رغم الحصار والقصف المكثف… حلب المحرّرة تصمد وتثور

حجم الخط
1

حلب المحاصرة ـ «القدس العربي»: مع دخول الحصار المطبق على مدينة حلب المحررة شهره الثاني، ومع تواصل العمليات العسكرية لفك هذا الحصار، يتزايد القصف الجوي والصاروخي على أحياء المدينة من قبل النظام وحلفائه. ورغم فقدان الكثير من المواد الأساسية من الأسواق، ما زال الأهالي في المدينة يقاومون الطيران، وعادت النشاطات الثورية فيها إلى أوجها، في الوقت الذي كان ينتظر المحاصِرون استسلام الأهالي والثوار ويروجون لفكرة إفراغ المدينة عبر معابر إنسانية توصل إلى مناطق سيطرة النظام.
وعن الوضع المعيشي في المدينة يقول بشر حاوي، الناطق الرسمي باسم مجلس مدينة حلب الحرة، لـ»القدس العربي»، إن «الوضع المعيشي في المدينة سيئ وبدأت تظهر علامات الحصار بعد ما يقارب ثلاثين يوما من بدئه. ومن أبرز هذه العلامات فقدان العديد من المواد من الأسواق وارتفاع أسعار المواد المتوفرة بشكل كبير وملحوظ، وبالأخص فقدان المحروقات من مازوت وغاز وبنزين، والتي تعتبر من أهم المواد لتدوير عجلة الاقتصاد في المدينة، وأدى فقدانها إلى جعل الحركة معدومة في أسواق وشوارع المدينة، كما نتج عنه فقدان الكهرباء حيث تعتمد حلب على المولدات الكبيرة التي توقف أغلبها وخف عمل البقية الباقية بسبب نقص مادة المازوت وأصبحت أغلب الشوارع مظلمة في ظل انقطاع دائم للكهرباء الرئيسية».
ويصف الناشط الإعلامي براء الحلبي الوضع العام في المدينة قائلاً: «منذ بداية معركة فك الحصار كثف النظام القصف على مدينة حلب واستهدف كل الأماكن التي تعتبر مراكز حيوية، كمراكز الدفاع المدني والمشافي، ومن الناحية المعيشية، اختفت معظم المواد في السوق كحليب الأطفال والخضار والمحروقات، وإذا توفرت تكون بأسعار جد مرتفعة. مثلا ليتر البنزين سعره 3000 ليرة أي ما يعادل ستة دولارات، والناس حالياً رغم تأقلمهم مع الحصار إلا أنهم ينتظرون نجاح العمل العسكري لفتح الطريق، والضغط كبير عليهم بسبب الحصار الخانق بالتزامن مع القصف المكثف على المدينة».
وعن الوضع الطبي والصحي يشرح الحلبي: «هناك نقص أطباء شديد في عدة اختصاصات، مما يصعّب معالجة الإصابات الخطيرة الناتجة عن القصف أو المعارك، ولا يوجد منفذ للخروج من المدينة للعلاج، حيث يتوفى المريــــض أو المصاب بســــبب هذا الأمر أو يضطر الأطباء لبتر العضو المصاب كي ينقذوا حياته».
ومع بدايات مؤشرات اقتراب حصار المدينة بدأ مجلس مدينة حلب الحرة بالعديد من الإجراءات الاستباقية للحصار، من حيث تأمين احتياطي للطحين ومحروقات الأفران ومواد أساسية أخرى، إضافة للتواصل مع المنظمات والجهات العاملة في المدينة بهدف تنسيق الجهود وتوحيدها، وما زال المجلس يقوم بعمله في مواجهة آثار الحصار بعدة وسائل.
وحول خطة المجلس يقول بشر حاوي: «يتبع المجلس خطة لمراقبة الأسواق ومنع احتكار المواد بالمساعدة مع الفصائل العسكرية التي قامت بتشكيل قوة تنفيذية لمراقبة الاحتكار ومصادرة المواد التي يتم احتكارها، وإعادة بيعها وتوزيعها بشكل مناسب وتقنين وترشيد استخدام المواد المتوفرة. وتم توجيه نداء ومناشدات للجهات الأممية والدولية للتدخل والمساعدة في كسر الحصار، وإدخال المواد إلى المدينة عن طريق ممرات إنسانية بإشراف أممي».
وشكل مجلس المدينة بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني الموجودة في الداخل، الإدارة العليا لملف الإغاثة، التي تعنى بتنسيق ترشيد المواد الأساسية وأهمها الطحين كونه المادة الأهم في حياة الناس المحاصَرين.
تأثرت سلباً معنويات الكثير من النشطاء الثوريين والأهالي بُعيد الحصار، لكن المعركة التي بدأتها فصائل المعارضة لفك الحصار عن المدينة انطلاقاً من الريف الجنوبي أعادت الروح إلى المحاصَرين، وأصبحوا يخلقون لأنفسهم الأدوار في هذه المعركة ضمن الإمكانيات المتاحة لهم داخل الحصار.
وعن ذلك يقول الإعلامي مهاب عبد السلام: «بعد ثلاثة أيام تقريباً من بدء الحصار بدأ كل شيء يختفي من الأسواق كالخضار والمحروقات وأهم مواد المعيشة اليومية، ومع ذلك بقي الشعب صامداً حتى يومنا هذا مستعيناً بالله، ومعتمداً على الشيء الذي بقي موجوداً بالسوق كمواد النشويات. وكانت الحالة النفسية تحت الصفر، لكن سرعان ما سمع الأهالي بأن الثوار قد أعدوا العدة والعتاد لفك الحصار عن حلب فبدأت معنويات الأهالي بالارتفاع، وحين بدأت المعارك باشر الأهالي صغاراً وكباراً بمساعدة الثوار عبر إشعال الدواليب لتكوين غيمة سوداء كثيفة في سماء حلب لكي لا يرى الطيران هدفه».
وأذهل الحلبيون الكثيرين بحملة حرق الدواليب وتفاعل الأهالي الإيجابي معها، وأطلق ناشطون على أطفال حلب الذين شاركوا في حرق الدواليب عدة ألقاب أبرزها «كتيبة الدفاع الجوي في حلب». ورغم ظروف الحصار استعمل الأهالي الكثير من أغراضهم، غير الدواليب، لتساعد غيمتهم الدخانية الثوار في عمليات فك الحصار.
ويشرح الناشط براء الحلبي كيفية البدء بحملة الإحراق: «تم التنسيق مع غرفة عمليات فتح حلب وجيش الفتح لإشعال الإطارات، وأُعطِيت الإيعازات ببدء عملية الحرق، فخرج الناس لجمع الدواليب وإشعالها في الأحياء الشرقية والغربية المحررة من المدينة، وأثبتت هذه الطريقة نجاحاً كبيراً من اليوم الأول».
وعن تفاعل الأهالي والثوار المدنيين في حملة الحرق وعودة انتعاش المظاهر الثورية المدنية في المدينة، يتحدث الناشط المدني حذيفة دهمان: «كثف المدنيون تفاؤلهم من خلال الحراك الثوري والاستمرار بالتظاهر، وأعلنوا تاريخ الواحد والثلاثين من شهر تموز/يوليو الماضي يوماً لغضب حلب، حيث احتشد الأطفال قبل الكبار لجمع عجلات السيارات وإشعالها في معظم شوارع حلب المحررة. كما أشعل بعض المدنيين ثيابهم القديمة وشاركهم أيضا بعض الأشخاص الذين يمتلكون مشاغل خياطة بجمع القصاصات حرقها مع العجلات، وبهذا تزداد كثافة الدخان المنبعث من الحريق لعرقلة حركة الطيران الحربي ومنعه من استهداف الأحياء المدنية. كما تساهم مجموعات من الثائرات في إعداد وجبات طعام للمقاتلين المرابطين على الجبهات، مما حوّل حلب المحررة إلى خلية عمل ثوري كبيرة كما كانت من قبل».
وبالتزامن مع عمليات فصائل المعارضة لفك الحصار من الريف الجنوبي، تسعى الفصائل المحاصَرة للمساهمة بفك الحصار عبر الضغط من جبهة العامرية ـ الراموسة لتقليل المسافة الفاصلة بينها والفصائل المعارضة المهاجمة من خارج المدينة. وقد فجّرت هذه الفصائل نفقاً حفرته تحت أحد مراكز قوات النظام في حي الراموسة، الذي حوله النظام إلى ثكنة عسكرية كبيرة تحدّ مدرسة المدفعية الاستراتيجية من جهة الشرق وتشكّل عمقاً دفاعياً لها، وتوغّل الثوار بعد تفجير النفق في حي الراموسة وسيطروا على أجزاء واسعة منه.
ويشعل الثوار جبهات متعددة داخل المدينة، منها جبهة سوق الهال وجبهة المدينة القديمة، بهدف تشتيت قوات النظام وخلق ثغرة تمكنهم من التوغل داخل أحياء المدينة التي يسيطر عليها النظام.
ويحاول النظام وحلفاؤه يومياً اقتحام مخيم حندرات شمال المدينة، بهدف تضييق الحصار عليها وتأمين استقرار قواته التي تسيطر على جزء من طريق الكاستيلو آخر منافذ المدينة، في حين تفشل محاولاته المتكررة رغم مؤازرة سلاح الجو الروسي لقوات النظام المسماة «لواء القدس»، وسط اتهامات من الثوار للنظام باستخدام غاز الكلور مرات عديدة في عمليات قصف استهدفت المدنيين.
وحول الوضع العسكري داخل المدينة المحاصَرة يقول الناشط براء الحلبي: «يحاول النظام يوميا اقتحام مخيم حندرات، ورغم القصف الشديد على المخيم إلا أن الثوار يرفضون مغادرته، لانه يعتبر خاصرة للمدينة، وقد يؤمن النظام من خلاله طريقاً لأحياء المدينة المحتلة لأن طريق الراموسة مرصود من قبل الثوار من داخل المدينة بالمدافع والقناصين. وعموماً ما زالت جبهات المدينة متماسكة ولن يستطيع النظام احراز أي تقدم فيها. ويعمل الثوار على الاحتفاظ بها من خلال أعمال عسكرية قادمة، لا يمكن التصريح عنها حاليا لحين بدئها».
ورغم كل المعاناة التي يعيشها أهالي حلب المحررة وثوارها نتيجة القصف الجوي المتواصل والحصار المطبق، إلا أنهم يسعون لفك الحصار، مع مراعاة وقوع الأسوأ وهو قدرة النظام على إطالة زمن الحصار وتكثيف القصف أكثر.

رغم الحصار والقصف المكثف… حلب المحرّرة تصمد وتثور

فراس ديبة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية