لم يسبق أبدا لحركة وطنية شابة أن أخذت على عاتقها التزاما بحجم مشابه لذاك الذي أخذته الصهيونية على عاتقها في المؤتمر الصهيوني الاول الذي انعقد في بازل في 1897. في ذاك المؤتمر اتخذ القرار التالي: «تتطلع الصهيونية لأن تقيم للشعب اليهودي وطنا في بلاد إسرائيل، يضمنه قانون الشعوب».
لقد اعترف الصهاينة بضعفهم السياسي والمادي، ولكنهم كانوا واثقين بعدالة مطلبهم الذي قام على اساس القيم الكونية. ولهذا فقد قرروا بأن الحق في احقاق مبدأ حق تقرير المصير لشعبهم في وطنه ستحسمه الاسرة الدولية. وفهموا بأن السبيل الذي سيحقق فيه الشعب اليهودي حقه في تقرير المصير سيكون استثنائيا، وذلك لأن الأغلبية المطلقة من الشعب اليهودي تعيش خارج بلاد إسرائيل، حيث كانت أغلبية عربية ساحقة؛ ولكنهم لم يروا في هذه الحقيقة مسا بالعدالة الاخلاقية لتنفيذ هذا الحق للشعب اليهودي في ضوء تاريخه الاستثنائي والمأساوي.
بمقابلهم، فإن مؤيدي القومية الدينية المسيحانية، والذين هم شركاء مركزيون في حكومة إسرائيل الحالية، ويحاولون تثبيت شرعية الدولة اليهودية في كل اراضي بلاد إسرائيل الانتدابية على الوعد الالهي الذي يرد في الكتب المقدسة «التناخ»، يقوضون عمليا المفعول التاريخي، السياسي، القانوني والاخلاقي الذي في اساس الرؤية الصهيونية وفي اساس اقامة دولة إسرائيل. وتحقق سياستهم من شأنه ان يؤدي بإسرائيل إلى الفشل في اختبار «قانون الشعوب».
يمكن الجدال في مفعول نمط التفكير الايماني، ولكن لا يمكن تجاهل الضرر الذي يلحقه بمكانة إسرائيل في العالم. فمجرد طبيعة هذا النمط من التفكير، يمتنع المؤيدون له عن حجج مقبولة في منظومة العلاقات الدولية ويمكنها أن تؤدي إلى حل وسط. فمؤيدو النهج الايماني يعتمدون على فهم تضارب، يسمح لهم بحرمان الاخر من الشرعية ـ وهذا الاخر هو الفلسطيني، العربي، المسلم ـ ويؤدي بالطرفين إلى حرب دينية في صيغة «إما كل شيء أو لا شيء»، في ظل الافتراض الايماني بأنهم هم من سيفوزون ببلاد إسرائيل كلها.
ان المطلب الصهيوني بدولة يهودية في بلاد إسرائيل لا يحتاج إلى اقرار في نمط قول نائبة وزير الخارجية تسيبي حوتوبيلي «كل البلاد اعطانا اياها بارىء العالم». فمفعول المطلب الصيهوني يستند جيدا إلى جملة حجج قبلتها الاسرة الدولية بل وعملت عليها، لتبرير حقيقة ان «مبدأ تقرير المصير لم ينطبق على فلسطين» رغم الاغلبية العربية المطلقة التي تعيش فيه، «بسبب التطلع لاقامة وطن قومي للشعب اليهودي»، مثلما ورد في تقرير التقسيم في 1947.
ان المفعول السياسي ـ القانوني للمطلب الصهيوني مبني في ثلاثة مستويات: إعلان بلفور في 1917 منح الصهيونية اعترافا من بريطانيا، القوة العظمى التي احتلت الشرق الاوسط. ومع ذلك، كان هذا واحدا من سلسلة اعلانات تأييد. مثلا الاعلان عن الحكومة الفرنسية الذي اصدره في 1917 جيل كامبو، وقرر بأن «سيكون من العدل والتعويض التأييد، بمعونة القوى العظمى، احياء القومية اليهودية على تلك البلاد التي طرد منها قبل مئات السنين».
اعلان آخر كان للرئيس الأمريكي ودرو ولسون في 1920: «اقتنعت بأن الحلفاء، بالموافقة التامة من حكومتنا وشعبنا، تتفق على ان تقام في فلسطين اساسات لجالية يهودية».
اما المستوى الثاني فكان كتاب الانتداب في 1920، والذي منحته دول التوافق لبريطاينا في مؤتمر سان ريمو. وكان المستوى الثالث والحاسم هو الاقرار بالاجماع لكتاب الانتداب في عصبة الأمم في 1922.
ان الاعتراف بالحق الطبيعي للشعب اليهودي في تقرير المصير استمد قوته من ان اليهود الموزعين في ارجاء العالم اعترفت بهم الاسرة الدولية كشعب واحد. بمعنى، كجماعة ذات مزايا مشتركة من التاريخ، اللغة والثقافة الوطنية، وانها ليست طائفة دينية تؤمن بالعهد القديم. وقد صدر الاعتراف الدولي رغم حقيقة أن هذه المسألة كانت موضع خلاف في الحياة العامة اليهودية نفسها، كما يثبت اعلان نشرته الجالية اليهودية في لندن في 1917 في «التايمز» وأعلنت فيه بأن «اليهودية ليست قومية، بل دين فقط». ولاحقا كتب العرب في الميثاق الوطني الفلسطيني: «اليهودية كدين سماوي ليست قومية ذات وجود مستقل، كما ان اليهود ليسوا شعبا واحدا… بل هم مواطنون في الدول التي ينتمون اليها».
في كتاب الانتداب شددت الاسرة الدولية على المفعول التاريخي للمطلب الصهيوني. ففي سياق القول العربي الذي ظهر في صيغة لاحقة من الميثاق الفلسطيني، بأن «الادعاءات بشأن العلاقة التاريخية او الروحانية لليهود بفلسطين، لا تنسجم وحقائق التاريخ»، تجدر الاشارة إلى أنه في كتاب الانتداب جاء: «يصدر في هذا اعتراف بالعلاقة التاريخية للشعب اليهودي بفلسطين، وبحقه في اعادة اقامة وطنه القومي في هذه البلاد».
فضلا عن ذلك، شددت الاسرة الدولية في وقت لاحق في تقرير التقسيم بأنه «اعلان بلفور ام كتاب الانتداب تضمنا التزاما دوليا بالشعب اليهودي بعمومه». أي ان الجاليات اليهودية في ارجاء العالم تنتمي كلها إلى شعب واحد، نفي من بلاده وله حق في العودة اليها واعادة اقامة دولته المستقلة فيها. وقد صدر الالتزام لكل الشعب اليهودي، وليس فقط لـ 80 الف يهودي الذين كانوا يعيشون في حينه في بلاد إسرائيل.
لقد عادت الاساسات الصلبة للمطلب والرواية الصهيونيين ليشكلا أداة يستخدمها دافيد بن غوريون في اعلان الاستقلال في ايار 1948. فقد اختار التشديد على أن الحركة الصهيونية نجحت في اختبار قانون الشعوب وعليه فان الدولة اليهودية تقام بفعل ثلاثة حقوق: «بفعل حقنا الطبيعي والتاريخي وعلى اساس قرار جمعية الأمم المتحدة».
«الحق الطبيعي» للشعب اليهودي هو حق تقرير المصير المحفوظ لكل شعب؛ «الحق التاريخي» ينبع من العلاقة التاريخية بين الشعب اليهودي وبلاد إسرائيل؛ وإلى جانب هذين الحقين كان الحق الذي يستند إلى الاعتراف والتأييد من الاسرة الدولية. وادراج الحق الثالث في اعلان الاستقلال لم يتح إلا بعد جدالات عنيدة مع هرتسل روزنبلوم، ممثل الاصلاحيين، الذي عارضه.
ان مؤيدي القومية الدينية ـ المسيحانية لا يريدون ولا يمكنهم ان يتبنوا النهج الذي يقوم على اساس «قانون الشعوب» لأن الاسرة الدولية اعترفت في لاحق السنين ايضا بمطالب العرب. ففي 1923 أقرت عصبة الأمم اخراج شرق الأردن من نطاق انطباق اعلان بلفور حسب المادة 25 من كتاب الانتداب، وسمحت باقامة مملكة عربية هناك (شرق الاردن). وفي 1947 حسمت الأمم المتحدة، في قرار التقسيم، باقامة دولة عربية إلى جانب الدولة اليهودية، لان «الفرضية الاساس خلف مشروع التقسيم هي المطلبان بفلسطين، سواء من العرب ام من اليهود، وكلاهما ساريا المفعول ولا يمكن تسويتهما الواحد بالاخر. ومن بين كل المشاريع التي طرحت، فإن التقسيم هو الاكثر عملية… وهو سيسمح بتلبية بعض المطالب والتطلعات القومة للطرفين».
منذ 1988، السنة التي اعترفت فيها «م.ت.ف» بقرار التقسيم (181) وبقرار مجلس الامن في الأمم المتحدة 242، اتخذت في الأمم المتحدة وفي منظمات دولية اخرى قرارات عديدة تعترف بالمطلب الفلسطيني الرسمي لإقامة دولة في خطوط 1967. وكان ذروتها في 29 تشرين الثاني 2012، حين اعترفت 138 دولة بـ «م.ت.ف» كدولة فلسطين في خطوط 1967.
تسعى حوتوبيلي إلى تعزيز موقفها القومي ـ الديني، باقتباسات عن الحاخام يهودا اشكنازي، الذي قال انه «اذا صار اليهود مقتنعين بعدالة طريقهم امام العالم، فانهم سيتدبرون أمرهم». ويعبر نفتالي بينيت رفيقها في الحكومة، عن رأي مشابه ويدعي بأننا «سنعود» العالم على ضم المناطق «ج»، هضبة الجولان وشرقي القدس.
ولكن بغياب القدرة على مواجهة حقيقة فإن الاسرة الدولية تعترف بالمطلب الفلسطيني واكثر من نصف الإسرائيليين يؤيدونه، يتطرف مؤيدو الفكرة القومية ـ الدينية ـ المسيحانية في مواقفهم. ويدفعهم فشلهم ويأسهم إلى العمل على سلسلة طويلة من القوانين الجديدة، التي تحمل مؤشرات الفاشية ما بعد الحرب العالمية الاولى: العسكريتارية، مناهضة الثقافة، كراهية الغريب، قمع الفرد، قمع النساء والمثليين، حرب خالدة، اتهام محبي السلام بالخيانة، استغلال الازمات الاجتماعية وغيرها.
ان تعاظم هذه المؤشرات في المجتمع من شأنه ان يجعل الاحداث القاسية والشاذة التي شهدناها في السنوات الاخيرة، مثلما في قصرة (حيث شهد سكانها هجمات شارة الثمن في دوما (احراق منزل عائلة دوابشة) وفي الخليل، خبز قوانيننا. إذا ما سمح المجتمع الإسرائيلي ـ اليهودي باستمرار وجود هذه المؤشرات، فإنه سيلغي بكلتي يديه المفعول الاخلاقي الذي قامت عليه الدولة. فهو سيفقد تأييد الاسرة الدولة لوجود «وطن قومي للشعب اليهودي في بلاد إسرائيل»، لأنه خرق الشرط الواضح لهذا التأييد، والذي شدد عليه في كتاب الانتداب: «لا يجرى أي شيء من شأنه ان يمس بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية».
بينيت، حوتوبيلي، زئيف الكين، ميري ريغف، بنيامين نتنياهو، جلعاد اردان، يريف يفين وآخرون يجب ان يعترفوا بأن الشعب اليهودي لا يحتاج إلى ادعاءات دينية ومسيحانية بشأن الوعد الالهي كي يحصل على اعتراف دولي في حقه في دولته في بلاد إسرائيل في حدود معترف بها.
ان الادعاءات التي يجب تكرارها ليست تلك التي ترى بالشعب اليهودي شعبا مختارا، علويا على الشعوب الاخرى، وان البلاد وعد بها من بارىء العالم، بل ـ بروح التواضع والاخلاق اليهودية ـ الادعاءات القانونية، السياسية، التاريخية والاخلاقية التي نجحت في اختبار «قانون الشعوب».
يجب ان نعلم بأن هذه الحجج سارية المفعول فقط إذا ما اعترفنا بكونيتها وبحق الحركة الوطنية الفلسطينية بدولة خاصة بها ـ والتي اعترف بها هي ايضا في «قانون الشعوب». اما تجاهل الحل الوسط اللازم والاعتراف المشترك والمحاولة اليائسة للتمسك بـ «حقيقة» مريحة لجهة واحدة فقط فتدحر إسرائيل إلى خارج حدود الاخلاق الكونية وتلفظها من أسرة الشعوب.
شاؤول أرئيلي
هآرتس 29/7/2016
صحف عبرية