزاريا جندي أما الجيش الاسرائيلي فهو جيش. أزاريا تجاوز، كما قال وزير الدفاع السابق موشيه يعلون، أما الجيش الاسرائيلي فهو جيش اخلاقي. عن أزاريا يدافع المحامون بتمويل خاص، أما الجيش فيوجد له اسطول من المحامين العسكريين. ولكن يبدو أن القاسم المشترك أكثر من الفروق: أزاريا حصل على أمر أن يكون جزءا من جهاز السيطرة على اشخاص تسيطر عليهم الديمقراطية الاسرائيلية وتأسرهم منذ أكثر من جيلين، وهكذا هو الجيش الاسرائيلي. الطرفان يستخدمان كل الوسائل المتوفرة لمنع الحقيقة البسيطة: حسب ما يتبين من الفيلم القصير الذي تم تصويره في الخليل، فإن أزاريا قتل عبد الفتاح الشريف. وهو لم يقتل من اجل الدفاع عن النفس مثلما فعل جنود حرس الحدود الذين أطلقوا النار على ظهر محمد أبو ظاهر ونديم نوارة في بيتونيا في أيار 2014، العمل الذي حظي في حينه بغطاء من الجيش، مع أن الدفاع كان يضعف كلما تراكمت الأدلة.
واليكم باختصار، رد المتحدث بلسان الجيش على القتل في بيتونيا: في البداية سنقوم بتقديم البيان المعياري للجيش لأن الموضوع ما زال قيد التحقيق. لأنه يتم فحص امكانية أن يكون من أطلقوا النار، فلسطينيين. وفي جميع الحالات، اطلاق النار تم اثناء عملية اخلال بالنظام، ولم يتم بشكل مخالف للأوامر. بعد ذلك بيان وزير الدفاع يعلون بأن الفيلم الذي لم يشاهده يعلون في تلك الفترة، قد تم اخراجه، وأطلق الجنود النار لأنهم تعرضوا للخطر على حياتهم. مصدر أمني رفيع المستوى قال للقناة 10 إن هذا الفيلم مفبرك. وقد تجند الجيش عمليا من اجل تحويل هذه القصة كلها إلى كلمة الجيش في مقابل كلمة «بتسيلم». وقد انكشف الكذب بعد يوم عندما نشرت الـ «سي.ان.ان» فيلم خاص بها أثبت أن الفيلم الاصلي صحيح.
حادثة أزاريا تمت بعد نحو عامين، في آذار 2016. فقد وصل إلى المكان الذي قتل فيه فلسطينيين من سكان الخليل بعد انتهاء الحادثة الأصلية، وقام باطلاق النار على من حاول طعنه في رأسه. وفي مساءلة تحولت إلى تحقيق في الشرطة العسكرية، زعم أحد الجنود أن أزاريا قال له بعد اطلاق النار «إنه يستحق الموت، لقد قام بطعن اصدقائي». وأزاريا من ناحيته ينفي ذلك. وحسب الادعاء، في التحقيق الذي قام به قائد الكتيبة بعد الحادثة بوقت قصير، زعم أزاريا أنه أطلق النار على الطاعن لأنه خشي من أن يكون ما زال مسلحا بسكين. وبعد بضعة ايام زعم ازاريا أنه أطلق النار ليس بسبب خشيته من وجود سكين، بل خوفا من أن يكون المخرب يحمل حزاما ناسفا. هذه الاقوال وجدت التأييد في شهادة قائد القسم، ولكنها دحضت من قبل قائد الفرقة والكتيبة. وفيما بعد، في المحكمة، زعم أن الخوف من الحزام الناسف تأكد.
في حادثة بيتونيا قبل عامين استخدم الجيش الاسرائيلي الوسائل الكثيرة التي يملكها من اجل ابعاد الحادثة عن برنامج الجمهور. وفقط عندما لم يجد مناصا، تم فحص الفيلم الذي وثق الحادثة وجمع الحقائق الاخرى. وتم نشر فيلم الـ «سي.ان.ان». وتم تقديم لائحة اتهام بتهمة القتل غير المتعمد ضد جندي حرس الحدود، بن دوري، الذي أطلق النار وقتل الشاب نديم نوارة. أما في حالة ازاريا فان كل العملية كانت أسرع إلى أن وصلت إلى تقديم لائحة اتهام.
في قضية اخرى لإطلاق النار في حاجز قلندية في أيار من هذا العام، التي قتل فيها الشاب صالح طه (16 سنة) وشقيقته مرام اسماعيل (23 سنة)، فان كل المواد الموثقة في أيدي الجيش الاسرائيلي، لذلك لا يتوقع وجود لوائح اتهام.
الاستخدام الذي تقوم به السلطة القضائية في الجيش، قوة ومكانة الجيش في المجتمع الاسرائيلي من اجل شطب أي قضية حول قتل فلسطينيين من برنامج العمل اليومي، يطرح التساؤل حول الاسباب التي أدت إلى تقديم لائحة اتهام ضد أزاريا.
ادعاؤه الاساسي بأنه أطلق النار فقط عندما فهم أن هذا هو الخيار الوحيد الذي بقي له من اجل منع الكارثة. ببغض النظر عن عدم صحته فهو يشبه بشكل كبير الملابسات التي دفعت الجيش إلى تقديم لائحة اتهام بسبب القتل غير العمد في حادثة بيتونيا: تم تقديم لائحة اتهام فقط عندما لم يبق أي خيار أمام الجهاز العسكري. أزاريا يستخدم الآن كل الأدوات ـ الحقيقة والكذب، الذاكرة والنسيان، توجيه اللوم للقادة الذين يشهدون ضده ـ وكل القصص التي تتلاءم مع تطور المحاكمة ولا تتلاءم مع ما حدث في الميدان.
واذا لم يتوفر في نهاية المطاف ادعاء مخفف كما يحدث في العادة مع الجنود الذين قتلوا ـ الامر الذي هو حيوي من اجل استمرار السيطرة على ملايين الأشخاص الفاقدين للحقوق ـ وتتم معاقبة أزاريا بشكل ملائم، سيكون الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. ليس لأنه تصرف بشكل مختلف عن المجموع، بل لأن الجهاز ليس على استعداد لقبول اكاذيب جندي عادي في الوقت الذي يستخدم فيه هذا الجهاز الأكاذيب مثلما يستخدم التاجر العملة.
هآرتس 28/7/2016