سيكون أولمبياد ريو دي جانيرو، الذي افتتح مساء أمس الجمعة، أحد أكثر اللقاءات الرياضية العالمية الكبرى تأثراً بالسياسة، وسيكون انعقاده لأول مرة في القارة الأمريكية اللاتينية سبباً إضافيا لتجدد النقاشات الحادة للعلاقات المثيرة بين الرياضة والسياسة، من دون أن نغفل مواضيع كثيرة أخرى مرتبطة بها، كالبيئة والفقر والمرض والفساد.
كانت المقدّمة لهذه الملحمة الرياضية ـ السياسية قرار البرازيل، وهي إحدى أهم اقتصادات العالم النامية، استضافة هذه القمة الرياضية العالمية، وهو ما أدّى إلى تظاهرات واعتصامات وأزمة سياسية استناداً إلى دعوى أساسية وهي أن الأمة البرازيلية أولى بالمليارات التي صرفت على إعمار المنشآت الرياضية الأولمبية، ولعلّ خصوم رئيسة البرازيل ديلما روسيف قد استخدموا جزءاً من رصيد هذه الاحتجاجات واستثمروها في الإجراءات المستمرة لرفع الحصانة عنها ومحاكمتها، وبالتالي فإن جناح روسيف اليساريّ في البرازيل دفع، مقدّما، جزءاً من الفاتورة السياسية لهذا الحدث الرياضي الكبير.
الحدث السياسي الأبرز في الأولمبياد كان طبعاً فضيحة الفساد الروسي الرياضي والذي أدّى إثر انفضاحه لتعرّض بعثة موسكو الرياضية لاحتمال حرمانها كلّياً من المشاركة، ولكن الهيئة الأولمبية العليا، وكذلك حكم المحكمة سمحا لـ271 من أصل 389 رياضياً روسياً بالمشاركة، واذا استخدمنا هذا الرقم للقياس فهذا يعني أن نسبة الفساد الرياضي في روسيا تعادل 30٪ من مجمل رياضييها، وكون هذا الفساد تم بموافقة السلطات الروسية نفسها، فهذا يعطي فكرة أيضاً عن ارتباط الفساد السياسي بالرياضي.
أحد كبار المسؤولين الرياضيين الروس، الكساندر جوكوف، بدلاً من الاعتذار عن فضيحة الفساد، انتهز الفرصة للافتخار بأن ليست هناك بعثة رياضية عالمية «أكثر نظافة من الفريق الروسي»، وهو تصريح «سياسي» بامتياز!
وكطريقة لعرض تفاعل هذا الأولمبياد مع ما يجري حالياً في العالم فإن السلطات الأولمبية العالمية قرّرت إشراك فريق رياضي من اللاجئين لينضم إلى مئتين وست دول مشاركة، ولعل قلوب الملايين من المهجرين والنازحين واللاجئين الذين هجّروا أو تم نفيهم من أوطانهم أو هربوا لأسباب سياسية أو اقتصادية ستكون متعلّقة بهؤلاء الرياضيين اللاجئين وتأمل أن يكون وجودهم تعبيراً عن الطاقة الإيجابية الكبيرة التي يحملها اللاجئون الذين تطاردهم الأفكار العنصرية والتنميطات الإعلامية التي تركز على التخويف من الغرباء والأجانب والأقليات الدينية والعرقية.
وبحسب المعلومات التي وردت فإن كلمات حفل الافتتاح ستتطرّق أيضاً إلى مواضيع السياسة وتتحدث عن احتفاء البرازيل بالتنوع، وإضافة إلى قضايا البيئة، وهي بدرجة كبيرة قضية سياسية أيضاً، فإن بعض الكلمات ستوجه بعض النقد للمرشح الجمهوري الأمريكي دونالد ترامب، ولقرار بريطانيا بالخروج من أوروبا.
الأزمات السياسية التي أدّى إليها قرار السلطات البرازيلية استضافة الأولمبياد ستخلي الطريق لارتفاع حرارة التنافس الرياضي بين الأمم وستخفّف من مخاوف الإرهاب والصراعات السياسية والعسكرية بين الدول كما يمكن ملاحظة معالم حماس شعبي حقيقي في البرازيل خصوصاً مع تأكيدات اقتصادية أن أرباح بيع حقوق بث المسابقات الرياضية التي بدأت في ريو ستبلغ رقماً غير مسبوق وهو 9.3 مليار دولار، مقارنة بـ8 مليارات دولار في أولمبياد لندن السابق، و5.5 مليار دولار في أولمبياد بكين الأسبق.
في لقطة معبّرة بثتها وكالات الأنباء نشاهد عامل إطفاء برازيليا يحاول كسر قفل البوابة الشرقية لاستاد ريو بعد أن أضاع منظمو الأولمبياد مفتاحها، وهي صورة رمزيّة لكل ما يتعلّق بأولمبياد ريو ففي ظل الحديث عن أخطاء ومخاوف من البيئة غير الصحية لنهر ريو وارتفاع معدلات عدم المساواة الاجتماعية بين طبقاتها وأزمة فساد الرياضيين الروس ومناورات إزاحة الرئيسة البرازيلية تنفتح البوابة أخيراً ليستمتع العالم بتنافس رياضييها قبل أن يعود من جديد للانهماك في الحروب.
رأي القدس