محمد… بشار…حسن….. وخالد… ما سر الشمس التي تشرق من محيا كل بطل منكم وهو يتلو علينا في زهد الصديقين آخر وصايا الوداع ؟، ما سر الفجر الآسر المنسكب من عيونكم شلالات عشق وأنهار طهرٍ وخشوع؟،… في أي نهرٍ من طهرِ وعبيرٍ غسلتم أرواحكم المسكية ؟، ومن أي سماء بعثتم سفراء إلى أرضنا وظللتم سماوات حزننا السرمدي في حب وإشفاق عظيم ؟،أتراها انكسارات السجود في ناشئة ثلث الليل الآخر بين يدي الله المجيد حين تهجع الدنيا ولا تهجعون…. هي التي منحتكم كل هذا الجمال الخاشع الندي ؟ وكل هذه القوة الكاسحة!!
أتراها هي من كتبت في عيونكم كل قصائد الحب الصامتة ،التي نذرت صومها عن البوح الا عندما تحين اللحظة المجيدة ،ذاك انها تفقد سحرجمالها،إن نطقت قبل الأوان أو أريقت مداداً لا دماً!، أو نبست بغير بنت البندقية وفرق بين البندقية والشفة!!!
أتراها هي التي تجمعت أنهار خمر نرشفها ظامئين من وهج عيونكم ، ونغيب في سكرتها الأخاذة عن كل آلام منافينا ومخيمات لجوئنا ومدن أحزاننا وسيناءات عروبتنا الممتدة لؤماً لا طوى فيها ،في دول الطوق والتطويق التي تغلق في وجهنا الطريق ؟؟!، لا نار من جانب طور ٍ! ،ولا جذوةً من شهابٍ قبس ٍ لعلنا نصطلي بها من برد غربتنا، فسيناءات عروبتنا ليس فيها الا اثنتا عشرة عيناً انفجرت سهرا على أمن قبائل اسرائيل ، تمنع عنا البنادق ليعلم كل قطيعٍ منها مشربه من دمائنا الزكية ، وتهدم أنفاقنا جزاء وفاقا على شجاعة صبرنا تحت الحصار!
أتراها فعلا تراتيل الليل تلك التي تجمعت كالغيم الصامت المحملة بأحلامنا الذابلات على قارعة الوطن والمثقلة بالحزن المقدس وبراكين الغضب المكتوم …. ثورةً…وثأراً في عيونكم ؟…. تتجهز لشتائها…لتبرق أرواحكم بعد طول انتظار ، ويكاد سنا برقها يذهب بالابصار؟!! ،وتشق حجب الغيب عن جندٍ من ملائكة الله تأتي مدداً لكم وتشتبك مع القرية التي كانت حاضرة البحر(عسقلان) ؟. ذلك الرتل المدجج بالسلاح من ملائكة الله التي ادمنت من قبل صوت ترتيلكم الآسر يشق سكون الليل المهيب ،ويمخر عباب السماء ،ويعرج إلى سدرة منتهاها، يزور جنة المأوى فتتنادى لتنصت في جذلٍ وعشق…لترتيل تسكبون به شهد أرواحكم أنهاراً من عسل ٍمصفى ،وجناتٍ تجري من تحتها أنهارٌ من عبرات الشوق إلى الله…..،تنصت لنبض قلوبكم كأنه الرصاص يتلو آيات الكتاب المجيد!
فتأتونهم من حيث لم يحتسبوا ، من قعر البحر بعد أن تصلوا لله راكعين تحت مياهه! فتمطرونهم موتاً وتشبعونهم ذلا …معلنبن نبأكم العظيم : أن قد حانت مواعيد السماء ولحظة العقاب ومواسم شتاء من جحيم على رؤوس الشياطين في زيكيم!! ، فارضين عليهم قواعد الاشتباك الجديدة، اذ تأتيهم حيتاننا يوم سبتهم شرَعاً لتصطادهم لا ليصطادوها!!
هي ذي موعظة الثار البليغة… قد وصلتهم مطراً من قنابل وألقت عليهم درسها الدقيق عن الفرق بين قوات نخبة فلسطين وقوات النحبة في قطعانهم المذعورة المذهولة امام بأس مجاهدينا، والفرق أبعد من النقطة الساقطة عمدا كرؤوس جنودهم الجبناء الخاوية!..
وتحرقهم صواعقكم المرسلات بهولها في يوم الظلة العظيم فتجعلهم كعصف مأكول ، كما أحرقوا ملاك فجرنا غصننا النضير محمد ابو خضير …يوم جمعتم رماده الأخضر في أكفكم العامرة بالقوة ،وجمعتموها قبضة واحدة وأقسمتم على الثار لعينيه المغمضتين تحت دخان الحريق ذائبا على ايدي مجرميهم في عشق صلاة الفجر التي كان متوجها لها في طرقات القدس، وأرسلتم بحر دموع أمه جحيما مدرارا عليهم.
حسن الهندي رحمه الله يصرخ مصدووما من جبنهم أمام بركان شجاعته الدافق، وتتسلل روحه بعد الاستشهاد لرؤيا يراها ابنه عدي الذي يقص على أمه أن أباه مات على شاطئ البحر وأنه أتى وأطعمه فواكه، ليأتي نبأ استشهاده بعد ساعات، فاحتضنت وسادتها وأرسلت لذكرى مسك رجولتك الدافقة دموعها مكاتيب غرام وعشق، وتذكرت وهي تشرب دموعها لماذا عندما التصق قلبها بقلبك ذاك المساء هرع قلبها راكضا خلف قلبك الدافئ في ذلك العناق الأخير لكأنما نزعته من بين اضلعها ، ولماذا عندما رشفت خمر ريقك في تللك القبلة تخيلت خيط الدم من فمك، وعندما تحسست بيدها الناعمة المرتجفة وجهك الملائكي أحست بخشونة حبات رمل البحر على جانبه…وتحسست مجرى غدير دمك المسكي قبل ان ينفجر نبعه! وأجهشت ببكاء لم تفهم كنهه ودفنت رأسها في كهف صدرك!! وانغرست فيه كخنجر غاص في قلبك، فابتلعت آهات تلك الطعنة الوردية و مسحت شعرها بأناملك الحانية كطفلة أوت اليك فابت أن ترفع رأسها لتنظر في وجهك أو تفيق من حلمها الجميل، لكأنها فهمت أن نبضات قلبك تعزف آخر ألحان الوداع فذاب قلبها في قلبك كيما تستطيع انتزاعه، وتشبثت بقميصك المسكي بعد أن تسمرت يداها عليه، فضممتهما باردتين في دفء كفيك حتى تركته طوعا ورفعتَ وجهها ونظرتَ سريعاً نظرة تحقيق في عينيها وأنت تمثل الدور باقتدار وتكدح ضد دموعك، كيما تهتز أمام هذا الزلزال العظيم الذي ضرب بصمت أرض قلبك فأسكنته بصمتك الجبار وقلت لها : وهل يورث عناق العشاق كل هذه الدموع !! ألن تتركيني أذهب، وأشحت بوجهك سريعا كيما تنال دموعها التي زادتها جمالا منك ضعفا!، وتروي عينيك من عينيها حيث اعتادت سفن روحك الرسو على مرافئهما المضاءتين كقمرين في ليل بهيم، وحفظتَ كل تقاسيم وجهها وادخرته للجنة ومضـيت!
أما محمد جميل رحمه الله والذي عاش حياته على خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان له من اسمه نصيب فهو محمد جميل!! فيتلو وصيته قاصا قصة حياته القصيرة، قصة الأربعة وعشرين ربيعاً وردياً رياناً ، قضاها بين دفتي القرآن المجيد ، مصابرا ًعلى وجد عشقه، للحظة العبور إلى السماء، وملخصا في بساطة فطرته النقية التقية قصة النجاح المجيد في عمليته النوعية، موجها وصيته في كلمات تدل على شجاعة ضميره وعمق التزامه بجرح الوطن المحتل (إلى عمالقة الالتزام الصادق.. إلى كل المتمسكين رغم كل المفرطين..إلى فرسان الحق والقوة والحرية: إنني أكتب وصيتي وانا في خندق المقاومة وبجانبي رشاشي ينتظر المعركة وهو مشتاق إلى ضرب الصهاينة ،إن أهم خطوات النصرأن لا تنام الليل الا وأنت تنظر وتفكر بالوطن وبشعبك!
ولمسجد الكنز… مكانه الشرقي الذي انتبذه من دنيانا، والذي بنى فيه قدس روحه الشاهقة وألقها ،وهي تتفتح كالورد على نداءات الشروق، كلمات وداع ٍ آسية حبس في صبر ورجولة صامدة دموعه خلفها: ( إلى شباب مسجد الكنز..سامحوني أنا مقصرٌ في حقكم… تالياً في بلاغة العارفين بالله سطراً عميقاً يلخص فيه استقلال طريقه إلى الله (أعوذ بالله من كبوة الجواد ومن سـقطة اللسان ومن زلة العـالم )!!
أما خالد الحلو رحمه الله فجل حياته في المحراب :(ها أنا أغادراليوم هذه الدنيا.. وانا أوصيكم يا من عمرتم هذا المسجد بصلاتكم وتعليمكم القرآن، بأن تستمروا على هذا الطريق، وأن تربوا الأجيال القادمة على طريق القرآن، وأوصي إخوتي في المقاومة بمواصلة التدريبات).
وأما آخر الأقمار بشار العابد : فيعلن أنه رحل من دنيانا منذ زمن:( أقدم روحي رخيصةً في سبيل فلسطين الحبيبة ومن أجل الأسرى الذين يذوقون كأس المرار على يد الصهاينة الذين يعيثون في الأرض الفساد ،ولا يفهمون إلا لغة الدم والشهادة انا لا أقيل ولا أستقيل فالصفقة مستمرة ولا رجعة فيها، ولقد أخذتها صفقةً ماضيةً وانتهى الأمر ، ومضى عقدها ولم يعد إلى مرد من سبيل! )
ها إننا على طرقات لجوئنا البعيدة الشُقَة نتتبع في لهفة ظامئةٍ سحر طريقكم الماسي، ونعرج خلف أرواحكم الشاهقة، فتنفتح أبواب الجنة مشرعات ويعبق الكون بالندى ويعلو صوت الملائكة : ان سلامٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين.
في ذكرى شهداء عملية زيكيم البحرية خلال معركة العصف المأكول في الحرب الاسرائيلية على غزة في 8/7 / 2014.
غادة الشاويش