في القدس، لا تثير الانفعال جملة الكلمات «حكومة جلالتها ترى بعين العطف قيام وطن قومي للشعب اليهودي في بلاد إسرائيل»، لباب تصريح بلفور. أما رام الله بالمقابل فترى فيها جذر مصيبتها الوطنية، «النكبة»، وتطرح الفكرة السخيفة لرفع دعوى دولية ضد بريطانيا على الكتاب الذي كتبه وزير خارجيتها إلى رئيس الحركة الصهيونية في انجلترا، روتشيلد، قبل نحو مئة سنة.
يوجد لرام الله في هذه المحكمة شاهد ادعاء مركزي: وزير في الحكومة البريطانية في حينه، ادفين مونتغيو، الذي وقف على رأس المعارضين للتصريح. فكون الرجل يهوديا لا يشكل مشكلة في رام الله، المعتادة على اليهود المناهضين لإسرائيل. فقد رأى مونتغيو في الصهيونية «نبتة سياسية ضارة»، وفي تصريح بلفور «وثيقة لاسامية»، وانه «لا يوجد شيء كهذا يسمى شعب يهودي، وأنا ارفض الادعاء بأن فلسطين اليوم مرتبطة باليهود». كما ان الرجل توقع المستقبل ايضا: اليهود سيحصلون على «صلة خاصة بفلسطين مثلما بين الانجليز وانجلترا، أو الفرنسيين وفرنسا»، واضاف بسخرية: «ولعل المواطنة ايضا ستعطى حصريا على أساس المعيار الديني» (لاحقا ـ «من هو اليهودي»).
ستقولون: مع مثل هؤلاء اليهود، من يحتاج إلى الاغيار؟ غير أن هذه بالذات كانت لحظة نجومية من انعدام نادر للوطنية. فرئيس الوزراء، لويد جورج، وبلفور، قالا وهما وأعيان لعظمة الفعل: «عودة اليهود إلى صهيون هي حدث تاريخي من الدرجة العليا يفترضها أمر الباري». أما سفير فرنسا في بريطانيا، بول كمبون، فرأى في التصريح «فعل عدل واصلاح مظالم الماضي». وكذا رئيس الولايات المتحدة، وودرو ولسون، اعطى موافقته ايضا.
وبالتالي سيتعين على رام الله ان تزيد عدد المتهمين، بل وأكثر من ذلك: فتصريح بلفور يتحدث عن «اقامة» الوطن القومي وليس عن «اعادة اقامة»، مثلما كان مكتوبا في الاصل، كون مونتغيو طلب نزع كل صلة تاريخية بين اليهود في عصره وبين بلاد إسرائيل. وهنا ايضا جاء الخلاص، وهذه المرة من عصبة الأمم كلها، التي أدرجت الجملة في كتاب الانتداب الذي سلم بلاد إسرائيل للبريطانيين، وتصريح بلفور اقتبس كلمة بكلمة.
وها هو التعليل للتفضيل التعديلي الذي حظي به الشعب اليهودي في تصريح بلفور، ولا سيما في هذه الجملة ـ «الا يتم أي شيء من شأنه ان يمس بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في بلاد إسرائيل» ـ التي لا تعترف إلا بـ «شعب» واحد في بلاد إسرائيل، الشعب اليهودي. اما عرب البلاد فيسمون «طائفة»، وبناء على ذلك فقد ضمنت لهم حقوق شخصية ـ مدنية ودينية فقط. اما الحقوق الوطنية فلم تعط إلا للشعب اليهودي، وبلغتنا: «وطن قومي واحد لشعب واحد». لماذا؟ لأنه في ذاك الزمن لم يكن اخترع بعد «الشعب الفلسطيني»، ولأنه في ذات السنة قسم البريطانيون البلاد وخصصوا شرقي القدس للعرب المحليين، ولأن الـ 22 دولة التي اقامها العرب لانفسهم كل واحدة منها هي «دولة واحدة لشعب (عربي) واحد»، مثلما وعد تصريح بلفور للشعب اليهودي في بلاده الوحيدة.
دعكم من مونتغيو ورام الله، ولكن ماذا نقول عن القدس، التي في شارع بلفور فيها يسكن رئيس وزراء إسرائيل، وهو صاحب رؤيا دولة ثانية، عربية، في داخل الوطن القومي اليهودي الواحد الذي رآه بلفور؟ كيف نتدبر مع هذا التضارب؟
يديعوت 3/8/2016