رغم انتهاكات الهدنة والكارثة الإنسانية في حلب اصرار أمريكي على تجربة التعاون مع الروس في سوريا

حجم الخط
0

واشنطن ـ «القدس العربي»: حدد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في شهر ايار/مايو الماضي اليوم الأول من شهر اب/اغسطس الحالي كموعد نهائي لمرحلة الانتقال السياسي في سوريا، ولكن الموعد كان نموذجا آخر لوعود أمريكية كاذبة وفشلا آخر لإدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما في سوريا وفرصة لموسكو لتوسيع نفوذها في المنطقة، والأهم من ذلك كله، رسم الخراب والدم في حلب المزيد من المشاهد التي تحكي الكارثة الإنسانية للحرب الأهلية المستمرة.
وصعدت المأساة في حلب من حدة التوتر بين الولايات المتحدة وروسيا، حيث طالب أوباما نظيره الروسي فلاديمير بوتين بوقف الهجمات على المعارضة، وزادت انتقادات البيت الأبيض للدعم الروسي لنظام الأسد الذي ما زال يواصل مهاجمة المدنيين ومنع الامدادات الإنسانية. كما شكك أوباما في خطابه الأخير، الخميس الماضي، بنوايا بوتين، وعلى الرغم من ذلك، أصر أوباما على منح «التعاون مع روسيا» فرصة أخرى ضمن مجموعة العمل الدولية للتوصل إلى حل لانهاء الحرب الأهلية، في حين حثت وزارة الدفاع الأمريكية على وقف اطلاق النار.
يدرك صناع السياسة في واشنطن ان نتائج حصار حلب، ثاني أكبر المدن السورية، له تأثير على الأمن القومي الأمريكي، وعلى الأرجح، ليس للأفضل، لان عدم نجاة جماعات المعارضة داخل المدينة من الحصار سيضر كثيرا بالمصالح الأمريكية. هذه الجماعات مستقلة عن الجماعات الجهادية ولكن إذا واصلت الولايات المتحدة تقاعسها عن صد الروس والنظام من تشديد الخناق على المدينة فعلى الأرجح، ستتجه هذه الجماعات للتحالف مع الجماعات الجهادية. وفي سيناريو آخر، تدمير المعارضة غير الجهادية في حلب سيعني كارثة استراتيجية، حيث يعتمد الأمن القومي الأمريكي على تدمير تنظيم «الدولة الإسلامية» وتنظيم «القاعدة» بواسطة جماعات المعارضة، وانهزامها يعني بالتالي عدم قدرة واشنطن على تنفيذ استراتيجيتها.
وفي المنظور الدبلوماسي والسياسي، النهج الأمريكي الانهزامي المتقاعس في سوريا والذي يتمثل في استجداء الروس بالموافقة على وقف اطلاق النار دون الاعتراف بالأهداف الحقيقية لموسكو في البلاد، قد أنتج أزمة سياسية داخل الولايات المتحدة نفسها، ومن مظاهر هذه الأزمة الاتهامات القاسية لأوباما في الحملة الانتخابية لترامب والنقاشات الساخنة في الكونغرس.
والخيارات محدودة أمام واشنطن بشأن حصار حلب، فهي لا تستطيع تعديل اتفاقية الهدنة التي استبعدت مدينة حلب من هجمات الروس والنظام السوري على الجماعات غير الجهادية، وهي لا ترغب في الوقت الحاضر في تنفيذ تهديداتها المتكررة في تنفيذ الخطة البديلة «ب». ووفقا للمعطيات الحالية، فان الهدف الوحيد لواشنطن هو انقاذ الجماعات الموالية لها من هزيمة دموية وعدم تعريض المدينة لكارثة أكبر، وعلى الأرجح، ستخسر المعارضة أكبر معقل لها في البلاد وستزيد فرصة الروس والنظام في فرض شروط في المستقبل فيما يتعلق بالتسوية السياسية المحتملة.
وشهدت حلب في الأيام الأخيرة أياما دموية، حيث استهدفت طائرات النظام السوري مستشفيات المدينة لكي تحرم ما يقارب من 300 ألف نسمة من الرعاية الصحية، كما استهدفت البنية التحتية لخلق شعور من الهزيمة والاستسلام، وهناك شكوك في الممرات الإنسانية المقترحة التي أعلنها الروس والتي بموجبها سيتم السماح للمدنيين بالخروج من المدينة. وفي اتجاه آخر، شنت قوات المعارضة هجوما معاكسا لكسر الحصار، وبدأت المعارضة السورية في تبني تكتيكات حرب العصابات، واندمج قادة المعارضة معا لاطلاق عملية واحدة بعيدا عن الخلافات الشخصية والسياسية والايديولوجية وأصبحت معركة حلب من الجانب السياسي والعسكري من أهم مفاصل الحرب الأهلية السورية ونقطة محورية في الأزمة.
هل هناك نهاية في الافق؟ البديل الذي خرج به دينيس روس وأندرو جيه تيلر في «نيويورك تايمز» هو معاقبة الحكومة السورية بسبب تجاوزات الهدنة عبر ضرب مطارات الجيش السوري وقواعد ومواقع المدفعية والمواقع العسكرية السورية التي لا تتواجد فيها قوات روسية بواسطة طائرات بدون طيار وصواريخ كروز. ووفقا لأقوال دينيس وتيلر فان مبادرة أوباما مع روسيا في الشأن السوري لم تكن منطلقة من أمل أو يأس بل رغبة في التجربة من خلال الهدنة الجزئية ولكن موسكو اغتنمت الثغرات التي تسمح لها ولحكومة الأسد بمواصلة القتال ضد جماعات لا علاقة لها بجماعة النصرة أو تنظيم «الدولة الإسلامية» كما سمحت انتهاكات أخرى لنظام الأسد بالحصول على المزيد من الأراضي ومحاصرة حلب.
لماذا نلوم الولايات المتحدة على كارثة سوريا وحصار حلب؟ لا يمكن لإدارة أوباما التنصل من مسؤولية الأحداث في سوريا وفقا لوجهة نظر فريدريك في «عالم حقيقي واضح» فرغبة الرئيس الأمريكي في التوقيع على اتفاق تاريخي مع إيران أعمته بالفعل عن رفض التدخل الإيراني في سوريا والذي أدى بطبيعة الحال إلى انقاذ نظام الأسد وتمكنه لاحقا من ممارسة الانتهاكات بحق المدنيين.
ولكن .. ماذا لو نجحت الصفقة بين واشنطن وموسكو بشأن سوريا؟ يلخص فيصل عتاني في «وور اون ذا روك» الإجابة بمفاجأة هي، ان الاتفاق المحتمل ليس في صالح جماعات المعارضة لا ويمكن في حال من الأحوال النظر للاتفاق كانه تعويض عن قدرات ضائعة بل سيتحول الميزان العسكري لصالح النظام ما لم تمنع الولايات المتحدة ذلك بطريقة ما، وفي الواقع، ستزيد الهدنات الهشة صعوبة الحصول على تسوية تفاوضية نهائية الأمر الذي يفتح الطريق لحرب أهلية أخرى ومزيد من التطرف.

رغم انتهاكات الهدنة والكارثة الإنسانية في حلب اصرار أمريكي على تجربة التعاون مع الروس في سوريا

رائد صالحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية