جاهل ومهرج خطير أو سياسية غير نزيهة وليست جديرة بالثقة

حجم الخط
0

واشنطن ـ «القدس العربي»: لا يمكن البقاء في حالة إنكار وتجاهل للأخبار السيئة، دونالد ترامب سيفوز في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية وفقا لتوقعات الكوميدي الجاد ميشيل مور، وهو يقول بعصبية :»هذا المهرج الجاهل الخطير المعتل سيكون الرئيس القادم للولايات المتحدة لمدة أربع سنوات». ولا يمكن الاتكاء على فرضيات تدحض هذا الاحتمال مثل القول، ان القاعدة الانتخابية من الملونين والنساء لا تسمح باختياره، أو افتراض ان المواطن الأمريكي لن ينتخب شخصا لا يعبر عن مصالحه.
المخيم الانتخابي لترامب تمكن من إقناع العديد من الناخبين الأمريكيين بأن «الرئيس» ترامب هو فرصتهم الأخيرة لاستعادة الحلم الأمريكي، وهو الوحيد القادر على تنظيف «البيت الداخلي»من الأوباش وحمايتهم من الإرهابيين والمهاجرين غير الشرعيين الذين يسرقون وظائفهم. وقد ظهر ترامب منذ الحملة الانتخابية مثل ماكينة غاضبة تنثر التعليقات الفاحشة على القضايا المثيرة للجدل وبطريقة تبتعد تماما عن المألوف في عقيدة الحزب الجمهوري، حول القضايا الأساسية مثل الرعاية الصحية والضرائب والتجارة الحرة والهجرة. وفي حملة غير تقليدية، لامس ترامب مشاعر طبقة واسعة من الأمريكيين الذين يعتقدون ان لا صوت لهم، أو ان المؤسسات السياسية والإعلامية في البلاد قد خانتهم، إضافة إلى حثالة من العنصريين الذين لا يفهمون سوى خطاب الكراهية.
ما الذي يثير الإعجاب حقا في شخصية ترامب إلى حد تفضيله على الآخرين واختياره كرئيس للبلاد وفقا لرؤية قاعدة عريضة من الشريحة الانتخابية الأمريكية؟ الإجابة واضحة، فهو بالنسبة إلى أنصاره رجل صارم في السياسة ولكنه لا يكترث بمعايير «الصواب السياسي» إلى درجة تصل إلى عدم وجود لياقة دبلوماسية وهي صفة تجذب المواطن الأمريكي كالمغناطيس، يحمل رسالة قوية تطالب بجعل «أمريكا عظيمة مرة أخــــــرى» وسط تعب وسخط الجمهور من تراجع مكانة الولايات المتحدة في العالم، وهو صــادق لا يخجل من طرح أفكاره وواقعي يدرك المشاكل. ومن بين الأوراق الرابحة في شخصية ترامب ان لا خلفية سياسية له، ما يعني قدرته على الوفاء بوعده بشأن تغيير الحكومة، لأنه لا يدين لأحد بما في ذلك جماعات الضغط وغيرها من جماعات المصالح بأي شيء، وعلى حد تعبير العديد من أنصاره فإن تمتع ترامب بوازع الضمير قد يعوض عن قلة خبرته السياسية ويعطل بذلك الصورة النمطية الشائعة عن الرؤساء الأمريكيين.

أولويات ترامب

وأولويات ترامب التي طرحها في حملته الانتخابية تنسجم تماما مع مشاعر ورغبات الشعب الأمريكي، حيث قال منذ البداية ان أمريكا ستكون على رأس أولوياته فوق البلدان الأخرى، وبالتأكيد فإن تاريخ ترامب في مجال الأعمال عمل لصالحه، فهو مليونير ناجح قد عمل بجد لتحقيق ما يريد على مر السنين. وكسب ترامب الكثير من أصوات النساء لأنه دعم توظيف النساء في شركاته بنسبة تزيد عن الشركات الأخرى وسمح لهن بالحصول على مناصب قيادية، وفي الواقع، ترامب هو المرشح الوحيد لمنصب رئيس الولايات المتحدة ولا يحتاج هذه الوظيفة، فنجاحه خارج السياسة معروف بعائدات سنوية تقدر بأكثر من 250 مليون دولار، وفي طبيعة الحال فإن المال لن يكون عاملا للخوف في معاركه المستقبلية.
وفقا لاستنتاجات مور، فإن ترامب سيفوز لعدة أسباب منها، تركيزه على أربع ولايات هي ميشغان وأوهايو وبنسلفانيا وويسكونسن، وهي ولاية موالية للحزب الديمقراطي المنافس ولكنها في الوقت نفسه انتخبت حاكما جمهوريا، في حين تميل معظم ولايات الوسط والولايات الحمراء الموالية تاريخيا للحزب الجمهوري لصالحه. وعلى حد تعبير مور فان مقاومة الرجال من ذوي البشرة البيضاء لانتخاب امرأة سيكون عاملا مؤثرا في الانتخابات، لأن الذكور لا يريدون فقدان السيطرة على السلطة بعد 240 سنة من الحكم على البيت الأبيض لصالح هيلاري كلينتون.
الأهم من ذلك كله، ان المشاكل المحيطة بهيلاري كلينتون نفسها قد تكون سببا لإتجاه الناخب، نحو انتخاب ترامب أو الامتناع عن التصويت، فسجلها غير النزيه في حرب العراق عبر تصويتها لصالح الغزو كان خطأ فادحا لا يمكن تجاهله، وهو إشارة بالتأكيد على رغبتها في المستقبل في الانخراط في مغامرات عسكرية، وهناك اعتقاد واسع بين الناخبين ان كلينتون غير جديرة بالثقة وانها غير نزيهة وانها تمثل الطريقة العتيقة في السياسة، وهناك بالطبع تأثير أنصار بيرندي ساندرز على مجرى الانتخابات، فهم ما زالوا يعيشون في حالة سخط من عدم نجاح قائدهم أمام كلينتون ويشعرون باكتئاب مزمن قد يؤدي إلى عدم الذهاب لصناديق الاقتراع.

المشهد الانتخابي

التقييمات السابقة الذكر التي تعمل لصالح ترامب، في الواقع، لا تعكس الصورة الكاملة للمشهد الانتخابي في الولايات المتحدة، إذ صدرت تعليقات من مسؤولين أمريكيين كبار من بينهم الرئيس باراك أوباما تفيد ان ترامب لن يفوز قطعيا في الانتخابات الرئاسية، هذه التعليقات الحاسمة بشكل مذهل لا يمكن ان يجازف باطلاقها قادة بحجم أوباما إذا لم تكن هناك قاعدة صلبة لهذا الاستنتاج. وعلى سبيل المثال، لا يستطيع ترامب الفوز في الانتخابات الرئاسية إلا إذا حصل على أصوات قطاعات واسعة من فئات انتخابية لا تناصره مثل الأمريكيين من اصول لاتينية أو افريقية أو فئات الأقليات والذكور أصحاب الشهادات العليا، من ذوي البشرة البيضاء، وعلى الأرجح، لن يصوت هؤلاء بنسبة حاسمة لصالح ترامب.
هنالك استنتاج معروف لدى الخبراء يفيد ان الفائز في انتخابات الرئاسة يكون عادة الأفضل حالا في توحيد صفوف حزبه والمواطنين عامة وراء حملته، فالمرشح الديمقراطي مثلا بحاجة إلى توحيد العمال من ذوي الياقات الزرقاء والليبراليين من سكان الضواحي وأصحاب الدخل العالي، وفي السياق الجمهوري، الفائز هو المرشح الذي يوحد المحافظين الجدد في السياسة الخارجية والاقتصاد والشؤون الخارجية وهي صفة لا تنطبق على شخصية ترامب المتهم في إثارة الانشقاق في صفوف حزبه وصفوف الشعب الأمريكي.
ويعتقد الكثير من الأمريكيين وفقا لاستطلاعات الرأي، ان ترامب غير مؤهل لمنصب الرئاسة بمن في ذلك نسبة غير قليلة من الناخبين الجمهوريين لعدة أسباب، من بينها عدم خبرته في العمل السياسي، ومن الملاحظ هنا ان قدرة ترامب على الفوز في انتخابات عامة محدودة جدا، وعلى الرغم من تحسن أرقام استطلاعات الرأي لصالح ترامب ضد كلينتون، إلا الأرقام الخام ليست بهذه الأهمية حسبما قال العديد من الخبراء، لأن التحليل السليم لقدرة ترامب على الفوز يأتي من مقارنته مع السباقات الرئاسية التي خاضها غيره من الجمهوريين وخاصة رامني في الانتخابات الأخيرة.
الناخبون الأمريكيون يعيشون بالفعل في مأزق تاريخي أمام السباق الانتخابي للبيت الأبيض، ولا يمكنهم تجاهل حقيقة مفزعة هي ان عجلات المركبة ستنفجر فجأة في الطريق، وستحدث ضجة وربما يسقط العديد من الجرحى، وعلى الأغلب ستتعطل حركة مرور الولايات المتحدة إلى المستقبل، فالخيار سيئ للغاية بين جاهل يتقن الهرطقة ووزيرة سابقة غير جديرة بالثقة.

جاهل ومهرج خطير أو سياسية غير نزيهة وليست جديرة بالثقة
الناخبون الأمريكيون في مأزق تاريخي: الاختيار بين عنصري
رائد صالحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية