مسرحية «أنقذني» النمساوية: هكذا يعيش السوري ملحمته

حجم الخط
0

النمسا ـ طلال مرتضى: لم نكن في انتظار أن تقلع بنا الطائرة في رحلة معلومة، بل كنا متأهبين ملء حواسنا بانتظار أن ترفع ستارة المسرح ليبدأ العرض الجديد «أنقذني»، الذي حسبما أعتقد أننا قد وقعنا في فخه قبل أن نجلس على مقاعدنا.
وكان السؤال بدءًا، لماذا أخذت إدارة المسرح وثائقنا (جواز سفر، بطاقة شخصية، أو أي مستند مهم) قبل الدخول إلى الصالة؟.
لعل العرض الذي دخل حيز التنفيذ تواً، على غير ما اعتدنا عليه من عروض مسرحية أخرى سابقة، حيث بدء العرض عبر شاشة جدارية كبيرة، تُجسد اضطراب البحر وهياجه، من خلال مؤثرات صوتية وموسيقى صاخبة، أقرب إلى موسيقى الحرب، من شيء يدعو إلى الاسترخاء وبث السكينة في النفوس، إلى أن تظهر «قوارب الموت» جلية وهي تعارك الموج، وسط الحالة المروعة التي ارتسمت على وجوه اللاجئين الذين يستقلونها، في محاولة يائسة للفظ حمولتها إلى شاطئ أمان.
بعدما صار الممثلون جزءًا من المشهد، جثثا لفظها البحر، أمتعة مبعثرة، ناجين يعيشون غيبوبة الصدمة والموت، وهذا ما جعل الخشبة تعيش حالةً عبثية فوضوية، وليس سوى عدة أشخاص افترشوا الخشبة (ممثلين) يتفرسون وجوه الجمهور المصدوم، بأسئلة وكلام يعتقد البعض بأنه من خارج النص، في حين لم يكن الجمهور مستعداً لمواجهتها أو الإجابة عليها: «ها أنتم تتنفسون»، «تفكيركم حر»، «تجلسون في العتمة وتنتظرون»، «تنتظرون أشكالاً من المتع»، «هنا لن تشاهدوا عرضاً مسرحياً»، إنها حيلة مبتكرة تم اختراعها عن سابق نية، لجرِّ المتفرج وإشراكه في اللعبة التي يمارسون طقسها فوق الخشبة «لعبة التحدي والموت».
«أنقذني»، المسرحية النمساوية التي جسدت ما يتعرض له ضحايا الحروب التي شردتهم وقتلتهم باسم حريتهم، وقصص اللجوء المقيتة، من خلال الهروب من الموت عبر طرق الموت، على أمل النجاة، حسب قول مخرجة العمل النمساوية أوتا باور، حيث أن عرض المسرحية لاقى متابعةً وحضوراً كثيفين في كلٍ من «تراون» و»آنسفلدن» النمساويتين، والذي عاد ريعه لصالح اللاجئين في النمسا، وهو العمل الثاني لباور، بعدما تطرقت في عملها الأول في الموسم الفائت «الحرب المتعبة» بمناسبة مرور 70 عاماً على الحرب العالمية، لمعاناة اللجوء والشتات ليعيشوا كلاجئين من دون أوطان أو هويات.
الناقد والإعلامي السوري علي الحسن، الذي واكب العرض لمرتين، الأولى بعين اللاجئ المتوهل، حين قرأ العرض عن كثب من خلال ذاكرته الاستعادية التي عاشها واقعاً وحضوراً، وفي المرة الثانية تلمس العرض بعين الناقد، واضعاً مبضعه فوق مواطن الوجع، قال: إن «العرض نصاً واخراجاً لامس اللجوء كقضية إنسانية وهو يطرق في احترافية أبواب القلوب والعقول، ويطرح هذه القضية على أكثر من محور وجانب، وبدا فريق العرض ملماً ودارياً بتفاصيل على غاية من الحساسية والأهمية، في ما يخص رحلة اللجوء، تفاصيل لامست الوجدان وسرت على الخشبة برشاقة»، مشيراً الى ان «التفاصيل الموشاة بالألم التي عاشها الممثلون على الخشبة كما لو كانت حقيقة وواقع تفاصيلهم الشخصية التي عايشوها وسكنت في خلجات أنفسهم، ما أعطى للعرض أبعاداً أكثر واقعية وأكثر تأثيرا، وهذا في رأيي لم يأت عبثاً أو مجرد اجتهادات على الخشبة، إنما جاء عبر ما تختزنه الذاكرة من قصص لجوء تناقلتها أجيال هنا في أكثر من بلد أوروبي. وفي النمسا تحديداً، القصص ذاتها المؤثرة والمؤلمة وثقتها الكتب والأفلام والمتاحف عبر صور حية ما تزال حارة ومؤلمة».
ويضع العرض المتلقي وجها لوجه أمام ما تخلفه الحروب من أشكال مفجعة، كذلك ما تفعله «النجاة»، حيث تعلن الحياة عن نفسها أنها جديرة بأشكال الغواية والمغامرة، مثلما هي مثقلة بالثنائيات على تعددها وتناقضاتها.
هذا العرض أنظر إليه أيضا بخصوصية مختلفة كونه لامسني كمتفرج لاجئ أولاً، ومهتم بالمسرح لجهة القراءات ثانيا. المسرحية حملت البساطة كحكاية وهي تتناول رحلات وقصص اللجوء، في الوقت ذاته أرادت أن تقول إن الفقد أياً كان حجمه إنما هو واحد من أصعب المراحل التي يمر بها الإنسان، وإذا كان الموضوع يتعلق بفقدان عزيز فهذا أشد أشكال الخسارات. الخسارات التي تفتح شهية السؤال، أو لعنة السؤال، كيف يمكن أن تتجلى محاولات استعادة الإنسان، أو إنقاذه على أقل تقدير، في زمن الموت الممتد على خريطة الجينات كوحش خرافي أو أسطوري خالد وهو يجسد كل أشكال البشاعة والدموية».
من اللافت أن حالة ترقب وتفكر عزلت الكثيرين ممن حضروا بسبب الاستيلاء على أوراقهم الشخصية، وهي حالة لم تحصل من قبل مع مرتادي المسرح، متلهفين بانتظار أن تعلن أسماء أصحاب الأوراق لاستلامها، ليتكشف في ما بعد أنها جزء من النص، وذلك بعد أن تخرج باور لتخاطبهم: «وحدها مصادفات التاريخ جعلت الأوروبيين هذه المرة ليسوا  لاجئين، في حين أننا ندرك تماما أن في كل عائلة هناك تاريخا لهروب أو لجوء». لتنهي بالتوضيح حول أخذها لجوازات سفر الجمهور: «أردت أن تعيشوا ساعة واحدة، من دون أي وثائق تُعرف بكم عند حواجز الحدود، ألا تستدعي هذه اللحظة أن نسمو بإنسانيتنا، وأن نعطي كل ما لدينا باستمرار، الصداقات العقلية والروحية، الخبرات، والغذاء وكل أشكال المساعدة».

مسرحية «أنقذني» النمساوية: هكذا يعيش السوري ملحمته
تعكس قصص اللاجئين وضحايا الحروب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية