الثقافة النفسية تحد من إنتشار العنف

حجم الخط
0

لندن «القدس العربي»: فيديوهات متداولة عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل يتفنن أبطالها في تعذيب الضحية ويتم تصوير الجرم عمدا. أشخاص يتلذذون بقتل البشر ويخططون بشكل دقيق لإيقاع الأذى بأكبر عدد من الضحايا، فمن هؤلاء وكيف يفكرون وما هي الدوافع التي تؤدي بهم إلى الاستهتار واللامبالاة؟ وهل للعنف المنتشر بين الأطفال والشباب علاقة بالإضطرابات النفسية والصدمات المتكررة منذ الصغر؟
«القدس العربي» طرحت هذه التساؤلات على مختصين وعلماء نفسيين لمعرفة المزيد عن العنف كسلوك شاذ أصبح ينتشر بشكل مقلق ومخيف متجاوزا كل الحدود الآدمية.
د.وليد خالد عبدالحميد رئيس رابطة الأطباء النفسيين العرب في بريطانيا قال لـ«القدس العربي»:
العنف حسب تعريفه، جزء من التركيب النفسي للشخص مثلما تقول نظرية فرويد مؤسس علم التحليل النفسي، هناك قوتان داخل نفس الإنسان واحدة تدعى بغريزة الموت والأخرى غريزة الحياة.
غريزة الموت ترتبط بالعنف، وعادة في الحياة الطبيعية تكون غريزة الحياة متغلبة لكن في حالات معينة خاصة في الحروب وفي الحالات الشخصية عندما يكون الإنسان غير قادر ان يحقق ذاته ممكن ان تتحول غريزة الموت إلى قوة وعنف توجه إلى الذات كالانتحار أو للآخرين من خلال العنف والتعذيب والقتل. للأسف نحن نمارس نوعا من التربية التسلطية والعنيفة وبالتالي ننقل العنف إلى أطفالنا، وتتشكل الهشاشة النفسية عند الطفل ويفقد قدرته على التفكير بالمراكز العليا من الدماغ ويبدأ بالتفكير بالمراكز السفلى بطريقة إندفاعية وغير محسوبة.
ويؤكد د. عبدالحميد ان المرض النفسي لوحده ليس مسببا للإجرام أو العنف، والمريض النفسي ليس بالضرورة ان يكون عنيفا، وان هناك دراسات أثبتت أن العنف عند المرضى النفسيين لا يزيد عنه لدى مرضى السكري أو الصرع. مضيفا ان المشكلة تكمن في عدم تشخيص وعلاج المرض مما يحدث إضطراب لدى الشخص المريض قد يوجه العنف في داخله توجهات مختلفة من خلال إيذاء نفسه والآخرين، والغالبية العظمى من المرضى النفسيين يوجهون عنفهم إلى أنفسهم بايذاء النفس أو الانتحار.

الصدمة المعقدة

وعن هجوم ميونخ الذي نفذه شاب يبلغ من العمر18 عاما قال: من المحتمل ان يكون قد تعرض لصدمة المعقدة. فحالة الشاب في ميونخ توضح انه تعرض منذ الطفولة إلى إضطهاد في المدرسة مثل العنف الجسدي أو اللفظي، وتراكم هذه الصدمات منذ الطفولة تدعى بالصدمة المعقدة.
أما في بلادنا فقد كانت هناك أنظمة ديكتاتورية تهين المواطن فيسلط غضبه على أولاده وزوجته، تراكم هذه الصدمات يؤدي إلى الصدمة المعقدة التي تجعل الشخص يفكر بطريقة ما تحت القشرية، فالدماغ مؤلف من جزء داخلي وفيه جزء خارجي يسمى قشرة الدماغ وخصوصا الجزء الجبهي منه فكل ما يخص التفكير والتخطيط موجود هناك، الإنسان الذي يعاني من صدمات الطفولة يصاب بالصدمة المعقدة ما يجعله يفكر بمناطق الدماغ ما تحت القشرية وهي عملية تجعل الإنسان يفقد إمكانية السيطرة على المشاعر والاندفاع والتسرع، والذاكرة تتأثر وتقل امكانية فهم الذات والعلاقات الاجتماعية حتى أنظمة المعاني التي ترتبط بالمفهوم الروحي والإيمان بالدين تنعدم.
ويرى ان الدول الإسلامية والعربية فيها مفاهيم جديدة وأنظمة لم نعرفها في تاريخ الإسلام وكل ذلك بسبب «الصدمة المعقدة» التي مع الأسف قسم منها مسؤول عنه الأنظمة القمعية وقسم منها يتعلق بأسلوب التربية التسلطية والعنيفة داخل البيت خصوصا في المجتمع العربي وكلها عوامل تسبب هذه الصدمة.
وهو يعتبر ان الثقافة النفسية جزء من الثقافة العامة وهي مهمة جدا في الوقاية من الأمراض النفسية وفي العلاج.
مشيرا إلى انه في بريطانيا بدأ تدريس العلاج السلوكي المعرفي في المدارس للأطفال لمساعدتهم على التغلب على المشاكل النفسية المختلفة وهناك دروس للأزواج الجدد الراغبين في الانجاب تعلمهم كيف يتعاملون مع أطفالهم. أما نحن وللأسف الشديد فلدينا ثقافة معادية نراها من خلال السينما والمسلسلات والبرامج التلفزيونية تعطي معلومات خاطئة دائما عن الأمراض النفسية ومسبباتها وأشكالها.

الحوار المجتمعي

أما أ.د جمال التركي رئيس ومؤسس شبكة العلوم النفسية العربية من مدينة صفاقس في تونس والأمين العام لإتحاد الأطباء النفسيين العرب فقال «لا توجد علاقة بين المرض النفسي والعنف لكن هناك علاقة بين العوامل النفسية والمجتمعية والأسرية والسياسية والعنف».
مذكرا بالثورة التونسية حيث كان المواطن يعيش ضغوطا متنوعة على جميع المستويات خاصة القمع السياسي والاستبداد حتى وصل إلى مرحلة الإنفجار، بسبب التراكمات التي كانت موجودة أصلا قبل الثورة والتي لم تظهر معالمها نتيجة القمع، وبعد الثورة إنكشف الغطاء وإنكشف المجتمع على حقيقته وظهرت كل المشاكل وهذا لا يخص المجتمع التونسي فحسب، بل هو موجود في كل المجتمعات التي عاشت التغيير.
مضيفا ان أسباب انتحار الأطفال متنوعة في تونس أهمهــــا البؤس الاجتماعي فهناك صعوبات على مستوى المعيشــة اليومية والتعليم والتربية وغياب الرعاية على قواعد سليمة واســــتغلال الأطفال والعنف ضدهم فبعـــد الثــــورة المجـــتمع فقد التماســــك وبدأت النـــاس تطــالب بالحرية والعدالة الاجتماعـــية ومـــرت تونس بصعوبات على المستوى الأســـري والاقتصادي هـــذه الصعوبات تجعل شخصية الطفل هشة بدون رعاية كافــــية فيبدأ ببعض السلوكيات كالعنف المرتـــد على الذات وبالتالي يتعلم التلقيد وكيف يختـــلي بنفسه ويحاول الانتحـــار لإنهــاء حياته.
نحن نعيــــش فترة انتـــقالية لها سلبياتها فهناك حالة من الغليان تسود مجتمعاتنا تؤدي إلى العنف بكل أشكاله وصوره.
لكن د.التركي يعتبر الانتحار بين الأطفال في تونس حالة شاذة مؤكدا أن هناك تضخيما إعلاميا لهذا الأمر.

الثقافة النفسية

وعلى صعيد الجهود المبذولة لنشر الثقافة النفسية بين الفئات المتضررة يقول د.التركي: أصدرنا العديد من الدراسات التي تساعد المرشدين النفسيين على رعاية ضحايا الصدمة، فنحن نعاني في العالم العربي من فقر كبير جدا على مستوى الكوادر المهتمة برعاية ضحايا الصدمة، لكنا نجحنا إلى حد كبير من تخفيف الإنتكاسات السلبية للصدمة وما نقوم به محاولة بسيطة جدا. نعاني من صدمات متتالية ويوم تستقر الأوضاع في الدول العربية فسوف نستفيق على واقع مهول من الإضطرابات النفسية.
نحن في حاجة إلى جيش من النفسانيين حتى نتصدى إلى الصدمات التي لو تركت لسنوات فسيصعب بعدها علاجها وتكون غير قابلة للتحسن، نسعى إلى ان تكون الثقافة النفسية كبعد أساسي في الثقافة بصفة عامة، فهي مفهوم مغيب في الثقافة العربية نحاول إدراجه في الثقافة العربية. يجب ان تكون هناك مظاهرات تحسيسية لأهمية الثقافة النفسية وانا اعتبرها حجر الزاوية لكل إبداع علمي أو أدبي أو ثقافي أو تربوي فلا إبداع ثقافي في غياب الصحة النفسية.

اللياقة النفسية

وأشار إلى ضرورة الاهتمام بـ»اللياقة النفسية» قائلا: هناك معايير نقيس بها اللياقة النفسية في مجتمع معين، والدراسات تبين ان اللياقة النفسية للمواطن العربي في أدنى درجاتها، وهذا يؤدي إلى البؤس والشقاء النفسي وإلى هشاشة البنية النفسية والشخص الهش من ناحية التكوين النفسي والتربوي والعقائدي هو شخص يسهل برمجة أفكاره ومن الممكن ان يقع ضحية للأفكار المتطرفة ويكون عرضة أكثر من غيره للبرمجة الدماغية.
أهم شيء بالنسبة لنا هو رفع مستوى اللياقة النفسية للمواطن العربي من خلال ادخال بعد الثقافة النفسية كأساس في الثقافة العربية ونحن نهمل هذا البعد، نحتاج إلى برامج خاصة للتوعية النفسية في المدارس والمعاهد لابد ان نشتغل على مستوى القاعدة الأساسية حتى في رياض الأطفال، البعد النفسي لابد ان يدخل في تكوين الطفل العربي منذ نشأته في المدرسة والبيت ووسائل الإعلام وهذا البعد مهمش وغير موجود.

التوازن النفسي

ويضيف ان البعد الديني هام جدا لتحقيق التوازن والصحة النفسية وهام أيضا ان يعمل علماء النفس مع علماء الدين لتحقيق الاعتدال فنحن نعاني من استغلال الدين من طرف فئات تطرفت في أفكارها وبرمجت أدمغة الناس.
كما ولابد من تفكيك الفكر المنغلق والاستبدادي الأبوي التسلطي ونحاول جاهدين صياغة رؤى جديدة في الشخصية العربية التي فيها الكثير من الإيجابيات لكن من الضروري تخليصها من الشوائب السلبية مع احترام الخصوصية الثقافية لمجتمعانتا.

الثقافة النفسية تحد من إنتشار العنف

وجدان الربيعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية