برامج حوارية مغربية تكيل بمكيالين وتسفه الضيوف والإتجار بدموع الفنانين على التلفزيون!

أكبر أخطاء بعض منشطي البرامج التلفزيونية الحوارية في المغرب، أنهم يكيلون بمكيالين مع ضيوفهم، ضاربين عرض الحائط متطلبات المهنية والحيادية والموضوعية التي يقتضيها العمل الإعلامي.
محمد التيجيني، صاحب برنامج «ضيف الأولى» واحد من هؤلاء، فبقدر ما يحاول أن يستأسد على ضيوفه من الأغلبية الحكومية، يتحول إلى حمل وديع مع بعض أطياف المعارضة، الشيء الذي يبدو معه وكأنه يتحالف مع هذه الأخيرة ضد الأولى. وحلقته التي استضاف فيها، إلياس العماري، أمين عام حزب «الأصالة والمعاصرة» خير مثال على ذلك، حيث فوجئ المشاهدون للصورة التي بدا عليها صاحب البرنامج: مضطربا، مرتبكا، ضعيفا أمام الضيف المستجوَب الذي كان يقاطعه قبل أن يكمل أسئلته المهادنة اللطيفة (على غير عادته). وتساءل متتبعون عما إذا كانت تلك الحلقة أُنجزتْ على مقاس الضيف، بل إن هذه الملاحظة لم تصدر فقط من مشاهدين أو متتبعين، وإنما أيضا من أبناء الدار، فانطبقت على البرنامج العبارة القرآنية «وشهد شاهد من أهلها»، فها هو الإعلامي عبد الغني جبار (مقدم أخبار بالقناة الأولى) يوجّه سهامه لذلك البرنامج الحواري الذي يقدم في القناة نفسها، حيث كتب تدوينة على صفحته «الفيسبوكية»، جاء فيها: «للأسف الشديد، تأكد اليوم بالملموس وبالصوت والصورة أن برنامج «ضيف الأولى» برنامج مسيّر عن بعد، فلما حضر المُسيّر تلعثم الضيف، وأقرّ أخيرا بأنه مستضاف بدل أن يكون مستضيفا.»
ولا يستغرب المرء من ذلك، إذا استحضر مسار صاحب البرنامج الذي نذر نفسه ـ في إقامته بالمهجر الأوربي ـ لنشر غسيل القناة الأولى المغربية عبر «يوتيوب»، ولكنه حين نال نصيبه من الكعكة، صار يهيىء برنامجا متحكَّما فيه بواسطة جهاز «الريموت كونترول»، مهمته الأساسية السعي إلى تسفيه بعض ضيوفه وإعلاء شأن البعض الآخر. وربما هذا ما يفسر الحظوة الخاصة التي ينالها هذا البرنامج لدى إدارة التلفزيون المغربي، والتي من مظاهرها العناية الكبرى المرصودة له على مستوى الديكور، خلافا للبرنامج الحواري الثاني الذي يتناوب معه «قضايا وآراء» لمعدّه ومقدمه الإعلامي عبد الرحمن العدوي، فديكور هذا البرنامج تقليدي وضعيف جدا.
إننا لا ننتظر من منشط البرنامج الحواري أن يرمي الورود في وجه ضيوفه، ولا أن يسلقهم بألسنة حداد، ولكنني نأمل منه أن يتقن فن طرح السؤال، من أجل مساعدة المتلقي على الوصول إلى المعلومة أو بناء الموقف السياسي الواضح. لكن ذلك المطلب غائب للأسف الشديد في برنامج «ضيف الأولى».
ويأتي، بعد ذلك، مَن يتساءل: لماذا لا تحظى البرامج الحوارية المغربية بنسبة مشاهدة عالية من لدن الجمهور، كما يحصل ـ مثلا ـ مع المسلسلات التركية رغم كون هذه الأخيرة فارغة المحتوى ومهلهلة من حيث بناؤها الدرامي؟

كرامة الفنان أولا…

قدمت القناة الأولى، قبل بضعة أيام، تقريرا إخباريا عن الحالة الصحية الصعبة التي يجتازها المطرب المغربي ميمون الوجدي، حيث بثت صورا له وهو على فراش المرض، وأوردت تصريحات له في الموضوع نفسه، وخُتم التقرير بدموع سالت من عيني الفنان المذكور الذي ندعو له بالشفاء العاجل.
كلما شاهدت تقريرا من هذا النوع، إلا وتساءلت بين وبين نفسي: ألا تحط مثل تلك الصور من شموخ الفنان ومن كبريائه وكرامته والصورة الجميلة التي يحملها عنه الجمهور؟ لماذا يحاول التلفزيون في أكثر من مرة أن يظهر الفنان المغربي بمظهر الذي يستجدي التدخل والمساعدة من أجل توفير العلاج له؟ مع أن ذلك حقا من حقوقه، وليس لأحد أن يمنّ به عليه.
وثمة تساؤل آخر يطفو على السطح: هل الفنانون هم وحدهم الذين يمرضون ويكونون طريحي الفراش؟ ألا يمرض المهندس والبرلماني والطبيب والمحامي وغيرهم من أصحاب المهن الأخرى؟ ولماذا لا يبثّ التلفزيون صورهم وهم في حالة ضعف وهوان واستكانة؟
لماذا يراعي التلفزيون خصوصية تلك الفئات من المجتمع وكرامتهم، ولا يفعل ذلك مع الفنانين؟ ربما لكون هؤلاء عموما يعيشون أوضاعا هشة، لغياب أو محدودية نظام التأمين الصحي لديهم.
من غير المستساغ أن يتحول الفنان الذي يسعى لإدخال الفرح إلى قلوب الناس إلى شخص يذرف الدموع مستجديا مساعدته على العلاج، فالدولة مطالبة بأن توفر له الرعاية الصحية التي تحفظ له كرامته وعزة نفسه.

أي حصيلة للإصلاح؟

شهور قليلة تفصلنا عن رحيل الحكومة المغربية الحالية، وهي فرصة لتقييم عملها في مجال الإعلام السمعي البصري الذي يعنينا في هذا المقام. فهل استطاعت وزارة الإعلام أن تطبق مبادئ الحكم الرشيد والمناصفة وتكافؤ الفرص والشفافية في تدبير هذا القطاع، وذلك بعدما أطلقت مواثيق قانونية لذلك الغرض، تحمل اسم «دفاتر التحملات»؟
بما أن العبرة بالنتائج، فإننا نسارع بالقول إن لا شيء من شعارات الوزارة الوصية قد تحقق على أرض الواقع:
ـ فلا مؤسسات الإذاعة والتلفزيون احتكمت إلى تدبير جيد وذي مردودية على مستوى الخدمة العمومية في مجال الإعلام، من خلال تقديم مواد تلفزيونية راقية ومتوازنة تحضر فيها عناصر الإخبار والتوجيه والتربية والتثقيف والترفيه.
ـ ولا صفقات الإنتاج أفرزت منتجات تلفزيونية جيدة، أو شركات تهمها انتظارات المواطن/ المشاهد ومصلحة الوطن قبل أن يهمها العائد المادي لوحده. فتلك الصفقات كانت من نصيب شركات بعينها استحوذت على جل مشاريع البرامج، ولم تترك للأخريات سوى الفتات.
ـ ولا شبكات البرامج استطاعت أن تصالح المشاهد المغربي مع قنواته، بعدما صار يهجر هجرة جماعية نحو فضائيات الشرق والغرب.
ومن ثم، نخلص إلى أن حكومة عبد الإله بن كيران فشلت فشلا ذريعا في اقتحام قلعة الإعلام العمومي التي بدت منيعة ومحصنة. وكل ما فعلته، هو أنها طفقت تحوم حولها بحروب كلامية من جهة، وبإطلاق مشاريع قوانين من جهة ثانية.

٭ كاتب من المغرب

برامج حوارية مغربية تكيل بمكيالين وتسفه الضيوف والإتجار بدموع الفنانين على التلفزيون!

الطاهر الطويل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية