مقالات في الثقافة بين أرض السواد وبلاد السنديان

حجم الخط
0

«تحت ظلال السنديان الإيطالي .. مقالات في الثقافة والفنون الإيطالية» هو كتاب جديد للكاتب والفنان والصحافي العراقي موسى الخميسي المقيم في إيطاليا وخرّيج جامعة بغداد كلية علم الاجتماع وجامعة فلورانسا للفنون الجميلة.. حرص فيه على رصد ونقل ونقد وكتابة ما يوفره الواقع الإيطالي على جميع الأصعدة، خاصة على المســـتوى الرمـــزي الثقافي من إبداع وإنتاج واستـــهلاك وتفاعل بين ثلاثتها في فــــترة تناهــــز أربعة عقود فجمع فيه شتات مقالات منها ما نشر على صفحات بعض الجرائد والمجلات العربية، ومنها ما لم ينشر إلا بين دفتي هذا الكتاب الذي انتظمها سلكه فجاءت مجموعة مقالاته معبرة عن تعدد اهتماماته وهواجسه الثقافية.

-2-

وقراءة هذا الكتاب تجد مفتاحها في عنوان الكتاب الرئيسي «تحت ظلال السنديان الإيطالي» والفرعي «مقالات في الثقافة والفنون الإيطالية» ، إذ العنوان يختزن ويختزل مضمون الكتاب بأكمله الذي جمع العديد من أجناس الاهتمام والهواجس الثقافية التي يوفرها المشهد الإيطالي والمعبرة بدورها عن اهتمامات المثقف فنجد الاهتمام التاريخي التوثيقي، الأدبي، المسرحي والسينمائي والفني التشكيلي بجميع مكوناته، كما نجد الاهتمام والهم الإعلامي؛ لذلك فإن الكاتب إذ يوفر ظلالا فإن القارئ سيتفيأ ضافي ظلال مقالات «السنديان»، التي هي فعلا كالأغصان المتعانقة، في زمن اشتدت فيه الهواجر على الإنسان، خاصة من بني العربان في كل مكان لكأنهم من جملة الديدان يموتون بالتفجير والتقتيل والتذبيح والتهجير بأيديهم وأيدي صياديهم ومصطاديهم ولكأنهم لم يقرؤوا من بديع البيان المساواة بين القتل وإخراج الناس من أراضيهم وديارهم وكأنهم صم الآذان ومتصحرو الأفئدة والوجدان فلم يدركوا ساطع البرهان من تحريم العدوان.
-3-

ولئن أخرج الكتاب على الشاكلة التي أخرج عليها فليس ذلك بعديم العلة ولا بعديم الغاية، وإن كنت قد أشرت إلى العلة في البداية من دون تخصيص ولا تعيين فقد بقي لي أن أشير إلى الغاية من الكتاب. فلعل الكتاب يفتق شهية القارئ العربي للاطلاع على الأدب الإيطالي المترجم منه إلى العربية فينسج على منواله أو يبدع نسيجه المتوافق مع ثقافته ذات المدى الكوني أو عله يحفز محبي الفن من الشباب على التعرف على الأعمال الفنية القديمة والحديثة المنتجة في إيطاليا فيضربوا في الأرض طلبا للتعلم وطرقا لأبواب الإبداع فيكون الكاتب قد أدى دور الوسيط بين ثقافته الأصلية والأصيلة وثقافته المكتسبة في إيطاليا طمعا في حوار الثقافات ولا رهبة من خوار القائلين بصراع الحضارات من ثيران المشهد الثقافي المحلي والكوني الذي رد الثقافة إلى مجرد مهرجانات واختزلها في الفلكلورات، فصارت الثقافات بفعل كل ذلك كانها جزرا عديمة الوصلات وكاد ما هو كوني فيها يصير موؤدا لولا الانفتاح والتخاصب بالترجمات..

-4-

فموسى الخميسي مثلما عرفته يعمل على تأصيل حوار الأجوار وتعاونهم وتآنسهم بالتعارف وعلى استئصال شأفة المكر، الذي لا يعرف كرما، والتناكر الراكن إلى الأرض وتوابعهما من سفك الدماء ونشر الأوبئة الجامعة بين البيولوجي والثقافي من الفيروسات واستنزاف الثروات وسرقة الثورات وتشجيع النعرات.. فتلكم هي الرسالة التي يجب ألا تغيب عن ذهن القارئ لأنها نجم اهتداء لا يعرف الأفول لدى كاتبنا، أو هكذا يبدو لي، وهي الكنز الذي جاء به من جامعة بغداد بعد أن حفظته له الثقافة العربية وحافظ هو بدوره عليه طيلة هذه السنين؛ أعني درس مقدمة العلامة ابن خلدون في التعايش السليم والسلمي بين الناس.
أما وأن طرحت جلباب الصداقة وآثرت الحقيقة على كل مودة فإني أقول بأن جملة المقالات التي انتظمتها محاور الكتاب كانت ولا تزال بحاجة إلى إعادة نظر من جهة البنية؛ فشكلا كان بإمكانه أن يخرجه على شاكلة أفضل لو خطط له تخطيطا يجعل من المتنوع محكوما بوحدة سلطان التناغم والتآلف ويكفي في ذلك إعادة ترتيب محاور الكتاب وتقديم وتأخير بعض المقالات وكنت قد أشرت عليه بعد أن فرغت من مراجعة الكتاب بهذا الأمر واقترحت عليه بنية بديلة إلا أنه فضل إخراجه على ما اختار..
وأما المضمون فمجمله مهم وإن كانت المقالات جمعت بين الغث والسمين ولا أريد أن أدفع بالنقد إلى أبعد من هذا وأطلب للخميسي عذرا إذ جل المقالات غلب عليها الهم الصحافي- الإعلامي وليس العلاج ولا الدراسة ذات الهم التحليلي التأويلي وإن توفرت عناصرهما في بعض المقالات المتعلقة باختصاصين من اختصاصاته هما علم الاجتماع والفن وعله مدرك لذلك أو ربما قد تعمده لأنه يريد للكتاب أن يصل إلى شريحة أوسع من الشباب العربي، فبورك سعيه الجامع بين حلاوة التمر على اختلاف أصنافه وأشكاله وألوانه ومتعة ظل السنديان للمهاجر الناصب المحتاج إلى الماء الفرات..

-5-

وأيا كانت الصور، وأيا كان الترميز، فأنى للسنديان أن يبلغ شأو النخلة؟ لكن ما الذي يسوغ لنا المقارنة بين شجرتين مختلفتين شجرة مثمرة وشجرة لا تثمر شيئا؟ ألا يعد من التعسف المفاضلة بينهما؟
في الحقيقة لا مسوغ للمقارنة فضلا على المفاضلة. بيد أن المسألة أعمق وأرحب من ذلك بكثير إذ الأمر متعلق بمضافاتهما وليس بهما مجردتان. ولذلك فالإحالة إلى موطن كل منهما وساكني موطنيهما. فإن قلت كيف تهرب من «القطر إلى تحت الميزاب» اذ ما هربت منه وقعت في أسوء منه ذلك أنك في نهاية المطاف تفاضل بين الحضارات والحال أن من أبجديات الأنثروبولوجيا عدم المفاضلة بين الثقافات؟ فأجيب بأنك عجلت علي وحسبت أن قولك فوق رجم الظنون. كان ذلك فعلا درس الأنثروبولوجيا لما تاب أهلها من خطيئة المركزية الأوروبية أو الغربية، أما لو سألناهم بعد توبتهم تلك اتفضلون البقاء لدى القبائل التي درستموها؟ أم تفضلون الرجوع إلى بلدانكم؟ فجوابهم سيكون (وقد كان) بالفعال ولا بالمقال وما سؤالنا إلا مساءلة لجوابهم فما كان لهم أن يمكثوا في مواضع دراساتهم الميدانية لغير العلم لان مستوى الحضارة لدى الشعوب المدروسة غير مستوى الحضارة لدى الدارس وإن كان هذا هكذا أفليس ذلك من التفضيل. بلى .. وما سيأتي من ذاك بل أبعد منه غورا.
فلئن عظم السنديان سمقت النخلة وإن عمّر هو من دون ثمرة ولا حمل عمّرت هي حملا هو آية في الجمال والجلال طورا بعد طور، وعمرت البيوت والبطون وجمّلت الموائد وألاسواق والتذ بها المذاق. فشتان بين ما له سهمة في العلم والعمل- وإن كان موضوعا- وذوق في الطعمة ودر للرزق ونسب في بناء الحضارات، وبين ما لا دور له في ذلك واختص بالعظمة شكلا لا روحا وقصارى ما يوفره ظلا لا ننفي عنه رَوحا وكنّا من الوهج، وهو يذكرنا بالظعن والسفر وما بهما من النصب؛ ولم يعد السفر اليوم كسفر الأمس، فصفرت ظلاله من كل مستظل مسالم ولم يبق له ما يحيلنا إليه إلا ما هو أضنى وأشق من كل سفر: الحرب أو الإعداد للحرب. فبقيت له وظيفة تعريس الجنود واستظلالهم به في مناوراتهم أو تكللهم بأوراقه واستنساخهم لعظمته الظاهرة بإظهارهم الصلف الذي تعلموه من النظر إليه بعين صريع عشق القوة للقوة فلم يرحموا الإنسان «الذي هو في الحكمة عريق» وجار للنخلة شقيق ومغرس الحضارات ومهد الديانات وبؤرة اللقاءات الثقافية.. فعجبا لأمرنا وأمرهم يرموننا بشواظ من نار ونرميهم بما يحلو من الثمار كالنخلة ترجم فترحم فتسقط التمر والرطب وهو حال العراق الذي بلبلت به الألسن من قبل وزلزلت به ومنه المنطقة من بعد .. فهلا من مؤبر للثقافات بديلا من مبير لها..

٭ مترجم تونسي مقيم في إيطاليا

مقالات في الثقافة بين أرض السواد وبلاد السنديان
«تحت ظلال السنديان الإيطالي» للعراقي موسى الخميسي
محمود الحفيان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية