النزعات الانعزالية والانفصالية سبب للإصابة بـ «الانفصام التاريخي»!

مثل الأمراض النفسية التي تصيب الأفراد، وأخطرها مرض «الانفصام» المعروف بالشيزوفرانيا»، ويؤدي بالمصاب ليعيش بشخصيتين؛ كل واحدة لا علاقة لها بالأخرى.. وتُنكر الأولى تصرفات الشخصية الثانية، ومثلها أمراض تصيب الناس وتنتقل بينهم بتأثير أساطير وأوهام تاريخية؛ تتوارثها الأجيال، وتتعامل معها كوقائع وحقائق لا يرقى إليها شك.. ومنها مرض انتشر بين أوساط عربية؛ منها مصر ويُمكن تعريفه بـ«الانفصام التاريخي».. وهي أوساط لها سطوة في مجالات السياسة والحكم والمال والثقافة والإعلام والدين والتشريع والتعليم؛ ترى السلامة في عدم الأخذ بأسباب القوة، والركون لموجبات الضعف، ثم تدعي بغير ذلك؛ لكن تفضحها تصرفاتها، وتكشفها حقيقتها كظهير لكل ما هو ضار وفاسد. والمصابون بـ»الانفصام التاريخي» يتقدمون الصفوف في الفتن والاضطرابات والعنف والقتل على الهوية..
ويجد ذلك رواجا في هذه المرحلة، التي يجري فيها تنفيذ مشروع «الشرق الأوسط الكبير» أو الجديد؛ من أقصى «القارة العربية» إلى أقصاها.. وأسبابه ترجع إلى الألغام التي زُرعت في التربة الوطنية؛ وتغذيها قيم وأفكار وجهالات؛ تمثل زادا لتفجير الأوضاع في أي لحظة.
وقد أحدث تغييرا كبيرا على العلاقات الخاصة والعامة، فانقلبت المرونة والتسامح والاندماج والانفتاح إلى خشونة وانكفاء وتعصب وتنافر.. وشاعت القناعات الانفصالية والعقائد الانعزالية؛ وبعد ما كانت محدودة وهامشية احتلت موقعا مؤثرا بين هذه الأوساط.. ووجدت من النزعات الطائفية والمذهبية دعما وظهيرا قويا.. وكلها تلتقي على التمييز والتفرقة بين المواطنين.. وسبب كل هذا هو فقدان الثقة في النفس، وكراهية الانعزاليين والانفصاليين المتأصلة للعرب والعروبة؛ بتأثير الحقبة التركية العثمانية وما تركه الموقف الاستعماري الصهيوني الذي تلاها.. بجانب أن البنيان العقائدي للمتطرفين وجماعات العنف المسلح؛ بنيان يعادي التحرر والاستقلال والتنمية، ولا يقبل بالانتماء القومي والعربي.. ويقبل بالانتماء الأدنى؛ القبلية والمذهبية والطائفية.. وكلها تقريبا في صف التفتيت والتقسيم وإسقاط الدول!!.
والفرعونية والقبطية؛ نزعتان تلتقيان في طبيعتهما المنغلقة وتوجههما الانعزالي.. وكثيرا ما يسأل المرء نفسه؛ هل هي نزعة عِرقية؟ أم اعتقاد ديني؟ أم انتماء عرقي؟ أم تعبير عن هوية؟. ولهذا فإن الكتابة عن «القبطية» تحديدا لا تعني كتابة في الدين أو اللاهوت.. وما يُكتب هنا محاولة في كشف المسكوت عنه، والتنبيه إلى مَكْرِ التاريخ؛ في تعامله مع الذين يمارسون السياسة كعمل يُمكن تعليبه، ويتعاملون مع التاريخ كأحداث تعد سلفا حسب الطلب؛ بغض النظر عن السلامة الشخصية والوطنية والعدالة الاجتماعية والأمان النفسي.
والقبطية «ليست دينا ولا مِلة؛ كالمسيحية والإسلام، وتعتمد على الأسطورة.. والتاريخ مليء بالأساطير؛ تبدأ باسطورة «شعب الله المختار».. ولا تنتهي عند اسطورة «نقاء الجنس الآري»، وكلها لا تتوانى عن إضعاف كل كيان وطني، وتُفرق دمه بين القبائل السياسية المتنافسة، والطوائف الدينية المتناحرة، والجماعات المذهبية المتقاتلة؛ فيها من يمسك بالزمام في أكثر من بلد عربي وإسلامي.
وتعبير «قبطي» غريب وتحوير لأصل يوناني هو «أجيبتوس»، وينسبه البعض لاسم من أسماء ممفيس (منف)، عاصمة الدولة المصرية القديمة. وذلك لا يستقيم عند التدقيق في وقت وصول الاحتلال اليوناني واستخدام لغته، وزمن (منف)، والقرون الفاصلة بينهما، وغيرهم افتى بأنها مرادف للمسيحية، وهذا غير صحيح، وآخرون قالوا أنها كتابة تمثل الطور المتأخر من الكتابة المصرية القديمة؛ وهي الديموطيقية، ولم تكن في حاجة لحروف يونانية لتعوض ما بها من نقص.. ولماذا اليونانية؟ وليست اللاتينية أو الفارسية المتاحتان بعد انتهاء حكم الأسرات الفرعونية.. والفنون «القبطية» ليستا سوى فنون مقدونية وإغريقية مستنسخة!. ولا بأس من هذا في ذلك الزمان، لكن أن يتجمد التاريخ ويقف عند حقبة معينة، فهذا ما تقول به نظرية فرانسيس فوكوياما؛ عن «نهاية التاريخ».. والتاريخ لا ينتهي إلا بنهاية الحياة ذاتها..
و«الانفصام التاريخي».. ما زال منحسرا في دوائر الحكم والمال والأمن (البوليسي)؛ الساعية لطلب السلامة والأمان من خارج الحدود.. ومن النادر أن تراهن على المواطن.. ومن تابع «الهرولة» الرسمية صوب الدولة الصهيونية، فقد كانت طلبا للانقاذ المدفوع مقدما، وذلك أهم عوامل اتساع الفجوة بين هذه الدوائر والناس، وكَشْف المأزق الذي يعيشه المهرولون.. ولم تجد له حلا إلا بتمكين الدولة الصهيونية من رئاسة اللجنة القانونية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيتعطل دور اللجنة (المقيد أصلا) في الدفاع عن الحقوق السياسية والقانونية والاقتصادية للدول الأعضاء، وكان مسيئا للمجتمع الدولي، وهو يسلم قياده القانوني لكيان استيطاني؛ تأسس على الاغتصاب واحتلال الأرض، وارتكز على التمييز والفصل العنصري، وتم كل ذلك بمشاركة عربية وإسلامية؛ منحته ترخيصا بالاستمرار في تحدي القوانين والقرارات الدولية، ومواصلة جرائمه ضد الإنسانية.
وعلى نفس الدرب «هرول» رسميون ودبلوماسيون وأكاديميون وصحافيون عرب ومسلمون؛ لمؤتمر هرتزيليا للأمن الصهيوني؛ يتقدمهم سفيرا الأردن ومصر؛ مع خبراء وأكاديميين واقتصاديين وإعلاميين؛ أردنيين وفلسطينيين وخليجيين، ومنهم أعضاء من القائمة المشتركة بالكنيست. وشد وزير الخارجية المصري رحاله لزيارة نتنياهو في العاشر من الشهر الحالي، ولحقه رهط يقوده جنرال متقاعد، ورفقة رجال أعمال وأكاديميين وصحافيين إلى تل أبيب، التي لم تدع الفرصة تفلت منها، فأعلنت عن ترتيباتها لإرسال وفد من الكنيست (البرلمان) الصهيوني لزيارة المملكة العربية السعودية! وكلها علامات رضا وقبول بشراكة الدولة الصهيونية، وبـ»الشرق الأوسط الكبير» أو الجديد.. وانتهى هذا الانفصام التاريخي إلى خلع برقع الحياء الوطني والسياسي والأخلاقي!!
ويتدافع المصابون بـ«الانفصام التاريخي» ويتهيأون للالتحاق بـ«الشرق الأوسط (الصهيوني) الكبير»، وما الإضعاف العمد لجامعة الدول العربية، ووصول أحمد أبو الغيط لمنصب أمينها العام.. الذي يتحرق شوقا للارتفاع بوتيرة التعاون الصهيو عربي، ليكون أساس العمل العربي الجماعي في الفترة القادمة، ومن المتوقع أن تنضم تل أبيب لجامعة الدول العربية كمراقب.. وعلينا ألا نتجاهل «التطبيع الديني»، الذي بدأه الشيخ علي جمعة مفتي الديار المصرية السابق بزيارة القدس المحتلة، وتوافد حجاج الكنيسة «القبطية» عليها في عيد القيامة الماضي.. وكان ذلك محظورا أيام البابا الراحل شنودة الثالث، وذلك أزاح عقبة من طريق المشروع «الصهيوني»..
ولقد أصبحت الحاجة ملحة لمشروع بديل؛ يتوقف عليه وجود العرب أو اختفاؤهم. وقد أضحى قادتهم يخشون القوة والعزة والاعتماد على النفس والاستقلال، ويركنون إلى الضعف والمسكنة والاستجداء والتبعية. ولا يبقى في النهاية غير التعرف على المشروع الصهيو غربي كما وضعه أصحابه؛ قبيل بلورة «دليل عمل» للمشروع البديل.. الذي تطلق عليه الأدبيات الأمريكية «خريطة طريق»!!

٭ كاتب من مصر

النزعات الانعزالية والانفصالية سبب للإصابة بـ «الانفصام التاريخي»!

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية