تقول باحثة تجري دراسات عن البدو في فلسطين: بينما كنّا في منطقة الخليل، توقفنا في إحدى القرى وسألنا أحد الرجال إن كان سكان القرية من البدو؟ فرد علينا الرجل قائلا: كلا إنهم تعامرة.
إن ما قاله هذا الرجل يلخّص وضع عشائر عرب التعامرة حاليا،.لقد كانت هذه العشائر حتى عشرينيات القرن الماضي تعدُّ من البدو، لكن هذه الصفة اختفت تماما أو تكاد. لقد أصبح معظم عرب التعامرة من سكان المدن حاليا ولم يعودوا يحملون من البداوة سوى الاسم، إذ لم يبق منهم من يرعى الغنم إلاّ قلة قليلة تُعدُّ على أصابع اليد. حدث هذا الاستقرار أو الـ«توطين» القسري بفعل الاحتلال الصهيوني بشكل عشوائي، ومن دون دراسة أو تخطيط، وكان نتيجة طبيعية للتحول الذي ذكرناه سابقا، كما تم بجهـــــود أهالي المنطـقة ومن دون تدخل أو مساعدة من أطراف رسمية.
وربما يكون من محاسن هذا الاستقرار أنه قلص من فرص التمدد الاستيطاني الصهيوني في الأراضي المأهولة بالسكان العرب. ما يقلق في مثل هذا النوع من الـ»توطين» أنه لم يثر القدر الكافي من الاهتمام الرسمي والأكاديمي لمعرفة كيفية التوفيق بين البداوة والحداثة بعد التحول الزماني والمكاني، لأن الإنسان في غياب هذه المصالحة بين القديم والحديث، وفي غياب الوعي، لا يستطيع الدخول في المستقبل الحقيقي، من دون فهم للماضي والحاضر وما يحملان من قيم وعمق تاريخي، كما يظل ضحية للنعرات العشائرية والسياسات الرسمية المصلحية.قد يكون البحث في التاريخ غير المكتوب من أصعب المهمات التي تواجه الباحث.
في هذا الكتاب، حاول الكاتب الإضاءة على تاريخ شريحة من شرائح المجتمع الفلسطيني وحاضرها، ورصد التحولات التي مرَّت بها، وكذلك تسجيل الجانب السوسيو- أنثروبولوجي لمنطقة بدوية في فلسطين قبل جرف تيار الحداثة والاحتلال الصهيوني لها، ونظرا لأن طريقة التقصِّي الأنثروبولوجي تبقى محدودة لصعوبة تطويعها لتلك المرحلة الزمنية الغابرة، خاصة أن المصادر المتوافرة لا تسمح بمتابعة وتدقيق التطور الذي مرَّت به عشائر عرب التعامرة على الصعيد الزمني والإحصائي، فقد ركَّزت هذه الدراسة على الجانب الإثنوغرافي الذي يتناول وصف مجتمعات بشرية بعينها من الناحية الثقافية، ويعتمد على العمل الميداني لجمع البيانات. كما يتطلب أسلوب البحث هذا أن يصبح الشخص مشاركا في المجتمع موضوع البحث، أو أن يعيش ضمن هذا المجتمع نفسه، وهو ما يعرف بالانغمار الثقافي. وقد مرَّ الكاتب بخبرة الانغمار هذه حيث عاش طفولته وجزءا لا بأس به من حياته بينهم.
اعتمد المؤلف المنهج الروائي التأريخي الوصفي السردي لتتبع التغيرات الاجتماعية الديموغرافية، واستفاد مما وقعت عليه يداه من الدراسات والإحصائيات والمراجع القديمة والحديثة، واعتمد أيضا على المثل والموروث الشعبي والروايات المحكية والمكتوبة لتقديم فهم أفضل لحياة المجتمع موضوع الدراسة وتلمس التحول الذي شهده هذا المجتمع كأحد سنن الحياة. انها بالفعل محاولة تتسم بالحرية والجرأة التي لا يملك القارئ ازاءها إلا الإشادة بمضامينها ونهجها.
الغوص المتوازن في بحث علمي يحاول تتبع حركة نخبة من العشائر العربية الأصيلة في المنطقة لا يمكنه ان يمثل «مهمة سهلة» ومتاحة للجميع الا اذا كان المتصدر لمثل هذه المهمة يحفر في أعماق فكرة الإنسان والبداوة الأصيلة بروح من المسؤولية وإطار من العلمية المهنية وبعيدا عن كل الحسابات الفرعية.
لعل أولادنا الآن وفي المستقبل يمكنهم الاطلاع على نافذة مهمة في دروس الماضي وحراك أجدادهم … لعلهم يدركون بأن الأجداد لم يعترفوا يوما بالحواجز والحدود وهم ينسجون قصتهم مع الوجود والكيان العشائري النقي الخالي من تلك الاسطوانات المشروخة بعنوان الهوية الفرعية.
باحث من طراز الكاتب الصحافي داود سليمان القرنة رسم لنا لوحة في هذا الاتجاه عندما حمل كشاف الضوء ليسلطه على الجذور التاريخية وما لها من امتدادات جغرافية متشابكة لشريحة عشائرية من شرائح المجتمعين الفلسطيني والأردني بحاضرها وماضيها.
لقد انتمت هذه العشائر أزمانا طوالا إلى «بيت الشعر» في جنوب فلسطين، بما يحمله هذا الانتماء العشائري من سلوكات وتقاليد تنتظمها في الغالب قيم إنسانية جليلة يتوارثها الأبناء الذين نمتهم البادية غارسة فيهم فضائلها من كرم ونخوة وشجاعة وإيثار وفروسية.
الكاتب قرر الغوص في الجذور الأولى لذاكرة شريحة تمثل «عشائر التعامرة» التي أشارك الباحث في الانتساب لها، كما ننتمي أنا وهو وكل أبناء عشائر التعامرة لهذا التراب الطاهر في حوض نهر الأردن.
الكاتب يحاول الحفاظ على الذاكرة الجمعية والوطنية لعشائر التعامرة قبل أن تبيد أو يعبث بها النسيان أو ينتهكها النمط الاستهلاكي العصري ويذيب فكرتها النبيلة كعشائر بدوية أصيلة قومية الهوى وعابرة للحدود السياسية وتؤمن بربها وبنهر الأردن.
وتنحدر هذه العشائر ـ كما يورد الباحث ـ من أصول مرجعها قبائل بني الحارث وغيرها في الجزيرة العربية، ومنها هاجرت قبل عدة قرون لتستقر في المناطق الممتدة جنوب شرق مدينة القدس، وهذا بطبيعة الحال حراك طبيعي في المنطقة شمل العديد من عشائر وقبائل المنطقة.
هذه الإضاءة ـ كما سماها الباحث ـ كانت تتطلب جهدا فريدا من نوعه لا تطيقه إلا الندرة من الباحثين ـ والباحث منهم ـ لأن عملية التقصي الأنثروبولوجي في ضوء شح المصادر المتوافرة تبقى صعبة الإنجاز. ومع ذلك استطاع داود سليمان القرنة بما أوتي من ذكاء لماح ومعايشة طويلة ومبكرة لمجتمع عشائر التعامرة في فلسطين، أن ينجز عملا علميا موثقا إلى حد كبير ـ في حدود الإمكانات المتوافرة ـ عملا لا تشتم من خلاله رائحة التفاخر بالأحساب والأنساب التي باتت أمرا غير مستساغ في ظروفنا المجتمعية الحالية بقدر ما تشتم فيه رائحة التأصيل العلمي.
في دراسته الرصينة تلك، اعتمد الباحث المنهج الروائي التاريخي الوصفي السردي متتبعا المتغيرات الاجتماعية الديمغرافية التي طرأت على حياة هذه العشائر بدءا من بيت الشعر وانتهاء ببيت الحجر، مستفيدا ـ كما يشير ـ من الدراسات والإحصائيات والمراجع القديمة والحديثة الى جانب ما حصل عليه من مثل وموروث شعبي أو رواية محكية او مكتوبة، أثرت هذه الدراسة أيما اثراء.
لقد حرص الكاتب على امتداد هذه الدراسة أن يشيد بالقيم الإنسانية لأي انتساب قبائلي أو عشائري شريطة أن لا يؤدي ذلك إلى التطرف أو تعزيز الهوية الفرعية أو التقدم على الانتماء للوطن على نحو ما نلحظه هذه الأيام حتى بين النخب المتعلمة التي حصلت على أعلى الدرجات العلمية. على الرغم من عصر الحداثة الذي نعيشه، مازال الكثيرون منا ـ على حد تعبير الباحث ـ «يحتمون وراء التعريفات القبائلية» مستدعين الأمجاد الغابرة بدلا من التسابق على النفع العام، والإنجاز الإنساني الذي يخدم الوطن الكبير.
نعم لم يعد مقبولا اليوم أن تبقى إشكالية الولاء والانتماء من دون حل وحسم. ونعم، نحن جميعا في عشائر التعامرة الأردنية والفلسطينية النبيلة أبناء لحوض نهر الأردن ، لأن الأوطان في المحصلة «ملامح» وبشر وشجر وحجر وليس مناصب وسياسات وهويات، كما يقول شاعرنا الجميل الراحل حبيب الزيودي. ثمة منظومة قيم سامية تجب كل أشكال التعصب القبلي والعشائري التي عانت ولا تزال تعاني منها مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
ثمة عصر حداثة لا يطيق التعصب والانغلاق، علينا أن نلجه بثبات ونخطو نحــــو المستقبل بضمـــــير مسؤول ومنطق توحيدي، فلا مكان في المستقبل لأي مجموعة سكانية بعيدا عن العالم الذي لم يعد فقط غرفة صغيرة، كما قال علماء الاتصال، بل طاولة صغيرة جدا عليها جهاز كمبيوتر حجمه قد لا يزيد عن حجم علبة السجائر.
الولاء للوطن ينبغي أن يتصدر كل الولاءات لأنه الأكثر نضجا وانتماء. وهذا لا يعني أننا نحكم على التقاليد القبلية حكما جائرا، فثمة منها ما يتناغم والحس الوطني الإنساني، إذا ما أُحسن توظيفه في مناحي حياتنا العامة. مثل هذه التقاليد هي التي يجب أن تُنمَّى، لا تلك التي توسع الشرخ والانقسام بين أبناء الوطن الواحد.
والعشائر الأردنية والفلسطينية المتأصلة في سيرتها ما يخدم الأفكار النبيلة ويعلي من قيمة الإنسان ويعزز العدالة ويوفر الحماية للفرد، وفي سيرتها تراث من النبل وضعه الأجداد نحن في أمس الحاجة إليه اليوم.
يستحق الباحث التقدير لما بذله من جهد موصول في إعداد هذه الدراسة المهمة التي حفرت في العمق التاريخي لعشائر عريقة عاشت في فلسطين متتبعا بكل موضوعية ومهنية معالم مسيرتها منذ البداية حتى وقتنا الحاضر. وله الشكر لأن في هذا البحث فوائد ومكاسب لا يمكن إسقاطها من الحساب إذا توافرت حسن النوايا، وليس أقلها إبلاغ الأحفاد اليوم بما كان يرسمه أجدادهم من لوحات النبل والكرامة والانتماء للتراب الوطني.
من منشورات دار دجلة 2016،
270 صفحة من الحجم المتوسط
٭ وزير الثقافة الأردني ـ سابقا