الخلافات الأوروبية التركية تقترب من الانفجار: اتفاق الهجرة أول الألغام واللاجئون أكثر المتحمسين

حجم الخط
1

إسطنبول ـ «القدس العربي»: تقترب الخلافات الأوروبية التركية المتصاعدة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في البلاد منتصف الشهر الماضي من الانفجار وسط تهديدات تركية بالتراجع عن اتفاق الهجرة الذي وُقع مع الاتحاد، الأمر الذي بث جرعة كبيرة من الأمل في نفوس اللاجئين الذين يتحينون الفرصة لعبور البحر من تركيا لليونان ومن ثم إلى دول الاتحاد التي وصلها قرابة مليون ونصف لاجئ العام الماضي.
وترى أوروبا نفسها واقعة بين نارين، فبينما ترفض دول الاتحاد بقوة أي إمكانية للتساهل في منح المواطنين الأتراك إمكانية العبور بدون تأشيرة إلى القارة، تخشى هذه الدول من انهيار الاتفاق وتدفق مئات آلاف اللاجئين الجدد وسط هواجس كبيرة من ارتفاع مستوى الهجمات الإرهابية التي تصاعدت مؤخراً في ألمانيا وفرنسا أبرز دول الاتحاد.

تصعيد أوروبي ومخاوف يونانية

المستشار النمساوي كريستيان كيرن دعا، الأربعاء، الاتحاد الأوروبي إلى وقف محادثات انضمام تركيا إلى الاتحاد بسبب قيام أنقرة بحملة تطهير واسعة بعد المحاولة الانقلابية التي وقعت في منتصف آب/أغسطس. لكنه اعتبر أن «تركيا تبقى شريكا مهما في قضايا الأمن والتكامل»، ولفت إلى دور أنقرة الأساسي في أزمة المهاجرين.
وقال لوسائل الإعلام النمساوية «علينا مواجهة الواقع: مفاوضات الانضمام باتت ضربا من الخيال»، مشيرا إلى أن «المعايير الديمقراطية التركية بعيدة عن أن تكون كافية لانضمام» أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي. وأعلن انه يريد مناقشة هذه القضية خلال اجتماع المجلس الأوروبي في 16 ايلول/سبتمبر.
من جهته، قال وزير الهجرة اليوناني إن بلدان الاتحاد الأوروبي لن تكون مستعدة للتعامل مع زيادة كبيرة أخرى في الهجرة إذا انهار الاتفاق مع تركيا الذي أدى للحد من المهاجرين واللاجئين القادمين إلى القارة.
وأضاف الوزير يانيس موزالاس أن اليونان والبلدان الأوروبية الأخرى ستواجه «اختبارا قاسيا» إذا ما فشل اتفاق مارس/آذار، وقال: «ليس هناك دولة في أوروبا مستعدة لتكرار وصول هذا العدد الكبير من المهاجرين واللاجئين مثلما حدث العام الماضي».
وكانت صحيفة بيلد الألمانية نشرت مقابلة مع موزالاس قال فيها «نحن قلقون جدا، في جميع الأحوال نحتاج إلى خطة بديلة لاتفاق اللاجئين مع تركيا»، لكن الوزير نفى لاحقاً هذه التصريحات واعتبر أن هناك خلل في ترجمة تصريحاته.
وقال: «بالتأكيد نتابع الوضع، وبالتأكيد نحن قلقون ولكن حتى الآن فان عدد الأشخاص الذين يصلون إلى الجزر اليونانية لا يؤشر إلى عدم احترام الاتفاق».
لكن بيربل كوفلر المكلف شؤون حقوق الإنسان لدى الحكومة الألمانية طالب الأربعاء «بإعادة النظر» في هذا الاتفاق في ضوء التطورات الحالية في تركيا. وقال في مقابلة مع مجموعة من الصحافيين المحليين أن «الاتفاق يفترض وجود دولة قانون، لكن هذا الأمر لا ينطبق حاليا على تركيا». بالتزامن مع ذلك ارتفع عدد طلبات اللجوء في اليونان إلى 13583 طلبا خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة بينها 677 تم قبولها. وأكثر من نصف طالبي اللجوء (7032) هم سوريون يليهم عراقيون (1248) وباكستانيون (1030).
ولأول مرة منذ توقيع الاتفاق، أنقذت السلطات اليونانية، الخميس، قرابة 70 مهاجراً بعد انقلاب مركبهم قبالة إحدى الجزر اليونانية قادمين من تركيا.

هواجس أوروبية من تصاعد الهجمات الإرهابية

وزير العدل الإيطالي أندريا أورلاند، قال الخميس، إن تنظيم «داعش» ضالع في عمليات انطلاق الهجرة غير الشرعية بحراً نحو بلاده، حيث نقل التلفزيون الحكومي عن أورلاندو قوله «توفرت لدى النيابة العامة في الوقت الراهن معلومات تفيد بضلوع داعش في عمليات انطلاق قوارب الهجرة غير الشرعية بحراً نحو إيطاليا».
وأشار إلى أن التحقيقات «ترمي لفهم ما إذا كان التابعون لداعش يمتلكون القدرة أيضاً على إعطاء التوجيهات للمهاجرين في التوزع على الأراضي الإيطالية لدى وصولهم»، وسبق ذلك إعلان وزارة الداخلية الإيطالية، أن «84 ألفا و790 مهاجراً معظمهم وصلوا إلى إيطاليا عبر البحر الأبيض المتوسط حتى 22 يوليو/تموز المنصرم، وهو ما يبرز تراجعاً طفيفاً مقارنة بنفس الفترة من عام 2015، بواقع 1.14٪، حيث بلغ عدد القادمين بحراً 85 ألفا و772 شخصا».
ودفعت موجة الهجمات التي شهدتها ألمانيا مؤخرا المنافسين السياسيين للمستشارة انغيلا ميركل، إلى توجيه المزيد من الانتقادات لها مؤكدين أن سياستها الليبرالية بشان اللجوء بعد أن هزت جنوب ألمانيا أربعة اعتداءات دامية، الشهر الماضي، نفذ ثلاثة منها طالبو لجوء.
وأحيت هذه الهجمات الانتقادات لقرار ميركل العام الماضي فتح الحدود أمام الفارين من النزاعات والاضطهاد.
و قال جيري أوفجاجيك، المتحدث باسم الرئاسة التشيكية، الثلاثاء، إنّ رئيس البلاد ميلوس زيمان، يدعو إلى عدم قبول اللاجئين الوافدين من الدول المسلمة، بداعي أنّ قدومهم إلى التشيك، يعني «انتشار خطر الإرهاب» في البلاد، على حد قوله.
وأوضح زيمان أنه يعارض وبشدة فكرة استقبال اللاجئين المسلمين في بلاده، مبيناً أنّه لن يسمح بحدوث عمليات إرهابية في بلاده، كتلك التي حصلت في فرنسا وألمانيا.
والاثنين، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية، مارتن شيفر، إن بلاده ترغب بإقامة حوار مكثف مع تركيا، لتبحث معها كل الملفات المهمة، ومنها اتفاقية إعادة القبول المبرمة بين الاتحاد الأوروبي وأنقرة.
وأوضح أنه «لا يرى تصريحات جاويش أوغلو على أنها تهديد أو إنذار»، معربا عن اعتقاده أن تلك التصريحات «للتعبير عن قوة موقف تركيا في المفاوضات (مع أوروبا)».
ولفت شيفر إلى أن الاتفاق الذي توصلت إليه تركيا مع الاتحاد الأوروبي، لا يتضمن جهودا لحل أزمة اللاجئين وحدها، بل يتضمن بنودًا تتعلق برفع التأشيرات عن المواطنين الأتراك.
وفي أبرز تهديد تركي عقب محاولة الانقلاب، طالب وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو الاتحاد الأوروبي بالإعلان عن موعد إعفاء مواطني بلاده من تأشيرات الدخول، مؤكدا على أنه في حال عدم رفع القيود، فسوف تنسحب أنقرة من اتفاق وقف تدفق المهاجرين إلى أوروبا.
وقال: «في حال عدم تحرير التأشيرات، سنضطر إلى الانسحاب من اتفاق إعادة القبول». مضيفاً: «قد يكون ذلك في بداية أو منتصف أكتوبر / تشرين أول، لكننا نتوقع تاريخا محدد».
وأصدرت المفوضية الأوروبية، مطلع أيار/ مايو الماضي، تقريرها الثالث حول سير المفاوضات بين تركيا والاتحاد، المتعلق بإلغاء التأشيرة، وجاء فيه أن أنقرة أوفت بـ 67 مادة من أصل 72، خاصة بإلغاء التأشيرة، وتضمن التقرير قرار توصية برفع التأشيرة المفروضة على دخول الأتراك «شنغن» بحلول نهاية يونيو/ حزيران، في حال أوفت تركيا بالشروط الخمسة المتبقية.
إلا أن إصرار أوروبا على تعديل قانون مكافحة الإرهاب في تركيا، أدّى إلى عرقلة إلغاء التأشيرة، إذ يؤكد مسؤولون أتراك، أنه لا يمكن تغيير قانون الإرهاب، لا سيما وأن البلاد تتعرض لهجمات منظمات إرهابية مثل «داعش» و«بي كا كا». وفي محاولة لتخفيف الاحتقان التركي، أعلنت المفوضية الأوروبية، تحرير دفعة جديدة بقيمة مليار و415 مليون يورو، من التعهدات المالية التي أعلنت التزامها للاجئين السوريين المقيمين بتركيا، بموجب اتفاق «إعادة القبول» الموقع بين أنقرة والاتحاد الأوروبي.
وشن أردوغان خلال الأيام الماضية، اعنف هجوم له على الغرب منذ محاولة الانقلاب الفاشلة متهما البلدان الغربية بدعم «الإرهاب» والانقلابيين، بالقول: «الغرب يدعم للأسف الإرهاب ومدبري الانقلاب.. هؤلاء الذين كنا نظن أنهم أصدقاؤنا يقفون إلى جانب مدبري الانقلاب والإرهابيين»، مؤكداً أن سيناريو الانقلاب الفاشل في تركيا «أعد في الخارج».
وهاجم أيضا الاتحاد الأوروبي الذي «لم يف بوعوده» في ما يتعلق بدفع ثلاثة مليارات يورو في إطار الاتفاق حول المهاجرين وتسهيل منح التأشيرات للأتراك. وقال «لم يحصل أي شيء بالنسبة للتأشيرات». واستطرد «عندما نقول ذلك بالصوت الملآن ينزعج هؤلاء السادة جدا. (…) لكن هذا البلد ليس تابعا».

نشاط غولن في أوروبا ورفض تسليم أتباعه

وتقول السلطات التركية إن منظمة «غولن» تمارس أنشطة واسعة في مجالات مختلفة في العديد من الدول الأوروبية، حيث تمتلك المنظمة شبكة واسعة من تلك الأنشطة في العاصمة البلجيكية بروكسل، التي تستضيف مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
وقررت السويد ألا تعيد من لم يتم قبول طلبات لجوئهم من تركيا ولهم «صلات موثوقة» بمحاولة الانقلاب، حسبما قالت السلطات الأربعاء. وقالت وكالة الهجرة السويدية إن طالبي اللجوء الذين لهم «نشاطات سياسية معارضة موثوقة» ينضمون أيضا إلى «الجماعات التي تتعرض للخطر»، في خطوة تزيد من غضب أنقرة من دول الاتحاد التي ترفض التعاون معها في ملاحقة أنصار غولن.
واستقبل أردوغان، الأربعاء، الأمين العام للمجلس الأوروبي، ثوربيورن ياغلاند، في المجمع الرئاسي في العاصمة أنقرة، وذلك عقب توجيه كثير من الانتقادات من قبل مسؤولين أتراك بارزين، للاتحاد الأوروبي، لتأخره في دعم الشعب التركي والحكومة ضد محاولة الانقلاب الفاشلة، وقال أردوغان: «لم يأت إلى تركيا أياً من المسؤولين الغربيين لتقديم التعازي إلينا».
وقال رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، الأربعاء، إن بلاده كعضو يحظى بالاحترام في المجتمع الدولي تنتظر من شركائها التضامن والتفهم والحوار البناء خلال هذه المرحلة، وذلك خلال استقباله ياغلاند، بمقر حزب العدالة والتنمية الحاكم، في العاصمة أنقرة.
ويعلق اللاجئين في تركيا آمالاً كبيرة على إمكانية تصاعد الخلافات التركية الأوروبية وانهيار الاتفاق بين الجانبين الذي أعاق عمليات الهجرة بسبة كبيرة جداً، وعبر عدد كبير منهم عن نيته التوجه فوراً إلى اليونان ومحاولة الوصول إلى قلب أوروبا في حال انهيار الاتفاق وخفض تركيا لإجراءاتها الأمنية التي تمنع تحرك اللاجئين عبر القوارب المطاطية من السواحل التركية.

الخلافات الأوروبية التركية تقترب من الانفجار: اتفاق الهجرة أول الألغام واللاجئون أكثر المتحمسين

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية