وماذا لو كان ترامب حبيبنا؟

في خطاب الموافقة على ترشيح الحزب الجمهوري لها لخوض الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، كالت المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون سلسلة من الاتهامات لمنافسها الجمهوري دونالد ترامب.
تضمنت قائمة الاتهامات أن ترامب لم يقدم أي حلول لمشاكل الأمريكيين. وبأنه يريد عزل الولايات المتحدة عن العالم. وبأنه يريد منع الأجانب من الوصول إليها. وبأنه سيتخلى عن حلفائها التقليديين. وبأنه رهينة بين أيدي لوبي السلاح. وقالت إنه لا يمكن أن يؤتمن على الأسلحة النووية، وإنه لا يحترم «جنودنا الذين يتولون مهام الدفاع عن البلاد».
بعض ما ورد في قائمة كلينتون، بل جله، صحيح لأن كل تهم الدنيا وبكل اللغات تجوز في الرجل الذي لم يفعل شيئا ليثبت براءته، بل لا يبدو إطلاقا مهتما بهذه البراءة.
لكن هل كلينتون أفضل حالا من ترامب؟ هي نقيضه، لكن لا شيء يثبت أنها أفضل منه. وتلكم واحدة من مفارقات في كل انتخابات رئاسية في الولايات المتحدة: لا أحد من المرشحَين يبدو مقنِعا قبل يوم الاقتراع.
ترامب هو نموذج المرشح المتمرد عن السقف والأطر المرسومة سلفا. كلينتون هي نموذج المرشح التقليدي الوديع الذي يمنع نفسه من التفكير خارج الصندوق، ناهيك عن عجزه عن الخروج منه. ترامب هو نموذج المرشح الثائر على العولمة السياسية والاقتصادية، الساعي إلى التخلص مما تفرضه من التزامات على الدول والقادة. كلينتون هي نموذج المرشح الملتزم بالعولمة واشتراطاتها. ترامب لا يرى حاجة لوجود أمريكي في مناطق النفوذ التقليدية. كلينتون تريد إبقاء هذا الوجود وتوسيعه أكثر إن أمكن.
في هذه الحال.. ألن يكون من الأصوب إعادة النظر في التصنيف التقليدي لتصبح كلينتون يمينية محافظة وترامب خليطا من يساري ليبرالي؟
سيكون من الخطأ النظر إلى ظاهرة ترامب داخل الحدود الأمريكية واعتبارها استثناءً محليا.
بدأ ترامب شخصا، لكنه تحول إلى حالة مكملة لظاهرة أوسع رأت النور في أوروبا مع بداية العشرية الماضية، وبلغت ذروتها الشهر الماضي بتصويت البريطانيين لخروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي.
أحد أوجه هذه الظاهرة يفسره زحف اليمين المتطرف و»الفوضويين». لنتأمل: زعيم الجبهة القومية الفرنسية جان ماري لوبان فاز في الدور الأول من انتخابات الرئاسة سنة 2002، وكاد يصبح رئيسا. ابنته مارين تتوفر على حظوظ كبرى للتأثير في نتائج انتخابات الرئاسة العام المقبل. النمسا غير غريبة على حكم اليمين المتشدد. ذات اليمين يحظى بقاعدة شعبية وانتخابية هامة في هولندا وإيطاليا وبلجيكا والسويد، ناهيك عن دول أوروبا الشرقية التي تبدع في هذا المجال. عدد الأحزاب المصنفة يمينية متشددة في البرلمان الأوروبي تسعة. نوابها يشكلون نحو ثلث الأعضاء البالغ عددهم 751. بين هؤلاء من يقرّون بأنهم من النازيين الجدد. كثيرون من هؤلاء يكنون عداءً صريحا لكل مَن وما ليس منهم. وبعضهم طالب بطرد المسلمين بينما اقترح آخرون المهاجرين بفيروس إيبولا.
إلى جانب السياسة، هناك متمردو الاقتصاد الذين يصرون، كلما استطاعوا، على إفساد التجمعات الاقتصادية العالمية مثل قمة العشرين وقمة الثمانية.
هذا غيض من فيض ظاهرة عبرت بسرعة إلى الولايات المتحدة فجسّدها ترامب، لكن على الطريقة الأمريكية الضاربة في الجرأة والاختلاف.
ترامب يقول بصوت مرتفع ما يقوله آخرون في سرهم: ألا يشتكي ثلاثة أرباع العالم من كثرة وقوة التدخلات الأمريكية؟ ترامب يريد تقليص هذا التدخل لأنه لا يرى فيه جدوى.
أليس العرب هم القائلون أن منطقتهم تعرضت لكل هذا الخراب على يد أمريكا؟ ترامب يرفع شعار «لننظف الفوضى التي سببناها في الشرق الأوسط» ـ ويذكر ليبيا على سبيل المثال.
ألا تتهم الشعوب العربية الولايات المتحدة بحماية الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة؟ ترامب يدعو بصراحة إلى الابتعاد عن منطقة الشرق الأوسط ومآسيه وحكوماته الفاشلة.
ألا تتهم روسيا الولايات المتحدة بالتحرش بها عن طريق حلف شمال الأطلسي؟ ترامب يريد التخلي عن أعضاء الحلف ويرى أن أمريكا غير مضطرة لحمايتهم.
سيكون لترامب في حال انتخابه وجسّد وعوده بالتشدد والحماس الباديين عليه هذه الأيام، ضحايا بالتأكيد. ضحاياه سيكونون في ثنايا العولمة ومراكز النفوذ التقليدية التي تقود العالم وتحدد حاجاته وتوجهاته. ثورته ستكون على هذه المراكز ومؤسسات المال ولوبيات الصناعة والحروب في الغرب (قد يكون ترامب رهينة لوبي السلاح داخل أمريكا، كما اتهمته كلينتون، فتلك عقيدة من عقائد الحزب الجمهوري، لكنه قد لا يكون رهينة سهلة للوبيات السلاح في العالم).
هذه اللوبيات ينتمي إليها، بشكل أو بآخر، بعض قادة العالم الغربي من أشباه كلينتون بصفة مستشارين وخبراء ومحاضِرين (بلير، ساركوزي، الإسباني أثنار). آخر هؤلاء رئيس المفوضية السابق مانويل باروسو الذي كُشف الأسبوع قبل الماضي عن تعيينه عضوا في مجلس إدارة بنك غولدمان ساكس المتهم بتدمير المالية العالمية سنة 2008.
أما المسلمون، ودائما في حال نفّذ ترامب وعوده، سيكونون ضحية أخرى من ضحاياه الكثر.
لولا عيبان يلازمانه، كان ترامب سيكون المرشح المثالي الذي يحتاجه العالم في وجه العولمة المتوحشة: آراؤه الفجة الأقرب إلى الفلتان، وهو ذاته إمبراطور مالي من ثمار هذه العولمة.

٭ كاتب صحافي جزائري

وماذا لو كان ترامب حبيبنا؟

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية