التعليقات والمقالات التي كتبت حول فك ارتباط «جبهة النصرة» بتنظيم «القاعدة» اتجهت في غالبها إلى وصف الخطوة بالصورية التي لا تتعدى التغيير الاسمي مع بقاء العقيدة والجوهر على ما هما عليه.
ركز أولئك الكتاب على رسالة تنظيم «القاعدة» التي استبقت فك الارتباط بمباركته، وما قابلها من شكر وثناء على القاعدة وقياداتها من قبل قائد الجبهة الجولاني الذي شغل أولئك الكتاب بزي يشابه زي أسامة بن لادن.
وجد أولئك أيضا في ظاهر التصريحات الأمريكية ما يثبت نظريتهم، قال الجيش الأمريكي بوضوح إن الجبهة ستبقى ضمن أهداف الولايات المتحدة وإن تغير اسمها.
على أن ما قاله الجولاني في رسالته المختصرة لا يبدو واحدا من بيانات القاعدة التي تبنى عادة على النصوص الدينية، بل على العكس تخلى الجولاني في رسالته عن واحد من أهم مفاهيم القاعدة وهو مفهوم «الأمة الواحدة» ليتحدث عن جبهة تعمل بنطاق ضيق، جبهة تتخلى عن تنظيم «القاعدة» الدولي لتعمل باسم محلي جديد تبدأ معاركه وتنتهي في سوريا، وتقدم للغرب ما يحتاجه من ضمانات تتعلق بأمنه وعدم التعدي على حدوده.
بالتأكيد بدا واضحا أن الجولاني كان حريصا على شعبوية القائد فقدم لأنصاره خطابا لا يخيب ظنونهم كثيرا ولا يلبس جبهته ثوب التنازلات والخنوع للغرب، الثوب الذي كان دائما سلاح تنظيم «الدولة» الإسلامية في استمالة عناصر «النصرة» إلى صفوفه والذي وصل حد وصف الجبهة بالصحوات.
لكن ما أجمله الجولاني فصّله قائد آخر في جبهة النصرة هو مصطفى محمد حين قال «إن الجبهة لن تأتمر بأمر القاعدة أو أي جهة خارجية بعد اليوم وهي تعمل على الشأن السوري فقط ولن تغير سياستها هذه فيما بعد مطلقا».
وليس غريبا بالتأكيد أن تكون هذه التصريحات المفصلة أو «الضمانات» موجهة للغرب في مقابلة حصرية مع قناة «سي ان ان» الأمريكية .
رد الخارجية الأمريكية على تحول «النصرة» كان مختلفا في الصياغة عن رد الجيش الأمريكي أو البيت الأبيض، حيث قال المتحدث باسم الخارجية بوضوح «إن إعلان جبهة النصرة يمكن أن يكون ببساطة مجرد تغيير للمسميات، وإن الولايات المتحدة ستحكم عليها من تصرفاتها وأهدافها وعقيدتها».
فالخارجية لم تجزم بأن الأمر تغيير للمسميات فحسب بل علقت الموضوع بما هو آت من سلوك الجبهة وهو ما يشير إلى أن الولايات المتحدة كانت تنتظر الخطوة من النصرة كرسالة أمان للغرب ولعلها تنتظر منها المزيد في إثباتها. في روسيا ثمة من ذهب أبعد من ذلك ليقول أن خطوة «النصرة» كانت بطلب من الولايات المتحدة وفق ما نقله موقع «روسيا اليوم» الرسمي عن مقربين من دائرة القرار في موسكو.
ما من عداوة دائمة في نادي السياسة. ثمة نسبية للخصومة والخلاف دوما.
لم تكن الولايات المتحدة على وفاق مع حكومة الولي الفقيه في إيران يوما لكنها بلغت معها ما يشبه التحالف في ملفات العراق. الأمر نفسه ينطبق على الأسد الذي تراه الولايات المتحدة جزارا فاقدا للشرعية لكنه الأقل سوءا في سوريا بالنسبة لها حتى الآن.
على كل علات إيران والأسد يتقن كلاهما ما يحتاجه الغرب من مصالح أمنية ولذلك لا عجب أن نسمع في الغرب عن «تنسيق أمني مع الأسد واستخباراته في مواجهة الإرهاب» كجملة اعتراضية في سياق سيل من الشتائم الموجهة لديكتاتوريته!
وإذا أردنا مثالا أقرب للقاعدة يمكننا الحديث عن طالبان التي كانت في صدارة أعداء الولايات المتحدة، فيما مضى بينما تبحث أمريكا اليوم عن أبواب لمفاوضتها حول استقرار أفغانستان وتقدم لها لغة المرونة وصفقات تحت الطاولة بل وقدمت لها مؤخرا ما يشير إلى التمييز بين طالبان أفغانستان وطالبان باكستان!
«القاعدة» أيضا تعلمت من دروس سابقة، يذكر التنظيم بوضوح يوم طلب من قادته الخروج من أفغانستان قبيل غزوها. ولعله نادم على قراره في ذلك الوقت، ويدرك اليوم أهمية وجود أرض أو ملجأ لاستراحة المحارب عقب معاركه.
بالتأكيد لا نتحدث عن حلف قريب بين الولايات المتحدة و»النصرة» فالإدارة الأمريكية لا تثق بمن هو أقل تطرفا من النصرة من الفصائل السنية، لكن لغة السياسة ليست لغة التحالف والثقة فحسب بل هي لغة المصالح أيضا.
يهتم الغرب بتقليل أعدائه ومستهدفي أمنه دون شك وله في سوريا من المصالح ما قد يتفق مع بعض ما تريده «فتح الشام».
ما قامت به النصرة ليس تغييرا اسميا بكل تأكيد. بل هو مشورة سياسية قدمت للنصرة من أطراف تتقن السياسة. وتعرف ان المهم في لغة السياسة هو ما ستفعل ومن ستحارب… وليس زيّ اسامة بن لادن ولا الترحم عليه.
٭ كاتب وإعلامي سوري
محمود الزيبق