«نشطاء الـ «بي دي أس» يتلقون الضربات في ساحات كثيرة ويُهزمون». هذا ما قاله رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في نقاش في الاسبوع الماضي أجري في لجنة مراقبة الدولة في الكنيست. «الدولة تهتم بموضوع الـ «بي دي أس»، ولذلك فإن من يؤيدون المقاطعة في حالة دفاع عن النفس»، أضاف رئيس الحكومة. هل هذا صحيح؟ الآراء مختلفة حول هذا الامر.
خبراء في هذا المجال يعتقدون أن نتنياهو يبالغ، وأن الدعوات للمقاطعة وعدم الاستثمار في إسرائيل ما زالت تُسمع في أرجاء العالم، واحيانا يكون نجاح حتى لو لم يكن بالشكل الذي يرغبون فيه.
عوديد عيران، باحث في مركز بحوث الأمن القومي وسفير إسرائيل السابق في الاتحاد الأوروبي، قال بأن تصريحات رئيس الحكومة «غير كاملة وغير دقيقة». فمنظمات المقاطعة ما زالت تعمل وهي قائمة وهي لم تعلن عن وقف ذلك. ومن ناحية أخرى ليس هناك نجاح كبير وهم لا يستطيعون إلحاق الضرر بالاقتصاد الإسرائيلي. هذه ليست هزيمة وليست انتصارا كاملا. يمكن القول إن نجاحهم قد توقف، وهم لا يحققون أي نجاح كبير، ولا يقومون بتوسيع دائرة نشاطهم نحو باقي شرائح السكان، «لقد عملنا على منع انتشار الظاهرة.
هل يمكن الاعلان عن الانتصار؟
«في السابق كانت الحروب تنتهي برفع أيدي أحد الأطراف. وكلمة هزيمة لا تلائم هذه الحالة. المغني كارلوس سانتانا سيأتي للغناء في إسرائيل، رغم طلب من يؤيدون المقاطعة له بالامتناع عن الذهاب إلى تل ابيب. («سأذهب كي أقوم باسعاد اخوتي واخواتي في فلسطين وإسرائيل ومن بينهما»، قال المغني في مقابلة أجراها مع القناة 2).
يوجد في المقابل 400 فنان وقعوا على عرائض تؤيد مقاطعة إسرائيل، منهم الكاتبة اليهودية نعمي كلاين، من مواليد كندا، والتي طالبت قبل سبع سنوات بفرض المقاطعة الاقتصادية الكاملة على الدولة في أعقاب عملية «الرصاص المصبوب». والكاتبة واليس ووكر التي منعت اعادة ترجمة كتابها إلى اللغة العبرية. والكاتبة الهندية اروندهاتي روي التي طالبت بفرض مقاطعة ثقافية على إسرائيل. والمغنيان روجر ووترز ولوران هيل اللذين رفضا اجراء العروض في إسرائيل.
انجازات إسرائيل تشمل اقوال اندرو كؤومو، حاكم ولاية نيويورك، الذي أعلن في الشهر الماضي أن «من يقوم بمقاطعة إسرائيل فإن نيويورك ستقاطعه». ولكن بعد ذلك ببضعة اسابيع نجح نشطاء المقاطعة في شطب القانون الذي يمنع تأييد المقاطعة من مجلس ولاية مساتشوستش. وفي كندا قام 150 محاضرا في الجامعات بالتوقيع في شهر حزيران/يونيو على عريضة تندد بالـ «بي دي أس». وبعد ذلك ببضعة اسابيع نشر مؤتمر الكنيسة اعلانا مؤيدا للمقاطعة، مع المطالبة بعدم الاستثمار أو عدم دعم الشركات التي تعمل في المستوطنات. ومن بين اعضاء المؤتمر الـ 350، عارض عضو واحد فقط ذلك.
أوروبا تقوم بالتمويل
داني ايلون، سفير إسرائيل السابق في الولايات المتحدة ونائب وزير الخارجية، يترأس في الوقت الحالي جمعية «الحقيقة عن إسرائيل» التي تعمل ضد المقاطعة. الجمعية تقوم بنشر افلام تهاجم نشطاء المقاطعة.
«إن القول إننا انتصرنا على حركة المقاطعة هو أمر مبالغ فيه وخطير ايضا. لأن من شأن ذلك أن يدفعنا إلى النشوة»، حذر ايلون، «الطريق من اجل الانتصار على حركة المقاطعة ما زالت طويلة. فالحركة ما زالت قائمة وتعمل بكل قوتها وهي تستمر في تجنيد المزيد والمزيد من الطلاب. صحيح أننا حققنا عدة نجاحات، ولايات كثيرة في الولايات المتحدة سنت قوانين ضد المقاطعة، وفي بريطانيا كانت عدة تصريحات ضد المقاطعة. بوريس جونسون الذي هو اليوم وزير خارجية بريطانيا، اعتبر نشطاء المقاطعة اكاديميين ويساريين، وقال إن من يؤيدونهم هم أقلية غبية، لكن قول إننا انتصرنا، هو أمر مبالغ فيه. ليس فقط أن حركة المقاطة حية وتتحرك، بل هي تزيد من قوتها».
في اليوم الذي أعلن فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عن «هزيمة الـ«بي دي أس» صادق المجلس القومي لعلاقات العمل في الولايات المتحدة على دعم موظفي الراديو والالكترونيات الذين يؤيدون مقاطعة إسرائيل. قبل ذلك بخمسة ايام أعلنت «ال عال» أنها لن تقوم برحلات مباشرة بين تل ابيب والمدينة الاسبانية سانتياغو دي كومبوستالا. لأن مجلس البلدية أعلن في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي أنه يؤيد المقاطعة. محاولة التأثير على اعضاء المجلس من اجل تغيير موقفه، فشلت.
في فرنسا منعت مدينة باريس قبل نصف سنة نشاطات حركة المقاطعة فيها. ولكن قبل بضعة ايام أعلنت منظمة «كريف»، وهي المنظمة السياسية العليا ليهود فرنسا، أنه رغم قرار محكمة العدل العليا ضد مقاطعة إسرائيل، إلا أن الـ«بي دي أس» تستمر بالدعوة للمقاطعة في فرنسا. وفي شهر حزيران الماضي طالب مجلس بوندي بمقاطعة منتوجات المستوطنات، ومحكمة العدل في بريطانيا قررت أن المجالس المحلية الثلاثة ـ لستر وسفنسه وغويند ـ لا يمكنها اعتبارها لاسامية بسبب قرارات مقاطعة منتوجات المستوطنات. وليس ذلك فقط، بل إن الاتحاد الوطني لمعلمي المدارس الثانوية والمحاضرين في الجامعات البريطانية، تبنوا دعوة المقاطعة.
وماذا يحدث في المانيا؟ مدينتي ميونيخ وبيرمان تسمح لحركة الـ «بي.دي. اس» باستخدام المباني الممولة من قبل البلديات من اجل تنفيذ نشاطاتها. في شهري نيسان الماضي منح مجلس بلدية بيرويت جائزة بمبلغ 10 آلاف يورو لكود فينك، وهي جماعة تؤيد الـ «بي دي أس» بسبب ما اعتبر «مساهمة للانسانية». وكود فينك اعلنت أنها ستستخدم هذا المبلغ لتمويل مؤتمر تأييد الـ«بي دي أس» في اوروبا.
في الولايات المتحدة، رغم القرار الفاضح للمجلس القومي لعلاقات العمل، فإن الوضع متفائل أكثر قليلا. في نيوجرسي تم سن قانون يمنع الاستثمار في الشركات التي تقاطع إسرائيل. أما في كاليفورنيا فقد تم سن قانون يقضي بأن يعلن كل من يريد التوقيع على اتفاق مع الولاية بأنه لا صلة له بموضوع المقاطعة.
غدوت على المهداف
الممثلة غال غدوت ايضا، التي تحولت إلى نجمة عالمية، المطلوبة لدور فوندر فامن، تورطت خلافا لرغبتها في موضوع المقاطعة، بعد توجه ثلاثة نشطاء من الـ «بي دي أس» في لبنان قبل ثلاثة اشهر لوزارة الاقتصاد اللبنانية وطلبوا منها أن تعلن عن مقاطعتها لفيلم «البات مان ضد سوبرمان» بسبب مشاركة غدوت في انتاجه، إلى جانب الابطال إبن افليك وهنري كافيل. ومن المهم معرفة كيف سيكون الرد هناك في حزيران 2017 عندما تظهر غدوت كبطلة رئيسة لفيلم فوندر فامن.
في السابق انتقلت شركات مثل «صودا ستريم» و»أهافا» إلى العمل داخل الخط الاخضر. هنا ايضا تلقت النجمة الهوليوودية سكارلت جوهانسون الانتقاد، وهي التي اختيرت لتقديم «صودا ستريم»، وقد تعرضت للضغط بسبب حقيقة وجود مصانع الشركة في ميشور ادوميم. وقد اختارت جوهانسون الاستقالة من منصبها كسفيرة لمنظمة حقوق الإنسان «اوكسفام» احتجاجا على الطلبات التي وجهت اليها. وفي مقابلة أجرتها مع «الغارديان» البريطانية في 2014 قالت: «عرفت عن وجود هذا المصنع قبل موافقتي على تمثيل الشركة، لكني لم أفكر أن هناك اشكالية في الأمر. ما هو الحل اذا، هل هو اغلاق المصنع والقاء عشرات العمال الفلسطينيين والإسرائيليين إلى الشارع؟».
في بداية 2016 أعلن الاتحاد الاوروبي أن الاتفاقات بين الاتحاد وبين إسرائيل لن تكون سارية المفعول فيما وراء الخط الاخضر. ولكن تحقيق وكالة الاخبار الاقتصادية «بلومبرغ» وجد أنه في الآونة الاخيرة ومنذ نشوء حركة الـ “بي دي أس” في 2005، زادت نسبة الاستثمارات الاجنبية في إسرائيل. ففي 2015 وصل حجم الاستثمارات الاجنبية في البلاد إلى 285.12 مليار دولار، وهو ثلاثة اضعاف ما كان في 2005. واضافة إلى ذلك، زادت نسبة صيانة الشركات الحكومية التي تعمل في المناطق بشكل ملحوظ في السنوات الثلاثة الاخيرة من قبل جهات أجنبية.
واليكم معطى آخر سيقلل من الحماسة: حسب بحث أجري في الولايات المتحدة، حيث تنشط الـ «بي دي أس» هناك في مجال الاكاديميا، فإنه في النصف الاول من 2016 كان 287 حادثة لاسامية في المعاهد والجامعات مقابل 198 حادثة كهذه في السنة الماضية.
سابقة «أورنج»
البروفيسور عمرام غولدبلوم الذي يؤيد مقاطعة منتوجات المستوطنات فوجيء عندما سمع تصريح نتنياهو عن هزيمة الـ «بي دي أس». «في اليسار هناك من يعتقدون أن نشطاء الـ «بي دي أس» هم اشخاص خطرون، وهناك من يعتقد أن هذه منظمة صغيرة انتفخت بشكل كبير من قبل بيبي واليمين من اجل الحرب عليها. ولكن الـ «بي دي أس» هي مجموعة من الاشخاص مع افكار كثيرة، بعضهم يريد القضاء على إسرائيل وبعضهم يحارب المستوطنات فقط. ذات مرة كنت ضدهم عندما تظاهروا في نيوزلندا ضد اوهيد نهاريم. أنا ضد مقاطعة إسرائيل، لكنني سعيد بالمطالبة بمقاطعة المستوطنات».
الدولة أنفقت 100 مليون شيكل على محاربة المقاطعة. فهل يمكن أن يكون نتنياهو محقا وأنه بعد كل تلك الجهود هُزمت الـ «بي دي أس»؟
«لا أعرف لماذا يقفز نتنياهو الآن فجأة في موضوع ال«بي دي أس». فهذه حركة لا تهم أحد، وأنا لا أرى ما يفعلونه، وللأسف الشديد، لا أرى ايضا نشاطات خاصة ضد المستوطنات. نتنياهو يعمل مثل دون كي شوت ضد طواحين الهواء. ففي البداية يخترع الـ«بي دي أس» وبعد ذلك يبالغ في حجمها وبعد ذلك يهزمها. الـ «بي دي أس» بالنسبة لنتنياهو مثل إيران وداعش واردوغان. دائما هناك عدو يجب محاربته».
موقع الـ«بي دي أس» في الانترنت يتفاخر بعدد من الانجازات الكبيرة في السنة الماضية. منها، حسب زعمهم، أنهم يعملون من اجل أن تقوم شركة الحماية البريطانية «جي.فور.اس» التي تقوم بحماية السجون والحواجز والمستوطنات بمغادرة إسرائيل. «لقد نجحنا في الحاق الضرر بالشركة»، كما جاء في الموقع، ويتفاخر بأنه بفضل هذا النشاط فقدت شركة جي.فور.اس عقود بملايين الدولارات. والموقع لا يذكر أنه في شهر آذار/مارس الماضي قررت الشركة البريطانية بيع عملها في البلاد وقالت إنها تفعل ذلك لاسباب تجارية وليس بسبب الضغط الذي تمارسه عليها حركة المقاطعة.
«صحيح أن حكومات الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكندا تحاول قمع هذه الحركة»، كما جاء في موقع الحركة، «ولكن أكثر 23 ألف شخص قاموا بالتوقيع على عريضة تطالب الأمم المتحدة بالاعلان عن حق المقاطعة. أما في «لوس انجلوس تايمز» فقد كتب في الافتتاحية أن مقاطعة إسرائيل هي جزء من حرية التعبير، لذلك فإن الدستور يحمي ذلك».
ويتفاخر الموقع بانجازات اخرى منها انهاء التواصل بين أورنج الفرنسية وشركة بارتنر الإسرائيلية، وانهاء عمل مكوروت في مدينة بهيا في البرازيل وايضا شركات اخرى أنهت عملها في إسرائيل، مثل شركة الحماية البريطانية التي لم تعترف بأنها فعلت ذلك بسبب ضغط حركة المقاطعة. «الحركة تثير الالهام وهي قوية أكثر من أي وقت آخر»، جاء في الموقع.
لا نريد فصل عنصري
ايلان بيبيه، من الإسرائيليين البارزين الذين يعملون من اجل فرض المقاطعة على إسرائيل، قال إنه لا يفهم عما يتحدث رئيس الحكومة. «حركة المقاطعة قائمة ومتلازمة مع سياسة إسرائيل.
مقاطعة إسرائيل تزداد قوة وتعبيرا عن عدم رضا أجزاء واسعة من المجتمع الغربي، بدء من الجالية الاوروبية التي تسم منتوجات المستوطنات ومرورا باتحادات اكاديمية هامة وانتهاء بشركات وكنائس تقوم بسحب استثماراتها من إسرائيل».
اذا تمت هزيمة الـ «بي دي أس» فلماذا تبذل إسرائيل جهودها المالية والقضائية والسياسية الكبيرة في محاربة الحركة؟
«إن الموضوع الفلسطيني وحرك«بي دي أس» بقيادة المجتمع المدني الفلسطيني تزداد قوة حتى في الولايات المتحدة»، قال بيبيه، «تأييد الحركة واضح في الحزب الديمقراطي وفي حزب السود ضد عنف الشرطة، ونشوء حركة صوت يهودي من اجل السلام. يجب أن نتذكر أن تصريحات مشابهة تم نشرها من قبل نظام الابرتهايد في جنوب افريقيا قبل سنوات».
معاريف 2/8/2016