تخلفنا تاريخيا عن الاكتشافات والاختراعات والديمقراطية ومستقبلا لن نركب قطار الفضاء

حجم الخط
1

السيل الجارف من الأخبار التي يطالعها المرء يوميا بفضل تطور وسائل الاتصال والصحافة الرقمية المرتبطة بالإنترنت والقنوات الفضائية، يجعل من الصعب رصد كل الأخبار، وبالتالي تمر الكثير منها بدون أن يلتفت لها القارئ والمهتم رغم أهميتها وتأثيرها الذي يمتد ليس فقط لأسابيع أو سنوات بل لعقود إذا لم نقل أكثر.
وهذه الظاهرة تبدو بشكل بارز في العالم الثالث، حيث هيمنة نوعية الأخبار مرتبطة بالمآسي التي يتم تسجيلها، وكذلك بسبب غياب معايير دقيقة من طرف القائمين على صياغة الأجندة الإعلامية، حيث عادة ما يحضر التقليد، تقليد الغرب ونقل أجندته، نظرا لضعف الاحترافية.
ومن الأخبار الرئيسية بل التي تشكل منعطفا في تاريخ البشرية التي وقعت الأسبوع الماضي، ترخيص إعلان الوكالة الفيدرالية الأمريكية للفضاء التابعة للحكومة لشركة من القطاع الخاص «مون إكسبريس» بإرسال سفينة صغيرة غير مأهولة إلى القمر لدراسة المعادن هناك، وهي المبادرة الأولى من نوعها في تاريخ غزو أو استكشاف الفضاء بعدما كانت هذه المهمة محصورة فقط على الدول وخاصة الكبرى التي تمتلك الإمكانيات. وكانت في الماضي مقتصرة على الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ولكنها تمتد اليوم إلى روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي والهند والصين ومجموعة الاتحاد الأوروبي.
الإعلان عن القرار يتزامن تقريبا مع الذكرى 47 لوصول الإنسان إلى سطح القمر، وصول نيل أرمسترونغ ورفاقه إلى القمر، وإن كانت هذه الخطوة، أي الوصول إلى القمر، تحتسب مع مرور الزمن ولحقب طويلة لصالح البشرية جمعاء التي عاشت في القرن العشرين أكثر مما ستحتسب للولايات المتحدة. ولعل دارسي الحضارات لا ينسبون استعمال النار لأول مرة واختراع الكتابة وباقي الاختراعات الكبرى لعرق وشعب معين بقدر ما تنسب للحضارة الإنسانية نظرا لتأثير هذه الاختراعات على مسار البشرية.
وبينما اهتمت الدول الكبرى وكذلك الصاعدة ووسائل إعلامها بخبر إرسال سفينة صغيرة إلى القمر وبدأت تناقش مدى التناقض بين الترخيص لشركة خاصة عوض قيام الولايات المتحدة كدولة بهذه المهمة، فقد غاب الخبر في صحافة الكثير من دول العالم الثالث ومنها صحف العالم العربي. وحضور النقاش لدى الصنف الأول من الدول هو أمر عادي لأنها تمتلك الوعي الكافي بأن القمر بدأ تدريجيا يأخذ أهمية خاصة كمصدر للطاقة للبشرية خاصة وأن التقدم العلمي في السفر سيكون كل مرة أسهل.
وتشير دراسات أمريكية وروسية إلى أن الثروات الطبيعية وعلى رأسها المناجم ستدخل الدورة الاقتصادية لسكان الأرض خلال عقدين فقـــط، وهو أمر جــديد بالنسبة للبشرية، وهو شبيه بإدماج ثروات القارة الأمريكية في الاقتصاد العالمي ابتداء من القرن السادس عشر بعدما اكتشفها كريستوفر كولومبوس. ووقع حادث خلال تشرين الثاني/نوفمبر الماضي مكمل لهذا التصور الآخذ في التبلور وهو توقيع الرئيس باراك أوباما على قرار «التجارة الفضائية» الذي يسمح للمواطنين الأمريكيين باستغلال المعادن المتواجدة في المذنبات إذا نجحوا في ذلك.
والمثير أن رئيس مشروع إرسال سفينة صغيرة إلى القمر وهو نافيم جاين، قال هذه الأيام «اخترنا التوجه إلى القمر ليس لأن العملية سهلة، بل لأن الأمر يتعلق بتجارة مربحة مستقبلا».
وعمليا، يشكل القمر تجارة مربحة للشركات التي ستنجح في استغلال والاستيراد للأرض معادن مثل هيليو 3 الذي قد يحل مشاكل البشرية في قطاع الطاقة مستقبلا للعقود والقرون المقبلة، وبدأ الحديث عن استعماله ابتداء من سنة 2050 حيث يكون السفر إلى القمر عملية سهلة لاستجلاب هذه المادة الموجودة بكثرة في القمر ونادرة جدا في الأرض.
ومثلما شهدت البشرية ابتداء من الاكتشافات الجغرافية الكبرى بداية تبلور الدول الغنية المتمثلة في الغرب بفضل الاستعمار واستغلال خيرات الدول والمناطق الأخرى الفقيرة، فهذه الظاهرة قد تتعمق أكثر مستقبلا بحكم سيطرة دول على مصادر الطاقة التي ستحتاجها البشرية مثل هيليو 3 بينما دول أخرى ستبقى رهينة هذه الدول الكبرى.
خبر من هذا الحجم لم يحظ بأي اهتمام من طرف الصحافة العربية، فهي غارقة في أخبار الدم المهيمنة على العالم العربي، كما أن الصحافة العربية تفتقد لمحترفين متخصصين في العلوم وفي اختيار الأخبار ذات التأثير الهائل على البشرية مثل هذا الخبر.
وعلى شكل غياب اهتمام الصحافة بمثل هذه الأخبار، تفتقد الجامعة في العالم العربي للاهتمام بثقافة الفضاء وخاصة مظهرها الواقعــــي وهــو السفر إلى القمر وكواكب أخرى واحتمال إقامة مستوطنات بشرية في الفضاء خلال العقود المقبلة. ومن الصعب العثور على كتب أو أبحات جامعية عربية من هذا النوع تتناول الموضوع باستثناء ترجمة بعض المؤلفات الغربية وبشكل محدود للغاية.
وهكذا، فقد تخلف العالم العربي عن قطار الاكتشافات الكبرى، ولم يركب قطار النهضة العلمية، ويقوم حكامه بعرقلة التحاقه بقطار التنمية والديمقراطية، والآن يعجز حتى عن استيعاب ثقافة الفضاء وتأثيرها على مستقبل البشرية، والإعلام العربي معيار آخر على هذا العجز بعدم وعيه بأهمية هذه المواضيع.

٭ كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»

تخلفنا تاريخيا عن الاكتشافات والاختراعات والديمقراطية ومستقبلا لن نركب قطار الفضاء

د. حسين مجدوبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية