مهمة اسرائيل القومية

حجم الخط
0

يمكن تفهم بعض الأشخاص من اليسار، الذين يتحركون وهم غير مرتاحين على كراسيهم كلما تمسك اشخاص آخرون من اليسار بالقليل من الأمل في أن التحقيق ضد بنيامين نتنياهو سيؤدي في النهاية إلى تقديم لائحة الاتهام المرجوة والتي ستضع حدا لسيرته السياسية. إن الطموح إلى استبدال رئيس الحكومة لا يمكنه أن يكون بديلا عن تقديم برنامج سياسي. ولكن من يقللون من أهمية اسقاط نتنياهو لا يعطون رأيهم بشكل كاف عن مدى تأثيره التدميري على المجتمع الاسرائيلي.
منذ بداية طريقه السياسية، على رأس المعارضة في حكومة رابين الثانية وحتى هذه الاثناء، ساهم نتنياهو وبشكل تراكمي بشكل كبير في زعزعة الأسس الوجودية ـ الاجتماعية والمؤسساتية والاخلاقية ـ لرسمية اسرائيل السياسية. وبنظرة إلى الوراء سنلاحظ أن الندب التي تركها كثيرة على جسم الجموع الاسرائيلية. بدءً بالتحريض الذي ترأسه ضد اسحق رابين قبل اغتياله، ومرورا بتشجيع قاتل المخرب المصاب. وقد كان ذلك نتيجة ضربة موجهة ومحسوبة جيدا من اجل تفكيك مبنى الاسرائيلية لبنة وراء الاخرى.
من السهل تحميل نتنياهو شفويا مسؤولية تفكيك الدولة والمجتمع والسعي بأي ثمن إلى البقاء في الحكم. صحيح أنه لا شك في أن الهمس في أذن الحاخام كدوري جعل اليسار «ينسى ماذا يعني أن تكون يهوديا». والذي كان يهدف إلى تعزيز التحالف بين نتنياهو والشرقيين المحافظين. من الواضح ايضا أن الكذب الذي روج له بكل وقاحة في الانتخابات بأقواله عن العرب الذي يتدفقون إلى صناديق الاقتراع بتمويل جمعيات اليسار، قد ساعده في تجنيد كتلة كبيرة من المؤيدين. وبالتالي اعادة احتلال رئاسة الحكومة. ايضا وقوفه، المتردد إلى حد ما، إلى جانب عائلة الجندي من اليمين الذي تتم محاكمته عسكريا بسبب قتله عدوا مصابا، عمق سيطرته الطبيعية على الاصوات في اوساط القطاعات الاكثر قومية في المجتمع الاسرائيلي. وذلك من اجل تذكير هذه القطاعات من هو الاكثر كراهية للعرب.
لكن سياسة التدمير الداخلية التي زرعها نتنياهو ويستمر في زرعها من خلال حوار الشرذمة والشقاق، الذي تحول منذ زمن إلى ميزة واضحة لـ «الأنا» الجماهيرية الخاصة به، لا يمكن تفسيرها بدوافع الاستفادة فقط. إن نتنياهو هو انسان عقلاني وواعي ومثقف. وبدون شك هو قادر على فهم أن تحريضه ضد اسحق رابين والهمس في أذن الحاخام كدوري قد أديا إلى العداء الداخلي مع اليسار إلى درجة غير مسبوقة. والى مستوى لم يكن حتى بعد قتل اميل غرينسفيغ.
من المفروض أن يكون نتنياهو يدرك، كشخص يفهم شيئا من التاريخ، أن حقيقة أن الجيل الشاب من العرب ـ الفلسطينيين الاسرائيليين ـ والذين سيكون خطاب الحافلات تجربتهم المدنية المفصلية، ستنقش في ذاكرتهم. ايضا فيلم اعتذاره الذي تقرر عدم نشره في صفحته في الفيس بوك سيحولهم إلى أعداء أكثر فأكثر لكل ما يتعلق بالاسرائيلية، الامر الذي قد يتسبب في المستقبل بتدهور العلاقات المدنية بين العرب واليهود إلى مستوى سفك الدماء.
إن نتنياهو يعرف بالطبع أنه عندما قام بالاتصال مع والد الجندي مطلق النار من اجل التضامن معه في الوقت الذي أعرب فيه قادة الجيش عن رفضهم سلوك الجندي، قد أنزل ضربة قاسية بصلاحيات قادة الجيش. وبهذا الشكل ستزداد من الآن فصاعدا عمليات الاعدام الايديولوجية ضد الأعداء المصابين رغم أنف القادة. لأن رئيس الحكومة بجلاله بعيد عن التنديد بأعمال كهذه.
على خلفية أنه لا يمكن الفرض أن نتنياهو يدرك مغزى وعمق الضرر الذي يتسبب به لأسس المجتمع والجيش والدولة في اسرائيل، يجب علينا الاعتراف بأن رئيس الحكومة الاسرائيلي لا يخشى من تدمير الرسمية الاسرائيلية. واذا كان رئيس الحكومة لا يخشى من تدمير رسمية الدولة بوعي، فلا مناص من الافتراض بأن رئيس الحكومة نفسه، بوعي وبدون وعي، قد يرغب في هذا التدمير.
يصعب التملص من انطباع أن غريزة التدمير لنتنياهو نحو كل ما يتعلق بالرسمية الاسرائيلية، قد رضعها من بيت الأب. ومن المعروف أن بن تسيون نتنياهو شعر مدى حياته أنه مصاب ومنبوذ من قبل ما اعتبره مؤسسة يسارية اسرائيلية. فهل يمكن أن يكون إبنه الذي تشرب في البيت احتقار الأب للنخب المؤسسة التي أقامت دولة اسرائيل، قام بالربط بين مباي الذي يكرهه وبين دولة اسرائيل بمؤسساتها وأسسها إلى درجة عدم القدرة على التمييز بين الامرين، حتى بعد أن تراجعت مكانة مباي التاريخية؟ هل يمكن أن يكون الابن لا زال يستمر في نضال الأب ضد الأرواح الشريرة للنخب القديمة، حيث يقوم بالضرب مرة تلو الاخرى وبدون تمييز كل شيء ما زال يحافظ على المجتمع والدولة الاسرائيلية من الداخل؟.
وسواء كان هذا أو ذاك، يبدو أنه بعد عقدين استطاع بنيامين نتنياهو خلالهما أن يحطم كل ما هو رسمي واجتماعي وسياسي في اسرائيل، حان الوقت للعودة والمصادقة على تشخيص المتوفى امنون لبكين شاحك عندما انضم في كانون الثاني 1999 لقيادة حزب الوسط المنسي: «نتنياهو هو خطر على اسرائيل، يجب أن يذهب». من الصحيح أنه لو ذهب نتنياهو، فليس متوقعا حدوث أي تغيير حقيقي في سياسة اسرائيل الخارجية والاحتلالية. ولكن ذهابه عن قيادة اسرائيل قد ينقذ المجتمع والدولة المتفككان بشكل كامل من الداخل. هذه هي المهمة القومية الاولى التي يجب أن يتجند من اجلها كل من هو معني بمستقبل الرسمية الاسرائيلية، في اليسار والوسط واليمين.

هآرتس 28/7/2016

مهمة اسرائيل القومية
نظرا لأن نتنياهو يدرك حجم الضرر الذي يتسبب به فهذا يعني أنه يريد إحداث التدمير
دمتري شومسكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية