الرباط ـ «القدس العربي»: لم تحل حرارة الشمس المفرطة التي قاربت 50 درجة مئوية في مدينة سيدي قاسم بالمغرب دون التئام مجموعة من عشاق أب الفنون الذين لبوا بكثافة دعوة منظمي الدورة الثانية للمهرجان الدولي للمسرح، المنعقدة ما بين 19 و23 تموز/يوليو.
واستطاعت الدورة أن تجعل مدينة سيدي قاسم في دائرة الاهتمام الثقافي والإنساني، وهي التي تحالفت عليها صعوبة الطقس مع سياسة التهميش، كما لو أن المدينة تتعرض لعقاب قاس من لدن المسؤولين المغاربة، رغم موقعها الاستراتيجي كنقطة وصل ما بين مناطق البلاد المختلفة. فهي محرومة من مشاريع التنمية الشاملة، رغم ما تتوفر عليه من مؤهلات طبيعية واقتصادية.
وبما للمسرح من قدرة على تحقيق اللقاء وتفجير للمسكوت عنه، التأم خلال الدورة الثانية لمهرجان سيدي قاسم المسرحي الدولي فنانون من المغرب وفرنسا والسعودية والجزائر وليبيا والعراق، حيث شهدت الدورة تقديم العروض المسرحية التالية المندرجة في إطار المسابقة الرسمية:
«ريق الشيطان» لفرقة صرخة الركح من تمنراست بالجزائر، تأليف عبد الله حسين فالح وإخراج عبد القادر عزوز.
ـ «الرجل الفنار» لفرقة بريدة المسرحية من المملكة العربية السعودية، تأليف محمود أبو العباس وإخراج أحمد الحسن.
ـ «STABAT MATER FURIOSA» لجمعية Les fées Caramelles من فرنسا، تأليف جان ـ بيير سيميون وإخراج سيلفي غيسنون.
وخارج المسابقة، قدمت فرقة مسرح الحال عرضا جديدا لمسرحية «الهياتة» من تأليف حسن مجاهد وإخراج عبد الكبير الركاكنة، كما قدمت فرقة نور الديجور مسرحية «غزل» تأليف وإخراج عبد الخالق بلفقيه، بينما عرضت فرقة «دارنا داركم» مسرحية «وداعا أيها الطيب» اقتباس وإخراج عبد اللطيف نحيلة.
وحفل الافتتاح، الذي حضره العديد من المثقفين والفنانين وفي مقدمتهم الفنان محمد الجم وعدد من المنتخبين المحليين وممثلي السلطات الإقليمية، شهد تكريم الكاتب المسرحي المسكيني الصغير، حيث قدم الإعلامي والناقد المسرحي شهادة تحدث فيها عن دور المحتفى به في إثراء حركة التأليف والتنظير المسرحي بالمغرب، من خلال نصوصه العديدة، وتنظيره المعروف بـ»المسرح الثالث»، علاوة على إسهاماته المهمة في مسرح الطفل. واعتبر المتدخل المسكيني الصغير أحد المثقفين المغاربة المعروفين بمواقفهم الشجاعة والصريحة والمؤمنين بالقضايا العادلة المتمثلة في الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية ومختلف القيم المتصلة بحقوق الإنسان.
سؤال التأليف
وفي إطار فعاليات المهرجان، أقيمت أيضا ندوة فكرية في موضوع «سؤال الكتابة المسرحية اليوم»، أدارها عبد الخالق بلفقيه (مدير المهرجان الدولي للمسرح بسيدي قاسم)، وعمل عبد السلام لحيابي مقررا لها. وأوضح المسكيني الصغير أن الحديث عن الكتابة المسرحية يفترض رؤية ينطلق منها الكاتب، بناء على مرجعيات فكرية واجتماعية واقتصادية، مما يتيح وضح مجموعة من التساؤلات المقلقة التي تحدد خطاب الكاتب ضمن النص المسرحي. وأشار إلى أن النص المسرحي الحقيقي هو الذي يحترم تقنية الكتابة، لدى العديد من الكتاب المسرحيين الملتزمين بالقضايا المعيشة للإنسان. كما لاحظ وجود تنميط في بعض النصوص المسرحية التي تبتعد عن هموم الإنسان المغربي، وختم مداخلته بإثارة الانتباه إلى غياب السياسة الثقافية في المغرب.
بعد ذلك، قدم الكاتب والمنظر المسرحي الدكتور عبد الكريم برشيد مداخلة تحدث فيها عن صعوبة الكتابة المسرحية اليوم، مؤكدا أن لا أحد اليوم يجرؤ على فعل الكتابة للمسرح، لدرجة أن الكثير من المسرحيين تحولوا إلى الإعداد والترجمة والاقتباس وإلى ما أسماه «المختلسات» و»المسرقيات»، بدعوى الانفتاح على الآخر. وقال: أخوف ما نخافه هو أن تتفاقم هذه الصعوبة، وأن تصبح في درجة المحال، وبذلك تصدق نبوءة بعض المتنبئين الذين روجوا إشاعة موت الكاتب أو موت الكتابة. وأضاف قائلا إن فعل الكتابة لا يمكن أن يكتمل إلا بالقراءة، والكاتب لا بد له من جرأة، وأن يكون على يقظة، فقد صار من الضروري اليوم أن نطرح حاضر ومستقبل الكتابة المسرحية.
الكاتبة والفنانة المسرحية الليبية سعاد خليل أشارت في مداخلتها إلى أن الكتابة المسرحية تعتبر من أهم العناصر في العمل المسرحية، ملاحظة وجود قلة في الكتاب المسرحيين الذين يجيدون الكتابة المسرحية بحبكاتها الدرامية بشكل مدروس وعميق، خلال السنوات الأخيرة في العالم العربي.
وحاول الإعلامي والناقد المسرحي أن يميز في مداخلته بين أنواع الكتابة المسرحية التي قسمها إلى: الكتابة الركحية (السينوغرافيا)، الكتابة بالجسد (الكوريغرافيا)، الكتابة النصية (التأليف). وذكر بأن النص المسرحي ارتبط تاريخيا بالمسرح منذ بداياته الأولى، ومن ثم لا يمكن إلغاؤه، مشيرا إلى أن هناك مخرجين عربا يسعون إلى «قتل الأب» بإلغاء المؤلف والنص المسرحي، وتعويضه بالاشتغال الشكلي والبصري. ونفى وجود أزمة تأليف مسرحي، حيث قال: في المغرب مثلا هناك ذخيرة متنوعة من النصوص التي يمكن الاشتغال عليها من لدن الفرق المسرحية.
حين فتح مجال المناقشات، تدخل الباحث أسامة السروت الذي تبين له انطلاقا من المداخلات المقدمة أن الكتابة المسرحية تنحو نحو فكرة أن هناك أزمة كتابة، والحقيقة ـ كما قال ـ أن هذا التخوف لا محل له، حيث إن المسرح أبو الفنون، وهو فن متمفصل، فهو عرض، وبالتالي فمهما تطورت الفرجة المسرحية يبقى أساسها نص أو على الأقل فكرة.
مبارك آيت القايد، حاول في تدخله أن يثير تعدد سؤال الكتابة المسرحية، موضحا أن هذا السؤال مطالب ـ في رأيه ـ أن يتفاعل مع الواقع العربي والإسلامي، وبالتالي يتعين البحث في النص المسرحي عن مدى قدرة الكاتب على تجسيد رؤية يقارب بها الأسئلة المقلقة المرتبطة بالواقع المعيش وبأفق انتظار الجمهور الذي يشاهد العرض المسرحي.
أما الفنان المسرحي محمد صوصي علوي فركز مداخلته على المقارنة بين حال الكتابة المسرحية المغربية اليوم وحالها الأمس، مشيرا إلى أن الحركة المسرحية خلال السبعينيات والثمانينيات أفرزت مجموعة من الكتاب المسرحيين البارزين أمثال عبد الكريم برشيد والمسكيني الصغير ومحمد مسكين ومحمد تيمد ومحمد الكغاط وغيرهم؛ معتبرا أن الهواية كانت هي المحرك الأساس لأولئك المبدعين.
المخرج السينمائي العراقي سفيان ميرزا المقيم في ألمانيا قدم صورة عن المسرح في هذا البلد الأوربي، حيث أصبح العرض المسرحي استعراضيا، يكاد يغيب فيه النص.
أما المخرج والممثل أمين ناسور فقدم مجموعة من التوضيحات حول طبيعة تعامل طلبة وخريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي مع النصوص المسرحية، نافيا أن تكون هناك أية قطيعة بين هذا الجيل الجديد من المسرحيين وبين المؤلفين المسرحيين المغاربة.
الجوائز
ضمت لجنة تحكيم الدورة في عضويتها كلا من الدكتور عبد الكريم برشيد (رئيسا) والكاتب والإعلامي (مقررا) والفنانة الليبية سعاد خليل والفنان العراقي سفيان ميرزا المقيم في ألمانيا (عضوين).
بعد تقييم الأعمال المسرحية المشاركة في هذه الدورة، ارتأت اللجنة ما يلي:
ـ جائزة التشخيص إناث: الممثلة وهيبة باعلي من الجزائر عن دورها في مسرحية «ريق الشيطان» لفرقة صرخة الركح.
ـ جائزة لجنة التحكيم الخاصة: جائزة خاصة للممثل أحمد الحسن من السعودية عن دوره في مسرحية «الرجل الفنار» لفرقة بريدة المسرحية..
ـ جائزة الإخراج: عبد القادر عزوز من الجزائر عن مسرحية «ريق الشيطان» لفرقة صرخة الركح.
ـ جائزة الأمل التشجيعية: فرقة Les fées Caramelles من فرنسا.
ـ جائزتا التأليف والسينوغرافيا: ارتأت لجنة التحكيم حجبهما لعدم استيفاء الأعمال المسرحية المقدمة للشروط الإبداعية المؤهلة للحصول عليهما.
أنشطة مختلفة
بموازاة مع العروض المسرحية، أقيمت عروض لفرق مسرح الشارع وفرق الفنون الشعبية، وورشات تدريبية لفائدة مجموعة من الشباب المسرحي، بالإضافة إلى لقاءات مفتوحة مع فنانين مسرحيين وتوقيع كتب مسرحية لعدد من المؤلفين المغاربة وتنظيم زيارة استطلاعية لموقع وليلي الأثري.
الطاهر الطويل