روسيا تتلمس الطريق نحو تركيا بعد مرحلة الانقلاب الفاشل

حجم الخط
0

■ تتطلع روسيا بهواجس وآمال لمرحلة ما بعد الانقلاب الفاشل في تركيا، بين أن تمهد انعكاساته الطريق لتفعيل العلاقات مع انقرة لما يخدم المصالح الروسية، أو سيخلق المتاعب والصعوبات امامها.
وهناك مخاوف من أن الانقلاب الفاشل قد يربك خطط موسكو وواشنطن في تسوية النزاع السوري. فقد زار وزير الخارجية الامريكية جون كيري روسيا في 15 يوليو واجتمع مع وزير الخارجية لافروف والرئيس فلاديمير بوتين، وطرح «المقترح الامريكي الأخير» بشأن سوريا. والآن يمكن أن يؤدي تفاقم عدم الاستقرار وتغير المسار في تركيا إلى نسف جميع الاتفاقات بين موسكو وواشنطن.
وأثار الانقلاب الفاشل في تركيا اجواء جديدة ستكون لها تداعيات ليس على الوضع الداخلي في البلاد، وانما على علاقاتها الخارجية بما في ذلك مع روسيا، التي وضعت اولى الخطوات ورسمت خريطة طريق وسيناريوهات المرحلة المقبلة ، بعد اعتذار اردوغان لبوتين في 27 يونيو، ولكن الانقلاب ألقى الظلال على خطط موسكو وهي بعد في مرحلتها الجنينية.
ولدى الخبراء بروسيا عدة خيارات لتفسير محاولة الانقلاب التي وصفها الرئيس رجب طيب أردوغان بانها جاءت «هدية من الله»، نظرا لأن التمرد، حسب رأيهم صب في صالح تعزيز مواقعه. ولكن السبب الرئيسي كما يراه غالبية المحللين الروس – هو الاستياء من سياسة الرئيس تجاه المؤسسة العسكرية وتهميشها في صناعة القرار. ففي غضون 60 عاما كان الجيش في تركيا يتحكم بالسياسة الداخلية ويدعم التقاليد العلمانية الموالية للغرب. وفي النصف الثاني من القرن العشرين، قام الجيش بأربعة انقلابات عسكرية (1960، 1971، 1980، 1997)، ووقف إلى جانب المجتمع المدني وضد الخروج على المبادئ الدستورية التي وضعها منذ 100 عام تقريبا مؤسس تركيا الحديثة، وأول رئيس لها، كمال أتاتورك. وفي كل مرة، يسلم الجيش، في نهاية المطاف، السلطة للسياسيين المدنيين.
وتثار اليوم في موسكو العديد من التساؤلات عن آفاق العلاقات مع انقرة وإمكانيات التعاون، وما سيكون عليه الدور التركي المقبل، الذي ستلعبه في الشؤون الاقليمية، ولاسيما في النزاع السوري ووسط اسيا وشمال القوقاز، وهل ستسلم لموسكو المطلوبين من اقطاب الحركة الانفصالية الشيشانية، الذين لم يوقفوا انشطتهم التي تهدد الاستقرار في شمال القوقاز، حقا دون نجاح. وهناك من يتحدث عن أن تداعيات الانقلاب ستضعف القدرات العسكرية التركية، وان اردوغان في هذه الحالة سيتخلى عن المشاريع بعيدة المدى، بما في ذلك تنفيذ سيناريو اجتياح الشمال السوري واقامة منطقة عازلة لاحتواء تحرك التشكيلات الكردية التي تمثل الجناح العسكري للهيئة الكردية العليا، فأردوغان يدرك الان أن الجيش التركي غير جاهز الان لخوض معارك كبيرة في سوريا بما ذلك مجابهة القوات الحكومية السورية المدعومة من قبل ايران وروسيا وحزب الله والمليشيات الشيعية الاخرى، ولا ضد الدولة الاسلامية والتشكيلات الكردية المسلحة.. وهناك توقعات تشير إلى أن سياسة اردوغان ازاء سوريا ستكف عن أن تكون حجر عثرة امام التحرك الروسي هناك، وقد يمنح روسيا الحق باستخدام طيرانها قاعدة «انجرليك» وممرات في الاجواء التركية. وما يدلل على ذلك اتفاقه مع الرئيس الايراني حسن روحاني على اجراء لقاء نهاية العام الحالي، ومع الرئيس بوتين في مطلع اغسطس، حيث سيناقش مع الرئيسين موضوع تسوية النزاع السوري.
وتستقبل موسكو بحذر ما تردده القيادة التركية بما في ذلك أردوغان نفسه عن أن الانقلابيين هم الذين نفذوا عملية اسقاط القاصفة الروسية في اجواء سوريا في نوفمبر الماضي، وان هدفهم كان تعكير اجواء العلاقات بموسكو، فضلا عن أن محافظ اسطنبول قال إن من بين اهداف الانقلابيين كان التصعيد مع روسيا وعزل تركيا. أن كل هذه البيانات تحمل في طياتها لهجة التودد للكرملين وكسبه لصالح القيادة التركية في الوقت العصيب الذي تمر به، ولا يستبعد أن اردوغان يرسل بذلك اشارات للغرب لكي لا يتعجل بحرق الجسور مع انقرة، وان لا يواصل حملته ضد اردوغان الذي يمكن أن يغير خيوله لمواصلة مسيرته ونهجه السياسي. ويذهب بعض المحللين الروس ايضا إلى أن سبب الانقلاب يرجع إلى هبوب رياح الدفء في العلاقات الروسية ـ التركية التي كما يبدو لم تجد الارتياح لدى بعض القوى الدولية والاقليمية.
وتتطلع موسكو إلى الخطوات التي سيقوم بها اردوغان في مرحلة ما بعد الانقلاب وان كان سيسعى للعثور على لغة تفاهم مع الرئيس بوتين، ومع دمشق والرئيس بشار الاسد. وترددت انباء عن اردوغان ارسل مبعوثيه إلى دمشق الذين حملوا رسائله إلى الرئيس السوري. وهل تنجح موسكو في اقناع اردوغان بالغاء اصراره على عدم مشاركة ممثلي اكراد سوريا في مباحثات التسوية السلمية في جنيف، مما سيعطيها مشروعية اكثر، وهل ستتوقف القوات التركية عن ضرب العمق السوري، وتكف عن مغازلة الجماعات الناشطة في سوريا التي تعتبرها موسكو ارهابية كالدولة الاسلامية وجبهة النصرة واحرار الشام وجيش الاسلام، التي لم تلتزم بالهدنة المعلنة، وتوقف التعاون معها.

٭ كاتب عراقي

روسيا تتلمس الطريق نحو تركيا بعد مرحلة الانقلاب الفاشل

د. فالح الحمراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية