أصيلة- من محمد جليد: كان السؤال هو السمة البارزة في أوراق المشاركين في خاتمة ندوات جامعة المعتمد بن عباد الصيفية، التي تمحورت حول «الرواية العربية وآفاق الكتابة الرقمية». وينفتح السؤال، في مداخلات أغلب المشاركين في هذه الندوة، على طبيعة الكتابة الرقمية وإشكالاتها وخصائصها وسماتها الأدبية والجمالية والفنية، الخ. إذ ما هي طبيعة الكتابة الرقمية؟ وهل تتشابه مع الكتابة المحمولة على الورق؟ وما هي شروط وآليات ما يسمى بـ»النص الترابطي»؟ وهل بإمكان الكتابة الرقمية أن تعيد كتابة الرواية التقليدية الورقية؟ وكيف تحمى حقوق الكاتب الرقمي؟ وهل يمثل الانتقال إلى السند الرقمي ثورة في الكتابة الروائية، وإبدالا جديدا في الأدب عموما؟
هناك الكثير من الأسئلة التي يطرحها هذا التحول الطارئ إلى العالم الرقمي، وكذا العديد من الأجوبة المتداخلة والمتشابكة حول إمكانات الإبداع التي تتيحها الكتابة الرقمية أمام الرواية العربية. فقد فتحت الثورة التقنية والتكنولوجية، حسب رأي الناقد شرف الدين مجدولين، «آفاقا واسعة للرواية العربية لتنتقل من الورقي إلى الرقمي، ومن الحسي إلى المفترض، لتصبح نصا مكتوبا بالضياء (بعد أن كان حبرا على ورق)…» وهنا يرصد الناقد سعيد يقطين خصوصيات الكتابتين المطبوعة والرقمية، حيث يرى أنه إذا لم تتم الإجابة عن سؤال كيفية دخول عصر الطباعة، لن يتأتى فهم الانتقال الجاري إلى العصر الرقمي. فالطباعة كانت، كما يقول يقطين، بمثابة ثورة على الشفاهة، لأنها قدمت النص بطريقة جديدة ومختلفة عن طبيعته الشفوية الأولى، حيث يشير المحاضر إلى أن الكتابة حاولت أن تنظم الشفاهة وفق خطية مضبوطة. فيما ارتبط ما يسميه يقطين بـ»الرقامة» بوسيط مختلف يكسر خطية الشفوي والمكتوب، ويضفي على النص بعدا ترابطيا. ومن جهة ثانية، يرصد يقطين التعثر الذي حدث على مستوى الانتقال من الشفاهة إلى الطباعة، موضحا أن الكتاب العرب مازالوا متأثرين بالخصائص الشفاهية، وأن الروائي العربي غير قادر على الانخراط في الكتابة الرقمية، فيما الروائي الشاب الواعي بهذه الخاصية الجديدة لا يملك تجربة وخبرة الكتابة الروائية التقليدية.
ولكشف بعض حيثيات هذه المفارقة، يتساءل الكاتب والناقد عبد الفتاح الحجمري: «هل على الأديب الرقمي أن يتبرأ من إبداعه السابق كلما تطورت التقنية الرقمية؟» وتزداد المفارقة حدة عندما يتساءل الحجمري عن عدد الروايات الرقمية العربية اليوم، وعن عدد قرائها. يجيب أنه لم يتقدم لمسابقة في الإبداع الرقمي، نظمها اتحاد كتاب الإنترنت العرب سوى عمل وحيد. يكمن جوهر الإشكالية، حسب رأيه، في الإطار الفلسفي الذي ينبغي أن يؤطر الكتابة الرقمية: «لا يمكنني أن أفهم جيدا وجود أدب رقمي من غير خلفية فلسفية؛ فهل تصلح النظريات السالفة لتكون معينة لي على فهم التحول من الرواية الورقية إلى الرواية الرقمية؟» مما لا شك فيه أن الكتابة تحررت أكثر مع انبثاق العالم الرقمي، كما يقول الناقد، كما ظهرت أشكال جديدة من الكتابة بفضل العلاقة بين الأدب والتكنولوجيا، رغم أن «هذا الأدب الروائي لم يؤسس نماذجه العليا بعد.» ومع أن النشر تحرر من الرقابة ولجان القراءة، إلا أن الأدب عموما، والرواية خصوصا، يحتاجان «لثقافة وخبرة تكنولوجية ومعلوماتية معينة»؛ أي أن لهذا الانتقال إكراهات وعوائق خاصة كذلك.
في هذا السياق، تفاعل الناقد اللبناني لطيف زيتوني مع جاء في مداخلة يقطين صراحة، ومداخلة الحجمري ضمنا، حيث يعتبر أن النص الشفاهي ليس خطيا، موضحا أن الرواية، أو حتى الحكاية الشفاهية، لا تسير وفق خطية مضبوطة، لأنه يفتح ذهن القارئ على نصوص سابقة، من روايات ومرجعيات نظرية ونقدية. وخاصية التشعب هذه تعتبر، حسب قول زيتوني، قديمة في النص الأدبي العربي، منذ «ألف ليلة وليلة» و»كليلة ودمنة» إلى آخر رواية. كما تسمح هذه الخاصية بتفاعل القارئ مع النص ومشاركته في التحليل والتأويل والنقد، بل وإعادة الكتابة.
ويتضمن النص الأدبي المخطوط والمطبوع معا أولى إرهاصات الرواية الرقمية، حسب رأي الناقد والروائي شعيب حليفي. ذلك أن هذا النص ينطوي، كما يرى، على آفاق تجريبية من حيث الشكل وتعدد طرائق الكتابة والتلقي. كما أن «سرديات الحاسوب»، حسب تعبير حليفي، تساعد الكتابة الروائية على إدماج التطورات التكنولوجية الراهنة، وتوسع دائرة التفاعل بين الكاتب والقارئ، ومعها تتسع آفاق النص المترابط. وهنا يتساءل المتداخل عما إذا كانت هذه التطورات التكنولوجية قادرة على إعادة كتابة الأعمال الروائية الورقية السابقة على حوامل رقمية، وعلى تحويلها إلى نصوص رقمية تستفيد من الصورة والمؤثرات الصوتية وتشكيل الألوان. إذ يرى حليفي أن الحوامل الرقمية بدأت تساعد الرواية على الانتقال من مستوى التداول التقليدي الثابت إلى مستوى التداول التفاعلي.
وينبه الباحث البحريني نادر حسن علي كاظم إلى أن مراحل الانتقال أربعة، وليست ثلاثة، كما جاء في المداخلات السابقة، وهي: الشفاهة، المخطوط، الطباعة، وأخيرا الرقمي. وأهم ما يميز المراحل الثلاث، حسب رأيه، محدودية انتشار المخطوط، وتجاوز المطبوع لنخبوية المخطوط وتوسيعه دائرة المعارف. أما مشكلات المطبوع، فهي تكمن في محدودية التخزين والتوزيع. وهنا، ينبه علي كاظم إلى الرقمي إلى أن الرقمي سمح بتجاوز المشكلة الأخيرة، بل والقضاء على سلطة الرقيب وتخفيض تكلفة الكتابة والقراءة. غير أن الرقمي مازال يعاني من محدودية الإبداع فيه، وضعف شكله، وضعف متابعته، الخ. كما يطرح أسئلة قانونية شائكة من قبيل: ها ما يتداول على الإنترنت مسموح به قانونيا؟ أم هو سرقة وقرصنة؟ أم هو خدمة للكتاب والكاتب؟ قد يكون المثال الأبرز للإجابة عن هذا السؤال، كما يقول المتدخل، هو رواية «عزازيل» للروائي المصري يوسف زيدان، التي طبعت نحو 300 ألف نسخة ورقية، بينما راجت منها ملايين النسخ الإلكترونية بطريقة غير قانونية.
تجدر الإشارة إلى أن الندوة شهدت مشاركة الناقدة التونسية جليلة الطريطر التي عالجت مسارات الكتابة الرقمية في الغرب، والناقد المغربي محمود عبد الغني الذي تناول الهوية الأدبية للكتابة الرقمية وأنماط الربح والخسارة فيها، وكذا الناقدة المغربية فاطمة كدو التي قدمت قراءة نقدية في الرواية الرقمية «ظلال العاشق: التاريخ السري لكموش» للروائي الأردني محمد سناجلة.