عرقنة النص السردي في «سواقي القلوب» للروائية إنعام كجه جي

حجم الخط
0

اختطت الكاتبة إنعام كجه كجي لنفسها أسلوبا أدبيا في كتابة السرد (السيروائي) يعتمد الحكائية، والسرد في كتابة الرواية، جعلها تمتلك تلك البصمة السردية التي تميزها عن الآخرين، من خلال تناولها لموضوع الإنسان، من الزاوية التي يسميها ميلان كونديرا (استكشاف الحياة الداخلية للإنسان) بطريقة سردية، يمتزج فيها المزاج مع اللغة، ليؤلف نصا سمته المميزة بالنسبة للقارىء والناقد هو الـ Iraqization أو (العرقنة) بما توفره له الكاتبة، من خصوصية محلية، تجتمع فيها المفردة والمزاج وطبيعة الشخصية.
تتشكل الرواية من عدة عناصر هي:1- السيرة الذاتية 2- الوثيقة 3- المسرحية 4- الفيلم السينمائي5- الرسائل 6- الكلمات.
واستنادا إلى هذه العناصرعمدت الروائية إلى تقسيم نصها السردي، إلى مجموعة قصص. تجمعها ثيمة مشتركة واحدة هي (Nostalgia ) الحنين المفرط إلى الماضي، والخوف من عدم إمكانية العودة إلى ما كان. وعبرت عن ذلك بما سمته بـ«حمامات الحنين».
وكانت هذه القصص أو الخطوط كما يسميها ميلان كونديرا التي تمثل مستويات أو طبقات النص مرتبطة بأشخاص بذاتهم كما في:
كاشانية: التي تبدأ من الصفر، في سرد سيرتها الذاتية، التي ليست لها علاقة بسيَّر الآخرين. وبقالب قصصي أقرب إلى الحكائي (إسمي كاشانية بنت الصائغ ميساك سمَّاقيان) وبطريقة عفوية ومن دون ترتيب مسبق، وتلبية لإلحاح زمزم لحاجته إلى هذا النوع من القصص السيَّري. تقدم كاشانية حياتها بطريقة مفتوحة فيها الكثير من الصدق، ولا تترك الروائية، كاشانية تدير كفة السرد بطريقتها، أو تسترسل معها في الحكي فتعمد إلى أسلوب القطع السينمائي.
ومع السرد الشفاهي لكاشانية، تتكشف الكثير من الوقائع ذات الصلة بالموروث الشعبي العراقي، وبما يتصل به من قيم وتقاليد، كانت سائدة حتى وقت قريب، مثل التعايش السلمي الاجتماعي، بين الطوائف والقوميات المختلفة «تعهدتني وأنا بنت أشهر، امرأة موصلية مسلمة تدعى أم شيت» وهذه العلاقة التي طرفاها أم شيت المسلمة، وكاشانية الأرمنية المسيحية، لا تطرحها الروائية هنا بطريقة مقالية، بقدر ما هو استكشاف لأعماق شخصية كاشانية، إن التأريخ الشخصي، أو السيرة الذاتية لكاشانية، التي سنكتشف لاحقا أنها تحمل الهوية الفرنسية، ولقب كونتيسة، بالإضافة إلى هويتها الأرمنية الأصيلة، وهويتها العراقية، تعمل بالإضافة إلى وظيفتها الحكائية والسردية، كعامل محوري، تنطلق من خلاله الروائية في تقديم نصها السردي، ليس كشخصية روائية، بل فضاء مكاني، عندما جعل من شقتها بؤرة مركزية، تنطلق منها الأحداث والحكايات الأخرى.
الشخصية الثانية المهمة في النص، هي شخصية زمزم (حنقباز السماوة) كما يطلق عليه السارد، القادم من الفرات الأوسط /السماوة، وهي شخصية تبدو للوهلة الأولى وكأنها شخصية مسطحة بعفويته في بداية ظهوره، تنمو بطريقة سلبية، بتفاعلها مع المؤثرات الخارجية لتصل حد القطيعة مع الواقع، رغم الطبيعة الطيبة التي تغلف شخصيته، يبدو بعيداً كل البعد عن الطريقة التي يعتاش بها باقي أفراد المجموعة، التي هي مزيج من الضغط السيكولوجي والانكسار الروحي والشعور العالي بالخيبة والإحباط.
لكن محنته تبدأ مع شطبه من لائحة المبعوثين للدراسة، وتوقف الدولة عن دفع منحته المالية، ثم إنذاره بضرورة العودة إلى الوطن خلال فترة لاتتجاوز الشهرين، ثم يحدث الانقلاب الكبير في حياته مع فصله من الحزب، الذي يدخله في دوامة من الضياع والانفصال عن محيطه الذي ينتمي إليه، المجموعة وبيت الخاتون، تقوده إلى حالات من الوسواس القهري، حين يتخيل أن ريشا أخذ ينبت على جلده. لتتطور في ما بعد إلى نوبات من الهلع تطارده في منامه وصحوه، وتبدأ مرحلة خطيرة في تحولات مصيره. في مواجهاته المباشرة والسافرة مع رفاق الأمس وزملاء الدراسة في الاتحاد، ثم تحدث الفاصلة الأهم في حياته، عند سماعه نبأ استشهاد شقيقه الأوسط في الحرب، التي تكون مدخلا لنوع من المصالحة مع الحزب، وأركان السفارة العراقية في باريس، حينما يسهلون له مهمة تجديد الجواز والسفر إلى العراق، للمشاركة في عزاء شقيقه. مع شخصية سراب، أو روزا سمعان، نحن إزاء شخصية مركبة، تكاد تكون مختلفة عن باقي شخصيات النص، رغم ضيق المساحة التي تمنحها لها الروائية، خارج المفهوم الاصطلاحي لرولان بارت (التضافر) أي شخصية ناتجة للخطاب السردي وليس مُنتجة له، في حين يفاجئنا الخط التصاعدي للشخصية بحقيقة لم يكن في مقدور القارئ معرفتها، دون أن تكون هي ذاتها المعلن عنها، بعيدا عن عالِمية السارد، مثل تأريخها الشخصي، اسمها الحقيقي، نشاطها الأيديولوجي، تقودها ثقافتها ودراستها في الجامعة الأمريكية، إلى تلمس الطريق العقائدي ليكون معبّرا عن كينونة شخصيتها، كمناضلة ماركسية ضد السلطة الديكتاتورية، بعد هروبها إلى شمال العراق، ثم اللجوء إلى باريس عبر الكويت، كمحطة أخيرة في حياتها القصيرة،وما يبهر في هذه الشخصية، هو الغموض الذي يغلف شخصيتها من الخارج، مع التقدمة القصيرة التي يقدمها بها جبرا (عراقية، حلوة، مثقفة وحرة) أو إشارة الباهي محمد المحذرة (حذار من الاقتراب منها) ففي هذه الجمل والعبارات، ليس هناك ما يكشف عن خفايا هذه الشخصية، ثم نتعرف عليها بعد ذلك بطريقة متدرجة، إنها في سن الأربعين، تعيش قطيعة مع الماضي ومستقلة، أما المشاهد الحسية التي كانت تقترب من الإيروتيكية، أو ما يسميه بارت (نص المتعة) في تصوير لحظات الانغماس في نشوة التمتع والاستغراق في اللذة، فلقد مارست الروائية نوعا قصديا من الرقابة الصارمة، وحرصاً على تقديم تلك المشاهد، على أنها محاولة من السارد للاندماج الكلي مع سراب، على أنها المعجزة التي ستنتشله من واقعه السيء، حيث التسكع والوحدانية، وطغيان (الأنا) المستنفرة على الدوام، لكل ما يشعره بالخيبة، لتتحول تلك الممارسة الغريزية إلى ما يشبه إعادة الخلق، وتحقيقا لنبوءة الباهي في تحذيره منها، تسقط ضحية الداء الذي تمكن من صدرها، لترحل بعد أن تودعه آخر أسرارها، اسمها، وبعض مما تعرضت له على يد رجال الأمن، قبل مغادرتها العراق.
شخصية ساري/ساره. تختلف عن باقي شخصيات الرواية، أولا كونه شخصية مثلية، وهي شخصية نادرة في السرد العراقي، وثانيا لأنه يعتبر امتداداً لشخصية أخرى خارجية، نجوى عشيقة السارد، المتخفية وراء شخصية ساري أو ساره، سواءً بالحضور الشفاهي، في المحاورات القصيرة، بين الابن والعشـــيق السابق، أو من خلال الرسائل، أو الاتصالات الهاتفية، التي تعيد ولو الجزء القليل من سيرة العلاقة التي كانت تربطهما، والتي كان انتهاؤها، وابتعاد نجوى سببا من الأسباب التي ساهمت بلجوء الشخصية الرئيسية إلى باريس.
وشخصية ساري/ساره شخصية نامية أو متطورة، سواء على المستوى العضوي، بعد تحوله من ذكر إلى أنثى، أو على المستوى الفكري، مع تغـــيّر اهتمامـــاته من اهتمامات أنثوية سطحية، بمكياج وإكسسوارات وأصباغ، إلى تفتق ذهني عميق يلبي متطلبات علاقته مع أصدقائه في المجموعة، خصوصا الشخصية الرئيسية/السارد. والشخصية بالإضافة إلى استقلاليتها، فهي امتداد لقصة ثانوية أخرى تعتبر جزءا مهما من النص، وهي قصة نجوى أم الشاب ساري، الذي يصل إلى باريس بعد اتصال من الأم وتوصية أن يعتني به، ويساعده في مسعاه للعلاج مما يعاني منه، من مثلية جنسية، تسبب له أزمة نفسية ومشكلة اجتماعية بالنسبة للأم. وقصة ساري مع بدايتها القريبة من حس الفكاهة التي ميّزت فصول النص، إلا أنها لا تخرج عن الجو العام للنص (الشعور بالخيبة والهزيمة الروحية) وإن ابتعدت عنها في ثيمتها الرئيسية الـ«Nostalgia ».
ما يميز كتابات إنعام كجه جي هو الاهتمام بالطابع المحلي لأجواء النص الخاصة والعامة. وتقديم نصوص سردية تكون مقاربة للروح العراقية، إن لم تكن نسخة منها، بمعنى أن أي قارئ لنص من نصوص إنعام لن يجد أي مشقة في التعرف على أن هذا النص عراقي الشكل والمضمون، فنحن إزاء شخصيات محكمة النضوج والكمال فيما يسميه اليكس ميكشللي (المشاعر البنائية للشعور العام بالهوية).
فكل شخصيات «سواقي القلوب» أو غيره من النصوص الأخرى، تشي بتمظهراتها الخارجية ونكوصها الداخلي على عراقية محضة. من النادر أن تجدها في نصوص عراقية أخرى، حتى تلك التي انطلقت في بنائها السردي والفكري من حاضنات بيئوية محلية، إن ما يمنح هذه الخصوصية لكتابات الروائية إنعام هو هذا الالتصاق الحميمي بالمفردة المحلية والمزاجية، التي يتميز بها شخوصها، سواء على مستوى السرد أو التفاعل مع الأحداث، وبعد فإن نص (سواقي القلوب) من النصوص المحفزة، لمن يريد أن يكتب في الموضوع المحلي، ويعبر عنه بكل صدق ونزاهة، بعيدا عن الهوية والعقيدة والمسميات الأخرى، مستلهما العناصر المهمة في بناء النص السردي وتوظيفها بطريقة حكائية سردية، لإبراز الكم الهائل والعميق من مقتنيات ثراء الشخصية العراقية سواء في الداخل أو المهجر.

كاتب وإعلامي / العراق

عرقنة النص السردي في «سواقي القلوب» للروائية إنعام كجه جي

خضر عواد الخزاعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية