توجد في جوانح الأرض العربية، في اليمن، حضارة عريقة دفينة تحت أكداس من تراب القرون، تكافح أطلالها المطمورة من أجل الظهور في مسرح التاريخ، كما يكافح الغريق جرفه التيار، فبرزت أنامله من تحت الماء تستجير وتستغيث.
وتكمن أنباء هذه الحضارة في ذاكرة الأجيال اليمنية، دفينة كذلك تحت ظلمات العصور الجاهلة الذاهلة، مختنقة بالأساطير والخرافات، خليط حقها بباطلها، وصدقها بكذبها، وواقعها بترهاتها. تماماً كما تختنق كنوز القصور الباذخة، وأعمدتها العاتية الشامخة، ونقوشها الناطقة الصارخة، تحت طبقات ثقيلة عمياء من الأتربة والرمال والصخور والصمت.
وإنك لترى بعض المؤرخين اليمنيين الذين تخلف في دمائهم إرث المأساة، وكمنت في أعراقهم أحاسيس المجد، وهم يؤرخون لحضارة أسلافهم، فلا يصنعون إلا صنيع النائم الحالم، تكدست في تلافيف مخه أخلاط الحياة الذاهبة، وانبجست في دنيا أحلامه كرموز وإشارات صاغتها الطاقات اللاشعورية، في أسلوب شاعري يشبه الأكاذيب، وما هو إلا الصدق المقنّع المستكين، طورد من وعي شعبه فلا يستطيع أن يعود إليه إلا متنكراً في أغرب الأزياء.
وإنك لتحس، وأنت تقرأ نماذج من ذلك التاريخ القديم، بأن ومضات الحياة المتحضرة النابهة تلتمع بين الحين والحين في ثنايا السطور، كأنها رموز نابضة قادمة من عالم آخر، شاعرة بالغربة والكربة، وسط خضم من الغباء والجهالات والانحراف والعجز والعقوق.
إن النظرة إلى ما كتبه المؤرخون العرب القدامى عن تاريخ العرب في اليمن قبل الإسلام، تؤكد أنه تاريخ لا يستطاع وزنه في موازين التاريخ الدقيقة، لكثرة ما اختنق فيه من غموض واضطراب وتناقض، ولقلة ما يستند إليه من أصول ووثائق. ولكن ذلك كان الشأن تقريباً في تاريخ الأقدمين بصورة عامة، حينما لم تكن كتابة التاريخ خاضعة للنقد والتمحيص. بيد أن المستشرقين الأوربيين من عشاق التاريخ القديم كانت قد ألهبت عزائمهم الإشعاعات الخافتة التي تشير إلى مجد يمني عريق، والتي وقعت عليها أعينهم في أسفار التاريخ اليوناني والروماني، وفي مؤلفات العرب، وفي الكتب المقدسة، وفي الأساطير الإسرائيلية، وفي بعض النقوش التي عثروا عليها خارج اليمن. وتنبه هؤلاء الأفذاذ إلى أن هناك شيئاً جليلاً كبيراً وسط خرائب اليمن يستحق المغامرة والتضحية، فغامروا وثابروا، وأطلوا بعيونهم الثاقبة من خلال الصخور الصلدة، إلى عالم عربي رائع بديع، تدب وتترعرع فيه أمجاد العروبة الأولى في دنيا العالم القديم. ومن يومئذ تبين أن فيما كتبه العرب القدامى عن تاريخ اليمن، بل فيما رووه عن أساطير إسرائيل، شيئاً جليلاً من الحق والواقع، فهو وإن افتقر إلى الدقة في التفاصيل وإلى المنطق في سرد وقائع وحوادث معينة، فإنه على أقل تقدير كان إشارة مجملة إلى حقائق تاريخية ذات شأن كبير. وقد تبين أنه على سبيل الحيطة لا ينبغي للباحثين أن يستهينوا بالعلاقة بين الأسطورة والتاريخ، فمخترعو الأساطير عادة لا يخترعونها من العدم، وإنما قد يصطنعون أقاصيص وتفاصيل ومبالغات، حول أصول الحقائق التي تتوارثها ذاكرة الأجيال، وتبليها الألسن، وتعبث بها لكثرة التداول.
حتى لو شاء القصاصون أن يختلقوا ويبالغوا في بدع أو نكر، فإنهم غير قادرين على أن يخلقوا شيئاً من لا شئ، على أنهم لو خلقوه خلقاً بكراً لتركوا لنا في ثنايا مخلوقاتهم الأسطورية، أضواء جمّة إلى أسرار أنفسهم، وأسرار عصرهم، ونصيب من تراث العصور التي سبقتهم. وبذلك يعطوننا الصدق حتى وهم يخترعون الأكاذيب بل وقد يكون عطاء الأساطير أكثر من عطاء الحقائق وأجدى على التاريخ والمؤرخين.
إن ملحمة كالإلياذة وهي تختلق ألواناً من الآلهة وتزج بهم في المعركة وتأخذ معهم وسط الحوادث التاريخية وتعطي، أجدى علينا من مجلدات تاريخية ضخمة، إذْ هي تستطيع، كما لا يستطيع أي مؤرخ متزمت، أن تضع بين أيدينا صورة أصيلة، لنفسية الشعب ومعتقداته وتقاليده، وطريقته في ممارسة الحياة والموت، وأسلوبه في الخيال والتصور والتفكير، وخصائصه عند تحركاته العاطفية خلال الأمن والخوف والحب والكره والكر والفر والأفراح والأحزان. وأسطورة سميراميس، تلك السيدة التي قد لا يكون لها وجود حقيقي في التاريخ، وهي مع ذلك أثبت بقاءً وأعظم خلوداً من أي بطل من أبطال عصرها، بل وقد تكون أكثر فائدة لتاريخ ذلك العصر السحيق من بطل حقيقي يرويه مؤرخ ما، إذ كانت هي وحدها رمزاً كاملاً لعصور عاشتها إمبراطوريات بابل وآشور، كأنما كانت رؤية رمزية تحلم بها أعراق الأجيال الهاجعة النائمة الساهية اللاهية، وتومئ بإشاراتها إلى ما تكنه تحت أقدامهم رمال الصحراء في جوانحها من حضارة مجيدة دفينة، تبين فيما بعد التنقيب عنها أنها كانت من المراحل الحاسمة الأولى في تطور البشرية.
وبين أيدينا فيما يتعلق بتاريخ اليمن القديم صور شتى من الأساطير، وألوان من المؤلفات التاريخية القديمة عن هذه البلاد المغمورة المطمورة، ولكنا نختار منها لبحثنا هذا تاريخاً أسطورياً في كتاب قديم شرح فيه مؤلفه قصيدة لنشوان بن سعيد الحميري، بعنوان «ملوك حمير وأقيال اليمن» وأخرجه إلى الطبع وعلق عليه باحثان جليلان ممثلان لليمن في الجامعة العربية وهما السيدان علي بن اسماعيل المؤيد واسماعيل ابن أحمد الجرافي.
والصبغة العامة في هذا الكتاب هي المبالغة في إبراز الأمجاد اليمنية في العصور التي سبقت البعث الإسلامي. هذه الصبغة العامة وحدها تعطينا صورة دقيقة حية للنفسية اليمنية التي كان يعتلج بها جو ذلك العصر، بأسلوب وجداني متحمس صارخ، لا يغني عنه أي بحث دقيق ـ لو وجدناه ـ يعنى بهذا الموضوع الحساس بطريقة مباشرة.
لقد أراد المؤلفون القدامى لأمثال هذه الأقاصيص أن يحملونا على التصديق والإعجاب بمعجزات مفتعلة للأبطال اليمنيين الأولين، ولكنهم حملونا على الاقتناع بحقائق جليلة أخرى لم يهدفوا إليها، بل لعلهم كانوا يميلون إلى كتمان بعضها والتستر بها. على أن هذه الحقائق لا تقل أهمية في نظرنا عن التي أرادوها وقصدوا إليها (…)
المبالغات في حد ذاتها لا تعنينا ولا تهمنا، وهي ظاهرة بارزة في تاريخ الأمم عامة كما أسلفنا، وإنما الذي يعنينا هو نوع هذه المبالغات والصبغة الغالبة عليها، وتلك هي الملامح التي نحس بها وراء كل مبالغة، وبالأخص في أنحاء الأمة العربية، كأنهم لا يستطيعون التصديق بأنهم هذا الشعب الصغير القاطن بتلك الرقعة الضيقة.
ولعل هذا الشعور من خصائص اليمنيين، ومن إلهام الذاكرة الوراثية التي تشبه أن تكون خليطاً روحياً غامضاً يربط الأحفاد بالآباء والأجداد، ويصل بين الحياة الفردية الفانية وحياة الأمّة ككيان كلّي أَوْلى.
بل يشبه أن يكون إحساساً مبهماً بالأبوة اليمنية للشعب العربي في سائر أقطاره، إذْ بينما تجد اليمنيين يشعرون بأنهم هم القبائل التي هاجرت هنا أو هناك أو تفرقت أيدي سبأ، تجد الشعور عند سواهم في بعض الأقطار العربية عكس ذلك، إذْ يحسون بأنهم هاجروا من الجزيرة العربية واستوطنوا البلاد التي هم فيها، وهذا الإحساس لا يكاد يخلو من أي قطر من الأقطار العربية الشمالية، ابتداء من العراق حتى المغرب الأقصى.
«العربي»، العدد 24
تشرين الثاني (نوفمبر) 1960
الثائر المستديم
كان الشاعر والعلامة والمناضل اليمني (1910 ـ 1965) نموذجاً فريداً على أقدار إسلام سياسي وطني مبكر في اليمن؛ اتسم، على يديه شخصياً، صحبة نفر محدود من أقرانه، بصفات عديدة ميزته عن الإسلام السياسي الأمّ، المصري الإخواني، الذي انبثق عنه أصلاً. وتكفي قراءة نصّ الزبيري المرفق، حول العلاقة بين التاريخ والأسطورة عموماً، وفي تاريخ اليمن القديم خصوصاً؛ للتدليل على مقدار الانفتاح الفكري على العصر، ورحابة الصدر، ونبذ الجمود، ورفض التحجر، فضلاً عن نقد عقلية «العصور الجاهلة الذاهلة».
ولد الزبيري في صنعاء لأسرة تصوّف وقضاء وتجارة، لكنه عاف هذا كلّه واتجه إلى العلم والأدب، فسافر إلى القاهرة وانتسب إلى دار العلوم، وهناك احتكّ بإسلاميي مصر في أواخر ثلاثينيات القرن المنصرم. وفور عودته إلى اليمن، سنة 1941، بادر إلى تأسيس حزب سياسي (وسيعاود هذه الخطوة مراراً فيما بعد: كتيبة الشباب اليمني»، «حزب الأحرار»، «الجمعية اليمنية الكبرى»، «الاتحاد اليمني»…)؛ وسطّر مذكّرة إصلاحية إلى الإمام يحيى، كما ألقى خطبة لاهبة في جامع صنعاء الكبير، فزُجّ به في السجن، وتوجب أن يهاجر إلى عدن ويعيش حياة المنفى باكراً.
في أطوار لاحقة سوف ينضم إلى الثورة الدستورية لعام 1948، فعاد إلى صنعاء وزيراً للمعارف؛ وتوجب أن يغادر إلى المنفى مجدداً (في الباكستان، إذْ لم يجد أرضاً عربية تقبل به)، بعد فشل هذه الثورة. كذلك استماله ضباط ثورة 26 أيلول (سبتمبر) 1962، فعاد إلى اليمن وزيراً للمعارف. ولكي تُختتم، على نحو فاجع، حلقات سلوكه كثائر مستديم، اغتيل الزبيري بطلقات نارية وهو يلقي واحدة من خطبه النارية.
وللزبيري مؤلفات كثيرة، منها في الشعر: «صلاة في الجحيم»، «ثورة الشعر»، و»نقطة في الظلام»؛ ورواية واحدة بعنوان «مأساة واق الواق». في الكتابات السياسية والثقافية، له: «الإمامة وخطرها على وحدة اليمن»، «الخدعة الكبرى في السياسة العربية»، «مطالب الشعب»، و»دعوة الأحرار ووحدة الشعب».
محمد محمود الزبيري