■ لكل رحلة بداية، اخبرنا عن بدايات اشتغالك في الفن التشكيلي؟
□ ولدت في أسرة تحب الأدب والثقافة والتاريخ والتراث. وجدت ذلك في مكتبة والدي وأخوتي الكبار. كنت أتصفح وأطلع على هذه الكتب والرسومات التي فيها، فاستهواني الرسم، وصدفة شاركت عن طريق معلمتي الست ساجدة، وأنا طالب في الصف السادس الابتدائي، برسومات لتلاميذ المدينة المشاركة في مهرجان الفن السنوي لمهرجان الربيع المعروف، وحصلت لوحتي على المرتبة الأولى على تلاميذ المدينة، وكرموني بـ»ماجك» وألوان وكأس، في الاصطفاف الصباحي للمدرسة، وسط تصفيق التلاميذ، كانت تلك شرارة الإمساك بجذوة الفن وعشقه.
■ أين ومتى أقمت أول معرض شخصي، وما هي المواضيع التي تناولتها في اللوحات؟
□ في المرحلة المتوسطة توسعت اهتماماتي وتجذر عشقي للرسم. انضممت إلى مركز شباب الموصل، وأقمت أول معرض شخصي هناك. اشتمل على تخطيطات لوجوه أصدقائي في البورتريه، ولوحات لأزقة المدينة وأماكنها التاريخية والتراثية كالعوجات (الزقاق)، والأبواب التراثية للبيوت والطرز المعمارية والآثارية القديمة، التي يزخر بها تاريخ وتراث نينوى.
■ بما أن نينوى هي موئل الحضارات، ورائدة النحت الحجري الأول في التاريخ، خاصة الفن الآشوري، وفيها أول مكتبة في العالم، ما هو تأثير هذا على التجربة الفنية لسبهان وغيره من فناني الموصل؟
□ البيئة هي المحفز الأول للفنان، ومن أزقتها، وسراديبها وأقواس البناء في بيوتاتها، والأواوين والطرز التراثية للعمارات والآثار، خرجت لوحات الفنانين، وكنت أملك كاميرا وأتجول في أزقة البيوت وحاراتها، وأصور الأماكن التاريخية والتراثية والثيران المجنحة وبوابة المسقى والقليعات وسور نينوى، وحينما نذهب بسفرات طلابية إلى آثار الحضر والنمرود أصور آثارها، وثيرانها المجنحة وصقورها ورؤوس ملوكها، وأقوم برسم وإدخال رموزها في لوحاتي، فترى تأثيرها واضحا فيها، وهكذا اعتبر نفسي ابن تراث وحضارة أشور بانيبال وأسرحدون وسرجون الأكدي، البيئة أثرت في لوحاتي بعبق التاريخ والحضارة، وما زلت شغوفا وعاشقا لها.
■ ما هي تأثيرات مرحلة وجودك طالبا في معهد الفنون الجميلة، وماذا قدمت بعد أن تبلورت تجربتك الفنية في مركز شباب الموصل؟
□ مرحلة معهد الفنون الجميلة، محطة مهمة جدا في سيرتي الفنية، لأنني تعرفت على أصول الفن التشكيلي العراقي والموصلي من خلال وجود نخبة من فناني المدينة في المعهد إشرافا وتدريسا ومشاركة في معارضه السنوية، وهم أسماء لامعة وكبيرة، ولهم تجارب ناضجة وبصمة في الفن التشكيلي العراقي، وفي مقدمة هؤلاء الفنان الرائد نجيب يونس وراكان دبدوب وماهر حربي وبشير طه، وقد عرضت لي أول لوحة في معرض المعهد السنوي بعنوان «ملحمة كلكامش» وهي محاكات لسيرة كلكامش وصديقه أنكيدو وغريمهما خمبابا، وقد شكلت اللوحة ملمحا فنيا لي من خلال ثناء أصدقائي وإعجابهم بها، واستمرت مشاركاتي في معارض المعهد سنويا حتى بعد تخرجي منه.
■ كيف تنظر إلى تجارب الرواد والمعاصرين لك، وأين تضعها في المشهد التشكيلي العراقي؟
□ تزخر نينوى بمشهد لامع مضيء في الفن التشكيلي ويتصدر المشهد العراقي، من خلال الاسماء الرائدة التي تشكل جناح الفن التشكيلي العراقي ومن هذه الأسماء الرائدة نجيب يونس مدرسة الواقعية العراقية التشكيلية، وراكان دبدوب مدرسة الحداثة التشكيلية العربية والعراقية، ومخلد المختار الفناني العالمي اللامع في الحداثة والتحديث، وهكذا الرموز الاخرى ضرار القدو وبشير طه ومنهل الدباغ وخليف محمود المحل وليث عقراوي وحامد الراشدي ولوثر ايشو وثلة أخرى مبدعة، وكل هؤلاء شكلت تجاربهم ريادة التشكيل العراقي في نينوى.
■ بماذا تتصف مواضيع لوحاتك الفنية، وإلى أي المدارس الفنية تنتمي؟
□ غالبا ما تستهويني قضايا الحضارة والتراث والمعاصرة، وانتمى إلى المدرسة التعبيرية الأكاديمية، وأجواء لوحاتي استمدها من بيئتي وتقاليدها وتراث مدينتي المليء بالرموز، والمغري جدا في كتابة تاريخ المدينة فنيا، وحينما أرسم استحضر وجه التاريخ ومنجزه الحضاري، وحينما أشعر بالجفاف الفني، أذهب إلى قلعة باشطابيا وقرة سراي، واحتمي بآثار بوابة المسقى وأقف بجانب ثيرانها المجنحة، والتقط صورا معها أو لها، هناك أجد نفسي، وأشعر بانني أنتمي لهؤلاء وامتداد لهم، فيقف أمامي بكل هيبته الملك آشوربانيبال واسر حدون وسنحاريب، وأتجول في امبراطوريتهم وعواصمها الأربع الساحرة والمبهجة، إنها حاضرة التاريخ في لوحاتي، فأنا مسكون بحضارات نينوى وتراثها ومنها اقتنص ما يضيء لواحاتي.
■ ما هي المعارض التي شاركت فيها على صعيد العراق والمدينة؟
□ شاركت في جميع معارض معهد الفنون الجميلة وأنا طالب فيها عام 1988 حتى تخرجي فيه، وعودتي إليه بعد التخرج، كما ساهمت في معارض مهرجان الربيع المقام سنويا في الموصل، ومهرجان الحضر الدولي، وشاركت في بعض معارض جمعية التشكيليين العراقيين، وكذلك ساهمت في معرض المركز العالي للفنون التشكيلية في لبنان الدولي لعامين متتالين، إضافة إلى معارض شخصية كثيرة في الموصل بمناسبات متنوعة للفن…
■ إلى أي مدى يمكن لهذا الفهم العميق للفن أن يؤثر في تجارب الشعوب؟
□ حقيقة الفن في جوهره، وجوهر الفن هو الارتقاء بذائقة الإنسان إلى أعالي البهاء والنقاء، الفن هو معيار تطور وتقدم ورقي الشعوب، فالمجتمع بلا فن ولا ثقافة هو مجتمع ميت، ولا تأثير له ولا قيمة له بين الشعوب الأخرى، وهكذا يكون الفن سمة التطور الحضاري والتاريخي للشعوب، ولا يمكن إغفال الفن العراقي الآشوري والسومري والأكدي والبابلي الذي يشكل علامة فارقة في العالم.
■ تجربتك متنوعة، من النحت والسيراميك والبورتريه وتخطيطات بقلم الرصاص، اضافة إلى اللوحة التشكيلية بالزيت، كيف جمعت كل هذه الأشكال التعبيرية؟
□ منذ طفولتي وأنا أهوى النحت والرسم بقلم الرصاص، وكنت أستخدم الوحل لرسم أشكال متنوعة من الحيوانات والبيوت القديمة وغيرها، وبعد أن دخلت معهد الفنون الجميلة، تعرفت على فن السيراميك وعشقته، وهكذا وبعد تخرجي ذهبت إلى مركز الأشغال اليدوية وهناك كانت المفاجأة، وهي أن هذا المركز يتوفر على أقسام لفن النحت والسيراميك والطرق على النحاس والرسم على الزجاج والخياطة وغيرها، وهكذا وجدت ضآلتي فمارست هوايتي المفضلة وصقلتها في المركز مستغلا توفر الأجواء والأدوات والتشجيع، وهذا انعكس على لوحاتي وأعمالي الفنية في النحت والرسم على الزجاج والنحاس وعمل الطين وغيره….
■ كيف يؤثر النزوح اليوم على تجربتك الفنية؟
□ ألقت أحداث الموصل، وسيطرة القوى الظلامية على المدينة ظلالها، على مجمل الحياة وعطلت الإبداع كله في المدينة، وكان النزوح عنها يعد فوزا كبيرا، وهكذا بدأت رحلـــتي في النزوح إلى تركيا ثم إلى أربيل، ولكن يبقى هاجس الفن التشـــكيلي بكل أنواعه يؤرقني، فأهرب إلى رسم الحياة بلوحات الزيت أو بالتخطيطات وغيرها، لعدم توفر مستلزمات الرسم، والظروف النفسية وقاعات العرض، وأعتقد أن هذه الفترة التي نحياها نازحين ستثري أعمالنا المقبلة، لأنها لحظات استثنائية قاهرة في حيواتنا، ولابد أن نسجل دقائقها للتاريخ، لنقل ما عاناه العراقي نازحا وفنانا ومبدعا، والتاريخ لا يصنعه إلا المبدعون، فهم من يصنع الحضارة والتاريخ.