إحياء مؤسسة «إسلام فرنسا»

وكأن الحكومة الفرنسية قررت أن تشمر عن ساعدها لمجابهة الجو المحتقن الذي يفرضه عليها السياق الراهن، سياق فرنسا التي اختارت التدخل دوليا حيث كان المدعو جاك شيراك مثلا سينتهج سياسة مختلفة تماما بكل تأكيد.
تريد الحكومة الفرنسية أن تشمر عن ساعدها…ولكن كيف…
كيف…هذا هو السؤال…وكدنا نطرح العبارة على الطريقة الشكسبيرية في رد على سؤال الوجود المصيري…أن تكون…أو ألا تكون…
نشر رئيس الوزراء الفرنسي مانوئيل فالس في ”جريدة الأحد”، وهي من أكثر الصحف الفرنسية شعبية وانتشارا، افتتاحية ”فكرية” يشيد فيها بثوابت فلسفة الحياة الفرنسية الأنموذجية، حسب رأيه، الذي يمثل في الواقع رأي شريحة معينة من الفرنسيين، ينتسب جلهم إلى المحيط الفكري.
تحت القبة الحاضنة للعيش المشترك، وهو مصطلح آخر من مصطلحات دوغمائية اليسار الفرنسي التقليدي، يشيد رئيس الوزراء الفرنسي بمزايا التعايش بين المؤمنين وغير المؤمنين، في ظل المعجزة الجمهورية التي تكفل شرعا جوا من التسامح يحتضن أبناء الوطن بأرحب صدر بغض النظر عن معتقداتهم وطقوسهم وشعائرهم….
ثم يمضي الوزير ليتحدث عن الإسلام…أو بالأحرى…عما سمعه عن الإسلام أو ما اقترحه عليه ”مستشاروه” مادة ثقافية «دقيقة» يستهدف بها تبرئة الإسلام من التطرف. يريد مانوئيل فالس، بالتأكيد، مقارعة جو الاحتقان السائد بفرنسا بجو تهدئة يبحث عن سلام مدني قابل لإعادة بث اللحمة بين أبناء هذا الوطن.
إعادة اللحمة…
دعوة جميلة لإنعاش الحرية والأخوة والمساواة، الثالوث الجمهوري الذي وظفه، مع غيره من الركائز الاصطلاحية التي أوردنا عينة منها قبلا، خطاب سياسي يرى دعاته أن «الحرية والمساواة والأخوة» تتحقق بفراغ معرفي يضاهي الحياد العلماني الذي قام بكل ما في وسعه لإبعاد الدين عن الساحة العامة وأطرها المؤسساتية.
فانظروا… شوفوا النتيجة.
وعندما يغرف هذا الخطاب من نمط آخر من البلاغة السياسية الشائعة أيضا وهو الكلام ”الأبوي”، هنا يكمن بيت الداء لأن من يتكلم بهذه الطريقة فاتته نقطة بسيطة، فـ «الأولاد» يولدون، ثم يحبون، ثم يستوون على سيقانهم…ثم سرعان ما يستقلون عن آبائهم. لقد أرادت فرنسا في مسعاها لاحتضان الإسلام على أرضها، أن – تبدع- و الإبداع مصطلح شائع آخر في أدبيات اليسار الفرنسي، ”إسلاما من فرنسا”، وكأن الدين مرتبط بوطن وتقاليده وليس، أساسا، يقيم قائمة الذات قابلة للتطور ذاتيا، وفق متطلبات الحداثة.
غريب أن يتناول رجل دولة إشكالا عقائديا منوطا بالمجامع الفقهية المشرفة على المعتقد الديني – مثل الفاتيكان للمسيحية والأزهر الشريف للإسلام.
لكن الأغرب أن يجمع رئيس حكومتنا في سلة متطرفة واحدة بين ”السلفية”، دون أدنى تمييز بين السلفية الجهادية والفكر السلفي الإصلاحي، و”الإخوان المسلمين”، في نسيان تام أن الجماعة خاضت تجربة ديموقراطية ورثتها من قابلية لـ «عيش مشترك» سياسي.
هل كتب رئيس وزرائنا بناء على معلوماته الخاصة – وهو المعروف بثقافة أعرض عادة – أم سارع مستشاروه إلى تزويده بما يسميه أهل المهنة بـ ”عناصر كلام”، أي حزمة أفكار مبعثرة قابلة للتركيب السريع على نمط ”تيك أوي وكله أقوام” ؟ في هذه الحالة، متى سيستعان بمستشارين ضليعين في الميادين المستهدفة؟
”لقد نوّر الإسلام الإنسانية”، كتب رئيس الوزراء، دون أدنى إشارة إلى الكيفية، فحتى ولو لم يتوجه إلى جمهور من المختصين، كان بوسعه على الأقل الإشارة إلى ”المنتدى الثقافي” الذي شكلتاه خلافتا بني العباس، بتكثيف أعمال الترجمة، وقرطبة التي جسدت نمط ”العيش المشترك”… الأثير إلى قلب اليسار الفرنسي. أو ربما ذهب مستشارو الوزير إلى حال سبيلهم في إجازة يطوفون بها العالم بحثا عن «نماذج جديدة» لـ»عيش مشترك» أفضل؟…
«العيش المشترك»…وأينا سيعارض العيش المشترك بوصفه مجالا رحب للتواصل والتناظر والتبادل من أنحاء شتى؟ لكن هل العيش المشترك الذي تتباهى به الطبقة السياسية الفرنسية الحاكمة على مر الأيام مجال فعلي للتواصل والتناظر والتبادل من أنحاء شتى؟
لا أعتقد ذلك، لسبب بسيط، وهو أن الأعمال لا تتم بمجرد النيات، وإنما بالمشاريع التي تجد طريقتها إلى التنفيذ.
ما الذي يمكن أن يمثله نموذج عيش مشترك يضطر فيه عدد من المثقفين المسلمين إلى نشر رسالة جماعية في الجريدة ذاتها ليعلنوا أنهم لزموا الصمت حتى الآن ”لأنهم تعلموا في فرنسا أن الدين شأن خاص”.
و”شأن خاص”، بفرنسا، يعني شأن ”يحسن السكوت عليه”…ليس مثل «الكلام الذي يحسن السكوت عليه» عند قدامى النحاة العرب لأنه بليغ، و إنما العكس تماما، إنه المبدأ القائم على إلحاق بالبلاغة البلاء، حتى لا ينخدش «نموذج» العيش المشترك الدائر على محور الحياد.
حياديون بامتياز إذن… فلنواصل على هذا الدرب…
لكن حذار أن نتذمر من النتائج فتتزايد نبرة لازمة ”أنظروا- شوفوا” حدة بما لا يترك مجالا لمراجعة الحسابات.
فلنواصل على درب لا يتعلم فيه أبناؤنا أسس مبادئ التعايش بين الأديان في مدارسنا…
ثم لنواصل على درب لا يصبح معه طبيعيا أن يتمكن أي فرد من أن يجاهر بانتماء إلى دين دون ان يؤوّل الأمر على أنه دعوة إلى اعتناق عقيدة…
فلنواصل على درب لا يمد الجسور بين مكونات النسيج الاجتماعي الفرنسي الأساسية وأعني تحديدا الإسلام و المسلمين. لنواصل على درب تلكؤ مدارس الجمهورية الفرنسية عن تدريس اللغة العربية كغيرها من اللغات الأساسية المكفول للدولة توفير أسباب تدريسها في مراحل التعليم المختلفة… و أضيف، لنواصل تسليم تدريس لغة الضاد لمن لا أهلية له به، ناهيك عندئذ عن مخاطر توظيف هذا التعليم في سبل لا يحمد عقباها.
لنواصل على هذه الدروب…ثم سنقف مكتوفي الأيدي قائلين عشنا و شفنا….
لا جديد في كلام الوزير تحت شمس أغسطس الحارقة ”نحن مستعدون لتحمل مسؤولياتنا”، يقول المثقفون الموقعون على رسالة «جريدة الأحد» الجماعية و الموكولون إلى تقديم شبه اعتذار عن انتمائهم للإسلام(!)
رئيس الوزراء أيضا ”مستعد”، أنا مستعد، أنت مستعدة، أنتم مستعدون، انتنّ مستعدات…هم مستعدون…هن مستعدات…
الكل مستعد…
أعلنت الحكومة الفرنسية اليوم عن إحياء مؤسسة «إسلام فرنسا»معتذرة عن فشل تحقيقها سابقا…
أتدري عزيزي القارئ بما يذكرني هذا السيل المتدفق من إعلانات حسن النية؟
يذكرني بالعاشق، أو بالأحرى، بالعاشق المترشح، الجالس في بيته، المنهمك في انشغالات يوميته، يتنظر إلى ما نهاية، ويرى في كل من يرن على جرس البيت فارسة أحلام محتملة.
له و عبره لنا جميعا أقول: يا أخي، ما لم تصح، لك أن تنتظر طويلا.

٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

إحياء مؤسسة «إسلام فرنسا»

بيار لوي ريمون

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية